بنيامين نتنياهو متحدثًا في الدورة الـ69 للأمم المتحدة

منذ احتلال فلسطين في عام 1948، صدر أكثر من 40 قرارًا لمجلس الأمن، والتي تدين في أغلبها الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وكل هذه القرارات كانت تطالب الإسرائيليين بالالتزام والاستجابة لها، إلا أن معظمها لم يتم تطبيقه.

عشرات القرارات التي أدانت وشجبت واستنكرت الجرائم الإسرائيلية، والتي طالبت الكيان الإسرائيلي فيها أيضًا الانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين والدول العربية المحيطة، خلال الحروب التي خيضت منذ نهاية الأربعينات وحتى مطلع الثمانينات من القرن الماضي، مع مصر والأردن وسوريا ولبنان.

وقرارات أخرى تدين الاستيطان المتغلغل في الأراضي الفلسطينية، وتدعو لوقفه وتفكيكه ومحاسبة "إسرائيل" عليه، مثل قرار رقم 446، وقرار رقم 452 لسنة 1979، وقرار رقم 465 ‏(مارس 1980‏)، وقرار 478 (أغسطس 1980)، جميعها اعتبرت الاستيطان غير شرعي وغير قانوني، وجميعها كانت ملزمة للكيان الإسرائيلي، لكن لم يطبق شيئًا منها على الأرض.

آخر القرارات المتعلقة بالاستيطان ووقفه هو ما كان أول أمس الجمعة، حيث أصدر مجلس الأمن قرارًا بالإجماع يطالب بوقف بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

هل كان "صفعة" وقرارًا "تاريخيًا"؟

هذا القرار الذي وصف "بالتاريخي"، والذي اعتبره الفلسطينيون بـ"الصفعة الكبيرة" لإسرائيل، صوت لصالحه 14 دولة، فيما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت دون أن تستخدم حق الفيتو، على المشروع.

حيث أُعتبر الموقف الأمريكي هذا بمثابة الضوء الأخضر لتمرير القرار، وهو ما أُعتبر تحركًا نادرًا لواشنطن، التي عادة ما تدافع عن "إسرائيل" أمام مثل هذه القرارات، فيما اعتبر مراقبون هذا الموقف "طلقة الوداع" من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي ازداد التوتر في علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا كما تشير بعض التقارير؛ حيث نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤول رفيع المستوى اتهامه للرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري بالوقوف وراء مشروع القرار.

أوباما لأنه "يودّع" كل شيء الآن، يعلم تمامًا أن خليفته في الأبيض الأشد قربًا وتوددًا لإسرائيل –ترامب- سيعوض كل ذلك للإسرائيليين، وربما أضعاف مضاعفة، وهو يعلم تمامًا أن "إسرائيل" لن تلتزم بهذا القرار كما لم تلتزم بسابقاته من القرارات التي من المفترض أن تكون "مُلزمة" لدولة الاحتلال.

أوباما الذي اُتهم اليوم بإعطاء الضوء الأخضر لتمرير هذا القرار، هو نفسه الذي صوت بـ"فيتو" على قرار مشابهٍ له في عام 2011، حيث استخدمت واشنطن حينها حق النقض ضد مشروع قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية بعد أن رفض الفلسطينيون تسوية عرضتها واشنطن آنذاك.

ما الذي يوقف مد الاستيطان والعدوان؟

ماذا ستفيد مثل هذه "القرارات التاريخية" إذا كانت "إسرائيل" غير مبالية بالتنديد والاحتجاجات الدولية الهائلة، ضد سياستها الاستيطانية، فالاستيطان لم يتوقف ولا ليوم واحد، كذلك نهب الأراضي الفلسطينية وتحويلها للاستيطان.

نتنياهو: "ليس بضع شقق بالقرب من معاليه أدوميم، أو عدة أحياء في القدس ستقوض عملية السلام، إنما التحريض ضد دولة إسرائيل هو الذي سيقوض السلام".

انتقادات الأمم المتحدة وقراراتها، وتقارير اللجنة الرباعية الدولية الخجولة ضد الاستيطان لم تأخذ بها "إسرائيل"، حيث ضربت بعرض الحائط بيان الخارجية الأميركية الذي صدر منذ أشهر قليلة، والذي جاء فيه أن البناء في القدس الشرقية، ومعاليه أدوميم، وفي الضفة الغربية عملية منهجية إسرائيلية للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية، الأمر الذي يقوض أسس "دولتين لشعبين".

وبعد 24 ساعة من ذلك البيان الأمريكي، رد رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو قائلاً إنه "ليس بضع شقق بالقرب من معاليه ادوميم، أو عدة أحياء في القدس ستقوض عملية السلام، إنما التحريض ضد دولة إسرائيل هو الذي سيقوض السلام".

نتنياهو ومن خلفه المستوطنات

هذه المبررات التي لطالما اخترعتها "إسرائيل" للاستمرار بزرع الأراضي الفلسطينية بالمستوطنات، فالاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، هو منبع ومنهج السياسة الإسرائيلية.

مع أن لهذه الدول في مجلس الأمن إمكانيات هائلة، لوضع حد للعنجهية الإسرائيلية -إذا كانت جادة في مواقفها واحتجاجاتها-، إلا أن "إسرائيل" تنتهج سياسة علنية واضحة وتتحدى الجميع بإقامة مستوطنات والدوس على جميع هذه القرارات بأقدامها.

هذا التطرف والغلو، في السياستين الأميركية والإسرائيلية -والذي سنشهده يتضخم ويتصاعد مع رحيل أوباما وصعود ترامب- سيقابله غضب عربي وإسلامي مفتوح إلى ما لا نهاية

ما العجب إذا في السياسة الإسرائيلية التوسعية، حين ذكرت جريدة "هآرتس" في 13-7-2016، أن "مسودة البرنامج السياسي للحزب الجمهوري الأميركي، لكسب أصوات اليهود والمتعاطفين معهم، إخراج ما يسمى بحل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية من بنود برنامج هذا الحزب"، كما يرفض الحزب ما يطلق عليه بالفكرة الكاذبة القائلة بأن "إسرائيل" دولة احتلال، محتلة لأراضي الفلسطينيين.

وها هو الحزب الجمهوري يصل إلى رئاسة البيت الأبيض متمثلًا بترامب، فهل سينوي البيت الأبيض الجديد التعارض والتصادم مع قرارات الشرعية الدولية؟ التي كان يعتبرها الجميع أساسًا في سياسة الولايات المتحدة، لحل "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني".

ويقول محللون إن هذا التطرف والغلو، في السياستين الأميركية والإسرائيلية -والذي سنشهده يتضخم ويتصاعد مع رحيل أوباما وصعود ترامب- سيقابله غضب عربي وإسلامي مفتوح -إلى ما لا نهاية- سيعرّض المنطقة إلى المزيد من التوتر والمواجهة والحروب.

ترامب ونتنياهو

حيث ستكون السياسة الأمريكية "الترامبية" صريحة وواضحة على العلن، لا مراوغات ولا "تطييب خواطر" أو وعود كاذبة، ستغلق تمامًا أي وعود بحلول سلمية –ما زال يتمسك بها المفاوضون الفلسطينيون والأنظمة العربية من ورائهم- ستؤدي إلى موجة طويلة من العنف والصراع.

فما الذي سيوقف المد الاستيطاني وعنجهية "نتنياهو-ترامب" القادمة إلا الشعب الفلسطيني نفسه، فالإسرائيليون لن يستطيعوا الاستمرار في الاستيطان، والسيطرة على شعب آخر، متوقعين أن يستسلم لهم أو يسلم بالأمر الواقع.

كل ما تتخذه الحكومة الإسرائيلية، باستحداث آلية للإسراع بهدم منازل الفلسطينيين، والاستمرار بالاستيطان، وتكثيف حشد قوات جيش الاحتلال في الضفة الغربية، وتعزيز قوات الشرطة في القدس، والمزيد من الاعتقالات الإدارية، وزيادة العقوبات على المقاومين وملقي الحجارة والزجاجات الحارقة، واللجوء إلى سياسة الإبعاد، وزيادة جرعات قتل غزة وتضييق الخناق عليها، ورفع شعار "الموت للعرب"، كل هذه السياسة جرى تجربتها منذ أكثر من 69 عاماً، فماذا كانت النتيجة؟ هل استسلم أو سلّم الفلسطينيون للأمر الواقع، في الوقت الذي تخلى عنهم العالم أجمع؟