ترجمة وتحرير نون بوست

من أبرز القرارات المفاجئة وغير المنتظرة التي اتخذتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما خلال أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، قراره في الأسبوع الماضي بتخفيف العقوبات المسلطة على السودان والتي تواصل فرضها على مدى عقدين من الزمن، وقد أقرت الإدارة الأمريكية هذا التحول المفاجئ بعدما وصفته بأنه "ستة أشهر من التصرفات الإيجابية" التي قامت بها حكومة الخرطوم، والتي تضمنت خفضًا للنزاعات المسلحة داخل السودان وفتح البلاد أمام عمليات الإغاثة والمساعدة الإنسانية، والدور الذي لعبه السودان في الحرب ضد الإرهاب.

وإذا تواصل هذا "التغيير الإيجابي" في سياسات الحكومة السودانية خلال الأشهر الست المقبلة، فإن واشنطن وعدت بأنها ستعيد فتح الباب أمام التجارة بين الولايات المتحدة والسودان والإفراج عن أصول الحكومة السودانية المجمدة، وهو إجراء قد يغير الأوضاع الاقتصادية في هذا البلد الممزق نحو الأفضل، وكانت تصريحات الإدارة الجديدة التي يقودها ترامب بشأن هذا الأمر قليلة فيما يخص الخطوة التي قامت بها الإدارة السابقة، رغم أن بعض المصادر في الخرطوم أكدت أن فريق ترامب لم يبد معارضة لهذا التغيير.

مرشح ترامب لمنصب وزير الخارجية وهو ريكس تيلرسون، لطالما كان لوقت طويل من أكبر المعارضين لسياسة فرض العقوبات عندما كان يعمل كمدير تنفيذي في شركة إيكسون موبيل

ويشار إلى أن مرشح ترامب لمنصب وزير الخارجية وهو ريكس تيلرسون، لطالما كان لوقت طويل من أكبر المعارضين لسياسة فرض العقوبات عندما كان يعمل كمدير تنفيذي في شركة إيكسون موبيل، وهنالك تقارير تفيد بأن شركته في الواقع قامت بعمليات تجارية مع السودان عبر وسيط ثالث، وهو ما يعتبر التفافًا على العقوبات المفروضة.

ويعتبر قرار الرئيس أوباما إشارة أخرى، بعد إعلان أوروبا حزمة مهمة من المساعدات الموجهة للسودان في العام الماضي، وهو ما يشير إلى أن هذا البلد الذي كان لوقت طويل من أسوأ البلدان سمعة في المجتمع الدولي، يخضع الآن لعملية إعادة تأهيل للعودة للمجتمع الدولي، ولكن أغلب المدافعين عن حقوق الإنسان يعتبرون أن عملية إعادة تأهيل النظام الحاكم في السودان هو أمر غير مقبول.

ويشير هؤلاء إلى انتهاكات جديدة ارتكبها نظام الرئيس عمر البشير ضد مواطني بلاده، ومن بين هذه الانتهاكات استعمال أسلحة كيميائية ضد المدنيين في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، وقد أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في إحدى مذكراتها إلى أنه "من المستحيل إيجاد رابط بين واقع النظام الحاكم في السودان وادعاءات إدارة أوباما بشأن وجود تحسن في سياساتها".

إن الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لدولة السودان كحليف في الحرب على الإرهاب وكشريك في كبح جماح تدفق اللاجئين إلى أوروبا، يبدو أنها كانت كافية لتغطية كل المخاوف والانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان في السودان

ولكن هذا قد لا يكون مهمًا، إذ إن الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لدولة السودان كحليف في الحرب على الإرهاب وكشريك في كبح جماح تدفق اللاجئين إلى أوروبا، يبدو أنها كانت كافية لتغطية كل المخاوف والانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان في السودان، ولا يعد وقوع المزيد من الانتهاكات النتيجة الوحيدة المنتظرة بعد هذا التغيير في السياسة الغربية، ورغم أن اعتراف إدارة أوباما بوجود تغييرات في السياسة الداخلية السودانية يعد أمرًا محفوفًا بالمغالطات، فإن هذه الخطوة التي ستؤدي لفتح اقتصاد هذا البلد يمكن أن تشجع على اتخاذ خطوات أخرى إصلاحية وقبول إجراءات لم يكن من الممكن قبولها على مدى عشرين سنة من العقوبات.

عمر البشير الذي ظل في السلطة منذ وصوله إليها إثر انقلاب في سنة 1989، كان دائمًا يواجه رفضًا وتخوفًا من قبل المجتمع الدولي، وقد اعتبرت إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون أن دولة السودان داعمة للإرهاب في سنة 1993، بعد أن اتهمتها بإيواء أسامة بن لادن الذي عاش فعلاً في السودان بين سنتي 1991 و1996، وقامت أيضًا إدارة الرئيس كلينتون بإضافة حزمة جديدة من العقوبات المسلطة على السودان في 1997، مشيرة إلى أن الخرطوم تبذل جهودًا لتقويض الاستقرار في دول مجاورة وترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها العبودية وحرمان المواطنين من حريتهم الدينية.

وبعد سنتين، أدانت المحكمة الجنائية الدولية عمر البشير بتهمة الوقوف وراء مجازر وانتهاكات واسعة النطاق قامت بها مليشيات تابعة للحكومة السودانية ضد مدنيين في منطقة دارفور، وقد تضمنت التهم الموجهة له ثلاث إدانات بارتكاب إبادة جماعية.

ورغم ردود الأفعال الدولية وحملة الإدانة الواسعة لسياسات الحكومة السودانية، ورغم وجود قوات مختلطة من الاتحاد الإفريقي وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فإن العنف في إقليم دارفور لا يزال متواصلاً، وقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي تشير فيه إلى وقوع هجمات بالأسلحة الكيميائية ضد المدنيين أدت لمقتل نحو 250 شخصًا.

كما يواصل نظام عمر البشير خوض عديد من المعارك والصراعات الداخلية ضد شعبه، وتتضمن هذه الصراعات القيام بعمليات قصف جوي لمعاقل المجموعات المناوئة للحكومة في جنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق، وبالتوازي مع قصفها المكثف لهذه المناطق، تعرقل الحكومة السودانية دخول المنظمات الإغاثية والمساعدات الإنسانية لهذه المناطق المنكوبة.

وفي خطوة تهدف للسيطرة على المعلومات، تواصل الحكومة السودانية أيضًا منع وسائل الإعلام الأجنبية من التحرك داخل جزء كبير من البلاد، وعلى سبيل المثال، فإن قوات حفظ السلام المتمركزة في دارفور اشتكت في عديد من المناسبات من العراقيل والعوائق التي تواجهها، وحتى عندما نجح المبعوث الخاص للولايات المتحدة للسودان وجنوب السودان دونالد بوث، في الوصول إلى هذه المناطق المحاصرة في السنة الماضية، أشارت تقارير لاحقة إلى أن المدنيين الذين نجح في التواصل معهم وتفقد أوضاعهم تعرضوا فيما بعد للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لعمر البشير.

وقد وافقت الحكومة السودانية في حزيران/ يوليو الماضي على وقف لإطلاق النار في جنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق، وهو اتفاق يشمل الآن دارفور وتم تمديده بعد إعلان إدارة الرئيس السابق باراك أوباما تخفيف العقوبات ضد السودان، ولكن رغم ذلك لا تزال هنالك تقارير كثيرة بشأن الانتهاكات والجرائم، وفي الأثناء يبدو أن الحكومة في الخرطوم ليست لديها نوايا سياسية حقيقية لمعالجة أسباب الصراعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والتي تعود في مجملها أساسًا لسياسات عمر البشير التي عملت على تهميش هذه المناطق وإقصاءها، ولهذا السبب فإن آخر محاولة لتنظيم مباحثات سلام بين الأطراف المتصارعة، في أغسطس/ آب الماضي، باءت بالفشل.

ورغم ذلك فقد أظهرت حكومة عمر البشير رغبة في الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا ومساعدتهما على جبهتين مهمتين، ففي أيلول/ سبتمبر الماضي، أثنت وزارة الخارجية الأمريكية على الحكومة السودانية بعد "جهودها الأخيرة وتزايد التزامها بالتعاون لمكافحة الإرهاب"، وقد جاءت هذه الإشادة بعد قيام السودان بلعب دور في مواجهة تنظيم الدولة ومجموعات أخرى إرهابية، وقيامه بمنعهم من دخول الأراضي السودانية، وفي نفس الوقت بدت الحكومات الأوروبية حريصة على فتح قنوات التواصل مع الحكومة السودانية، لأن السودان يمثل معبرًا رئيسيًا للاجئين، ويمكنه المساعدة على وقف تدفق هؤلاء، وقد ضخت أوروبا ملايين اليوروهات في مشاريع ضخمة في السودان، تلتها استثمارات بلغت قيمتها 100 مليون يورو تم الإعلان عنها في السنة الماضية بهدف "مكافحة انعدام الاستقرار ومعالجة الأسباب العميقة المؤدية للهجرة والتهجير القسري".

وقد فند المسؤولون الأوروبيون عديد من التقارير التي كشفت عن ذهاب هذه التمويلات مباشرة إلى خزينة النظام السوداني، مؤكدة على أن هذه الأموال تم صرفها عبر القنوات القانونية من خلال منظمات غير حكومية ووكالات غوث، ولكن رغم ذلك فإن هذه المساعدات السخية تظهر رغبة أكيدة من الدول الأوروبية للعمل مع النظام في الخرطوم.

وبينما يتزايد هذا الالتزام الأوروبي، يخشى عديد من نشطاء حقوق الإنسان من أن المجتمع الدولي بات مستعدًا لغض البصر عن أية انتهاكات سيقوم بها في المستقبل نظام عمر البشير ضد مواطنيه، وهذا التغاضي إذا ما أضيف إليه غياب المعلومات وصعوبة تغطية الأحداث في السودان، قد يشجع عمر البشير على التصرف بصورة أكثر عدوانية دون حسيب أو رقيب.

وتجدر الإشارة رغم ذلك إلى أن هذه الانتهاكات تواصلت، وربما تزايدت، في ظل سياسة فرض العقوبات التي اعتمدتها الدول الغربية، وفي نفس الوقت أدت هذه العقوبات لعزل السودان وانهيار اقتصاده، وهو أمر فاقمته الحكومة من خلال قصر نظرها وسياساتها السلبية والتي قامت على التبعية المفرطة للعائدات النفطية التي باتت في تناقص مستمر، وبسبب ذلك فإن نحو نصف سكان السودان يعيشون حاليًا في الفقر، وقد نجحت القوات التابعة لعمر البشير في إفشال كل الجهود التي قام بها المجتمع السوداني من أجل الدفاع عن حقوقه والتظاهر ضد ارتفاع الأسعار وبقية المشاكل الاقتصادية، حيث إن قبضة الرئيس على السلطة لا تزال محكمة.

ومن المؤكد أن رفع العقوبات يؤدي لإنعاش الاقتصاد السوداني، ورغم أن أغلب هذه الأموال ستنتهي على الأرجح في جيوب النظام، فإنها قد تؤدي لاحقًا لإخراج بعض المواطنين من حالة الفقر وغياب الأمل، إلى وضعية جديدة تمكنهم من تنظيم أنفسهم والوقوف ضد هذا النظام، ومن المؤكد أن هذه قد تكون سياسة بعيدة المدى، ولكنها في الآن ذاته تنطوي على مخاطرة، حيث إنها لا تأخذ بعين الاعتبار الخطر المباشر المتمثل في تزايد الانتهاكات والجرائم التي يقوم بها النظام، وتسببها أيضًا في مزيد من إحكام عمر البشير قبضته على السلطة، وهو ما حدث بالفعل على امتداد عقدين من العقوبات المفروضة على السودان.

المصدر: وورلد بوليتكس فيو