أخفقت جهود الدول الراعية (روسيا، إيران، تركيا) لمباحثات أستانة فيما يخص الأزمة السورية على جمع الفرقاء من المعارضة السورية والنظام على طاولة واحدة، وشاهد ممثلي تلك الدول التراشقات بين الوفدين في كلماتهم أثناء اليوم الأول من المباحثات.

اليوم الأول: تسريب البيان الختامي

في كلمته أثناء الجلسة الافتتاحية للمباحثات أشار بشار الجعفري مندوب سوريا في الأمم المتحدة ورئيس وفد النظام السوري إلى أستانة أن وفد المعارضة ومن وصفهم بـ"مشغليهم" يرمون إلى تقويض المباحثات وأن كلمة رئيس وفد المعارضة محمد علوش من قبله لا علاقة لها بالاجتماع، واعتبر أن الجلسة الافتتاحية حملت مفاجأة وحيدة بالنسبة له وهي خروج وفود من سماهم بـ"الجماعات الإرهابية" عن اللباقة الدبلوماسية، وأضاف أن وفد المعارضة يدافعون عن تنظيم النصرة الذي يعمد لحرمان نحو 7 ملايين مواطن من سكان العاصمة دمشق وما حولها من مياه نبع الفيجة في وادي بردى.

وصف الجعفري كلمة محمد علوش بـ"الوقحة" وأن وفد المعارضة هواة في العمل السياسي وليسوا محترفين ولا يمكن أن يرقوا إلى مستوى المسؤولية.

كلمة الجعفري جاءت عقب كلمة رئيس وفد المعارضة محمد علوش التي اتهم فيها النظام السوري وحلفاءه -في إشارة إلى إيران وروسيا والميليشيات المقاتلة مع النظام كحزب الله ودرع القلمون والنجباء وغيرها- بإخفاء الآلاف من المعتقلين والمعتقلات وطالب بخروج كافة الميليشيات الأجنبية من سوريا.

وأكد وفد المعارضة أن قدومه لأستانة كان لتثبيت وقف إطلاق النار وإجراءات إنسانية بغرض التمهيد لأرضية بدء المفاوضات السياسية المقرر عقدها في مدينة جنيف السويسرية في 8 فبراير/شباط المقبل، كما أشار لذلك النقيب سعيد نقرش مدير المكتب السياسي والعلاقات الخارجية في لواء شهداء الإسلام العامل في داريا سابقًا والمتواجد في إدلب حاليًا لإحدى الصحف المحلية السورية المعارضة.

وفد المعارضة السورية في أستانة يطالب أن يتضمن بيان أستانة الختامي  وقفًا كليًا للخروقات وليس تقليلها

ظهرت تسريبات حول وثيقة بيان ختامي مع بدء مفاوضات اليوم الأول، وسرعان ما بدأت الخلافات بين الدول الراعية على بعض فقراته وبالأخص إيران وبين وفدي المعارضة والنظام من جهة أخرى، نصت المسودة على أنه لا حل عسكري للأزمة في سوريا والاستعداد لتسوية من خلال الحل السياسي عبر عملية انتقال سياسية، ونصت أيضًا على إنشاء آلية ثلاثية الأطراف لمراقبة وضمان الالتزام التام بوقف النار ومحاربة داعش وجبهة النصرة.

رفض وفد المعارضة أن تكون إيران دولة ضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار وآلية مراقبته كما جاء في المسودة، وأخفق ديمستورا في تقريب وجهات النظر حول المسودة الختامية التي قالت المعارضة إن لديها "ملاحظات جدية" عليها.

حيث تمسكت المعارضة بمطلب حصر الحوار في تثبيت وقف إطلاق النار ووضع آليات محدة لمراقبة التنفيذ واتخاذ إجراءات عقابية بحق الأطراف التي تنتهكه، وحسب ما أشار إليه أسامة أبو زيد المتحدث باسم وفد المعارضة فإنه لا نجاح في المفاوضات دون وقف إطلاق النار ووقف التهجير القسري في وادي بردى بريف دمشق.

ومن جملة ما تم تسريبه في البيان الختامي ولاقى اعتراضًا شديدًا من قبل المعارضة أنه تضمن إسقاط مرجعية جنيف1 عام 2012 واستبدالها بالقرار 2254 الذي لم يتحدث عن "هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات" واكتفى بـ" هيئة حكم تمثيلية ذات مصداقية".

المركز الروسي المعني بالمصالحة في قاعدة حميميم أعلن أنه قلق من خروقات تحصل من وقت لآخر مصدرها قوات الحكومة السورية

الحدث البارز الذي حصل في اليوم الأول بعيدًا عن أستانة أن المركز الروسي المعني بالمصالحة في قاعدة حميميم والذي يسجل اختراقات وقف إطلاق النار "ذكّر قيادة الجيش السوري بحزم بضرورة الالتزام الكامل لوقف إطلاق النار" وأشار أن "قيادة المركز في حميميم قلقة من خروق تحصل من وقت لآخر ومصدرها قوات الحكومة السورية".

وفي الشق الميداني واصلت قوات النظام خرق وقف إطلاق النار المعلن منذ بداية الشهر الجاري حسب ما تم الاتفاق عليه بين كل من روسيا وتركيا، وقُتل في قصف لطائرات النظام 7 مدنيين في حلب ودير الزور كما واصلت المدفعية دك وادي بردى وعين الفيجة بالصواريخ وقذائف الهاون مع استمرار لمحاولات الاقتحام التي باءت بالفشل على جميع الجبهات، حيث أوقعت قوات المعارضة خسائر في الأرواح والعتاد عند قوات النظام والميليشيات المقاتلة معها.

اليوم الثاني: الاتفاق على آليات وقف إطلاق النار

انتهى اليوم الأول للمفاوضات برفع كل من الوفدين سقف مطالبهم بعد الخلافات التي ظهرت في اليوم الأول، فيما تركز الحديث في اليوم الثاني على نقطة مهمة وهي الاتفاق على آليات ضبط ورقابة تنفيذ وقف إطلاق النار في عموم سوريا، وفي حال توصل المجتمعون للاتفاق على هذه النقطة فإن مفاوضات أستانة ستتكلل بالنجاح وسيعد إنجازًا كبيرًا حسبما يرى ديمستورا، وسيتم تصدير البيان الختامي في مؤتمر صحفي الذي من المتوقع أن يصدر ظهر اليوم بعد حل الخلافات العالقة بين الوفدين.

لا بديل عن دور إيران في سوريا وأنه لا يستيطع أحد أن يطبق أي برنامج في سوريا دون إشراك إيران.

احتدم النقاش حول اعتماد آليات محددة لمراقبة وضمان وقف إطلاق النار في ظل تحفظات لوفد المعارضة على بنود تخص آليات المراقبة وطالب الوفد أن يتضمن بيان أستانة وقفًا كليًا للخروقات وليس تقليلها، ورفض الوفد التفاوض مع الجانب الإيراني أو أن يرد اسم إيران في البيان الختامي بوصفها إحدى الدول الضامنة لتنفذ وقف إطلاق النار أو أن يكون لإيران أي دور في سوريا كما ورد على لسان محمد علوش، فيما تم النقاش مع الجانبين التركي والروسي في المفاوضات، وشددت المعارضة على مطالبها إلى جانب وقف إطالق النار إيقاف التهجير القسري الذي يجري يتم تخطيطه في وادي بردى، لإنجاح مفاوضات أستانة.

والجدير بالذكر أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية "بهرام قاسمي" أكد أمس الإثنين أنه لا بديل عن دور إيران في سوريا وأنه لا يستيطع أحد أن يطبق أي برنامج في سوريا دون إشراك إيران.

في حين أن دمشق تصر وتطالب في تثبيت وقف الأعمال القتالية لمدة زمنية محددة يتم خلالها الفصل بين النتظيمات الراغبة بالتوجه لمصالحة وطنية والاشتراك في العملية السياسية من جهة وبين تنظيمي داعش والنصيرة والتنظيمات المرتبطة بهما حسب تعبير الجعفري.

البيان الختامي 

صدر البيان الختامي لمفاوضات أستانة، وتلاه وزير خارجية كازاخستان "خيرت عبد الرحمنوف" بحضور دي ميستورا، وممثلي وفود الدول الراعية للمفاوضات، وتضمن البيان: إقرار تأسيس آلية مشتركة تركية روسية إيرانية لمراقبة وقف إطلاق النار في سوريا، مشددًا على ضرورة مشاركة فصائل المعارضة في مفاوضات جنيف في شباط/فبراير المقبل، وأكد البيان أن "هناك حاجة ماسة لتسريع التفاوض وفقاً للقرار الأممي 2254"، داعياً كذلك إلى ضرورة وصول المساعدات الإنسانية للمحاصرين. 

كما نص البيان أيضًا على تثبيت كل آليات وقف إطلاق النار في سوريا، وشدد على "ضرورة وحدة أراضي سوريا كدولة متعددة الأديان، وفصل تنظيمي فتح الشام وتنظيم داعش عن فصائل المعارضة".

وبعد صدور البيان عقد محمد علوش رئيس وفد المعارضة السورية إلى أستانة مؤتمرًا صحفيًا، جاء فيه أن المعارضة السورية تلقت وعودًا من كل من روسيا وتركيا، للعمل على تثبيت وقف إطلاق النار والالتزام به في سوريا، وإيصال المساعدات إلى المحاصرين في مختلف المناطق، بالإضافة إلى لوعود من روسيا حول إطلاق سراح المعتقلات، وخاصة الـ 13 ألف معتقلة الموثقة في سجون النظام السوري. وشدد علوش على أن المعارضة ملتزمة بوقف إطلاق النار، وطالبت بإخراج جميع المليشيات الطائفية من سوريا، وأكدت على أن الحل السياسي يتضمن رحيل بشار الأسد.

وأشار إلى أن الوفد لن يوقع على البيان الختامي المقترح للمفاوضات بصيغته الحالية، فالمعارضة لديها تحفظ على كلمة "التسوية" في البيان لأن الوفد جاء لتثبيت وقف إطلاق النار، ووصف علوش البيان في مقابلة مع الجزيرة بأنه مليء بالفخاخ.

وحسب أسامة أبو زيد المتحدث باسم الوفد المعارض بأستانة فإن الجانب الروسي أبلغ الوفد بأنه أرسل رسالة قاسية إلى وزير الدفاع السوري وعلي مملوك لوقف اقتحام وادي بردى، وأكد الجانب الروسي أن أي "محاولة ضغط على المناطق المحاصرة وأي عملية تهجير يقوم بها النظام ستنسف الهدنة".