وأخيرًا نطقت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي كلمتها الأخيرة حول طبيعة خروج بريطانيا من الاتحاد الذي انتظره المستثمرين والشركات الكبرى والمؤسسات المالية وقادة أوروبا المطالبين بتسريع إجراءات خروجها من الاتحاد، إذ كشفت النقاب عن استراتيجية بريطانيا حول البريكست وطبيعة العلاقة المستقبلية مع الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وأصبحت جاهزة لعرض المادة 50 على المجلس الأوروبي بعد شهرين من الآن، والتي تشير إلى طلب بريطانيا الخروج من التكتل.   

ماي: بريطانيا أقوى بعد الخروج من الاتحاد 

أعلنت ماي أنها لا تسعى إلى قطيعة كلية مع أوروبا ولا تريد تفككه، بل تريد نجاح الاتحاد الأوروبي، وشددت على ضرورة استمرار التعاون والتنسيق بين بريطانيا والاتحاد في مجالات مختلفة كمكافحة الجريمة ومحاربة الإرهاب وتنسيق السياسات الخارجية والتعاون في مجالي الدفاع والأمن، وأن يستمر التعاون بين الطرفين أيضًا فيما يخص فرض العقوبات على روسيا بسبب سياساتها في أوكرانيا.  

وجهت ماي رسائل تحذير قوية لبعض الدول الأوروبية التي توعدت لندن بمفاوضات شاقة فيما يخص الشراكة الاقتصادية بعد الخروج، وفرض عقوبات عليها، لجعلها عبرة لكل دولة تفكر بالخروح من الاتحاد؛ فذكرت أن هكذا خطوة سيكون كارثيًا ويلحق أذى بالدولة الأخرى قبل أن يمس بريطانيا. وأضافت ماي أن "عدم حصول بريطانيا على اتفاق هو أفضل من حصولها على اتفاق سيء".

هبط الجنيه الاسترليني مقابل الدولار عشية خطاب ماي  إلى أدنى مستوى له منذ تراجعه في تشرين الأول/أكتوبر الماضي

وتأكيدًا على نهج قوة بريطانيا الخارجية ذكرت ماي في خطابها أن بريطانيا غادرت الاتحاد ولكنها لم تخرج من أوروبا، وهي رسالة إلى بوتين مفادها أن بريطانيا ستكون أقوى ولن تتراجع عن موقفها تجاه روسيا وتصرفاتها في أوكرانيا وستعمل مع أصدقائها الأوروبيين على إبقاء العقوبات ضد موسكو.  

قرأت ألمانيا خطاب ماي بشكل إيجابي وأشارت من خلال وزير خارجيتها فرانك فالتر شتاينماير بالترحيب بخطاب والوضوح عمّا سبقه حول شكل الخروج من الاتحاد، وأكد أن بريطانيا تسعى لشراكة إيجابية وبناءة وصداقة مع اتحاد أوروبي قوي ورأى أنه شيء جيد لكلا الطرفين.  

وحول مسألة مركز لندن المالي والضرر الاقتصادي الذي سيلحق بالبلاد بعد الخروج فقد حاولت ماي طمأنة الدول الأوروبية بأنها ستتجنب الوقوع في نقلة عنيفة للشركات وأنه لا مصلحة لأحد بحصول ذلك أو تهديد الاستقرار في الوقت الذي يتم فيه تغيير الشراكة القائمة بين بريطانيا والاتحاد.

ستخرج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة لكي تتمكن من فرض ضوابط على وصول المهاجرين من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا

وأشارت ماي أنها ستخرج من السوق الأوروبية الموحدة لكي تتمكن من فرض ضوابط على وصول المهاجرين من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا، وبهذا تكون ماي اتخذت أصعب خطوة على الإطلاق في تقرير نمط وعلاقة الشركات الاقتصادية البريطانية مع الاتحاد الأوروبي، وقررت "طلاقًا" من الاتحاد بما فيه مغادرة السوق الموحدة وعدم الاحتفاظ بالعضوية الكاملة في الاتحاد الجمركي ومن ثم التفاوض على نماذج اقتصادية بديلة.

وهذا يعني بلغة الأرقام أنها تخلت عن 44% من الصادرات البريطانية التي تذهب للسوق الأوروبية التي تعادل نحو 220 مليار دولار فضلا عن حجم العمالة التي تستفيد منها جراء السوق الموحدة والتي تقدر بقرابة 3.5 مليون وظيفة وساهمت في رفع دخل الأسر البريطانية في العقد الأخير بمعدل يتراوح بين 1600 – 3000 جنيه استرليني.   

وقالت ماي إن الشكل الذي تريد أن ترتبط فيه مع الاتحاد هو أن تكون صديقة وجارة للدول الأوروبية، حيث أن بريطانيا تريد أن تشتري السلع الأوروبية وبيع السلع البريطانية لأوروبا وأن تتاجر مع السوق الأوروبية بالحرية المتاحة.

إذ أشارت أنها لا تريد البقاء كعضو كامل العضوية في الاتحاد الجمركي بالاتحاد الأوروبي وستسعى لتجارة معفاة من التعرفة الجمركية مع الاتحاد بعد الانفصال عنه، حيث تريد اتفاقًا جمركيًا مع الاتحاد لضمان تدفق التجارة عبر الحدود مع أوروبا بسلاسة قدر المستطاع، وبنفس الوقت حددت أنها ستعمل على تحديد جداول رسوم جمركية في منظمة التجارة العالمية.

بريطانيا ستتجنب الوقوع في نقلة عنيفة للشركات منها بعد الخروج من الاتحاد

من جهة أخرى فإن بريطانيا بعد البريكست برأي مراقبين ستكون أكثر انفتاحًا على العالم بعد تخلصها من قيود الاتحاد الأوروبي وأكثر حرية في عقد الاتفاقات التجارية العابرة للحدود عبر دول العالم من استراليا إلى الولايات المتحدة ومن الصين إلى الهند وكندا حسب تعبير ماي.

هبوط الجنيه الاسترليني

عشية خطاب ماي هبط الجنيه الاسترليني مقابل الدولار إلى أدنى مستوى له منذ تراجعه في تشرين الأول/أكتوبر الماضي إذ سجل أدنى سعر له مساء 16 يناير/كانون الثاني الجاري عند 1.1986 ومن ثم عاد ليصعد مرة أخرى ويقف الآن عند 1.2313 ويظهر أن الأسواق امتصت صدمة "الخروج الشاق" الذي أعلنته الصحف البريطانية في خطاب ماي أمس الثلاثاء والذي تتلخص في الانسحاب من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية.