ترجمة وتحرير نون بوست

اليوم يجتمع دبلوماسيون من دول عدة في مدينة مونترو السويسرية للتوصل إلى “تسوية” تهدف إلى إنهاء الأزمة السورية التي تفاقمت من ثورة شعبية بعد قمع النظام السوري إلى حالة من الحرب الأهلية على مدار ثلاث سنوات.

هناك أسباب عديدة للشك العميق في أن تحرز هذه الجهود الدبلوماسية -غير المرتبطة مباشرة بالواقع على الأرض- أية نتائج، فالنظام السوري يواصل حملاته الوحشية مدعوما من إيران وروسيا. علي حيدر، صديق دراسة قديم للأسد وكان أحد رموز المعارضة من داخل النظام، قال قبل عدة أيام “لا تتوقعوا شيئا من جنيف ٢، لا جنيف ٢ ولا جنيف ٣ ولا جنيف x سيحل الأزمة السورية، الحل بدأ بالفعل وسيستمر، الحل هو في الانتصار العسكري للدولة السورية على الأرض."

هناك حالة من التشاؤم المنتشرة على نطاق واسع بشأن اتفاق تقاسم السلطات لإنهاء الاقتتال، فمن الممكن أن يؤدي ذلك في النهاية إلى انقسام سوريا لدويلات طائفية أو حتى عودة لوضع ما قبل الثورة حيث يسيطر العلويون على كل شيء فيما يعود السنة مرة أخرى للخضوع والاستسلام.

وكما أنه من الصعب للغاية أن يستطيع الوسطاء الدوليون إيجاد اتفاق لتقاسم السلطة بين النظام والمعارضة، وكما أنه من المستحيل أن تستطيع الأقلية العلوية أن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتم تقسيم سوريا على أسس طائفية، ونظرة سريعة على جغرافيا سوريا السياسية تخبرنا لماذا!

الجغرافيا السياسية

قبل اتفاقية سايكس بيكو كان اسم سوريا يُستخدم من قبل التجار والسياسيين والمحاربين على حد سواء لوصف الأرض التي تمتد من جبال طوروس في الشمال، والبحر المتوسط في الغرب، وسيناء في الجنوب، والصحراء العربية في الشرق، ولو كنت تاجرا عربيا قديما تمر بطريق القوافل من الحجاز إلى الشمال فكنت ستسمي هذه المنطقة كلها باسم بلاد الشام.

وللأسف، فأينما وجهت نظرك وأنت في سوريا، فإنك ستجد نفسك دوما في موقف مؤسف محاطا بقوى أقوى كثيرا من سوريا. الأراضي الغنية التي تمتد من آسيا الصغرى إلى أوروبا حول بحر مرمرة في الشمال، ووادي النيل في الجنوب، ودجلة والفرات في الشرق .. كل تلك البلاد كانت دوما أقوى من سوريا.

ولا يمكن النظر إلى سوريا كقوة ضخمة ومحورية في التاريخ إلا في فترتين، الأولى أيام الأسرة الهيلينية السلوقية والتي كانت تحكم من أنطاكيا (في تركيا حاليا) قبل قرابة ٢٠٠ عام قبل الميلاد، والفترة الثانية خلال عهد الدولة الأموية خلال قرابة ٩٠ عاما في القرنين الأول والثاني بعد الهجرة. 

وعلى عكس وادي النيل، سوريا تفتقر إلى عنصر قوة من ناحية الجغرافيا، وهي الطبيعة التي تلزم الشعب أن يتغلب على الانقسامات الداخلية. في سوريا هناك خط ساحلي يشارك في التجارة البحرية بقوة، ومناطق نائية متماسكة قادرة على توفير الغذاء والأمن.

الساحل الطويل والضيق يُعد الحزام الغربي لسوريا، وعلى طول هذا الحزام كانت تسكن جيوب وأقليات بما فيها العلويون والمسيحيون والدروز، وهم عادة يثقون بالغرباء من الغرب كثقتهم في أهل بلادهم العرب والحكام المحليين في الشرق، كما أنهم على استعداد للتعاون مع أي شخص يضمن بقاءهم على قيد الحياة!

وإلى الغرب حيث الجبال المتاخمة للبنان، يمر نهر بردى ناحية الشرق متجها إلى الواحة في الصحراء: دمشق! 

محمية من اتجاه الساحل بسلسلتين جبليتين ومساحات شاسعة من الصحراء إلى الشرق، تبدو دمشق كقلعة حصينة تصلح تماما لتكون عاصمة، لكن لتكون عاصمة لها احترامها في المنطقة فيجب أن تفتح طريقا عبر الجبال إلى ساحل المتوسط من خلال الساحق الفينيقي (اللبناني) وأيضا تجاه الشمال عبر وديان شبه قاحلة خلال حمص، حماة وإدلب .. إلى حلب.

طبيعة دمشق تجعلها مكانا لتجمع سكان متجانسين على عكس الساحل الوعر الذي يضم المتمردين غالبا. حلب تقع في فم الهلال الخصيب، الممر التجاري الطبيعي بين هضبة الأناضول في الشمال والبحر المتوسط عبر حمص في الغرب.

أخيرا، من الناحية الشرقية تتشكل القفار بين سوريا وبلاد ما بين النهرين.

التركيبة السكانية

الكثافة السكانية في سوريا

 

تعيش في سوريا فسيفساء من السكان، وتتفاوت التركيبة السكانية على الأرض السورية تفاوتا كبيرا، فسابقا كان معظم سكانها من المسيحيين، الأرثوذكس الشرقيين تحديدا، لكن بعد الفتوحات الإسلامية تغيرت تلك التركيبة فصار المسلمون أغلبية ثم صار السنة أغلبية ووُجد فيها الشيعة بنسبة كبيرة.

كان الفرنسيون سادة في استراتيجية التلاعب بالأقليات، ومنذ الاحتلال الفرنسي حتى الآن جلبت تلك الاستراتيجية عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها، في لبنان مثلا فضل الفرنسيون المسيحيين الموارنة، على حساب التجار السنة الأكثر فقرا. 

كما أنهم عمدوا إلى الطائفة النصيرية وفضلوهم على السنة الدمشقيين وجاءوا بهم من الساحل ومن لبنان وأعادوا تسميتهم “العلويون” كي يعطوا لهم بعض المصداقية الدينية ثم كدسوهم في الجيش السوري خلال الانتداب الفرنسي.

وعندما انتهى الانتداب عام ١٩٤٣ كانت تلك المكونات بالفعل في أماكنها كما أراد الفرنسيون، وبلغ ذلك التوتر الذي أراده الانتداب ذروته عام ١٩٧٠ مع انقلاب غير دموي قام به حافظ الأسد. 

مناطق الطوائف وتوزيعاتها في سوريا ولبنان

كونوا واقعيين

يبقى أن نقول أن الوفود التي تشارك في جنيف ٢ ويناقشون الأزمة السورية يواجهون سلسلة من حقائق الجغرافيا السياسية التي ستصعّب أي حل والتي حكمت هذه البلاد منذ أقدم العصور.

فمن غير المرجح أن تتراجع الأقلية العلوية الحاكمة عن حكم سوريا قريبا، خاصة مع بعض الانتصار النسبي الذي تحرزه قوات الأسد بشكل مضطرد في الضواحي والريف. حزب الله اللبناني من جهة أخرى يسعى لضمان بقاء العلويين في السلطة من خلال الدفاع المستميت عن طريق دمشق-البقاع-الساحل اللبناني. 

وطالما يستطيع العلويون التمسك بدمشق والحفاظ عليها، فليس هناك داع أبدا للتنازل عن معقل اقتصادي مثل دمشق!

من ناحية أخرى فإن القوات الكردية في الشمال تسعى لإقامة منطقة حكم ذاتي، لكن النظام العلوي في دمشق يدرك جيدا أن الأكراد يمثلون خطرا حقيقيا على تركيا وليس على دمشق في هذه اللحظة.

مصير سوريا ولبنان متشابك بشدة، وتغرق الحرب الأهلية في سوريا الآن لبنان، كما أن العلويون يواصلون التقدم على الأرض بفضل حزب الله وإيران، ومن جهة أخرى فإن المزيج الغامض من الجهاديين الذي تدعمه السعودية قد أصبح أكثر نشاطا في لبنان.

مصر، قوة وادي النيل الجنوبية، متورطة حتى النخاع في مشاكلها الداخلية بعد الانقلاب. تركيا القوة الرئيسية في الشمال تشهد صراعا على السلطة.

لذلك فإن القتال سيستمر، لا أحد من الطرفين قادر على سحق الآخر مع وقوف إيران وروسيا في طرف والسعودية في الطرف الآخر. 

من موقع ستراتفور