يشهد الشمال السوري منذ مساء أمس الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني أحداث متسارعة على خلفية نشوب اقتتال بين جبهة فتح الشام (النصرة سابقًا) من جهة وفصائل المعارضة السورية من جهة أخرى بعدما شن مقاتلو الجبهة هجومًا واسعًا ضد جيش المجاهدين والجبهة الشامية، وعلى إثر الاقتتال انقسمت الفصائل والهيئات بين من دعت لقتال الجبهة وحملتها مسؤولية الغدر بفصائل المعارضة وبين من دعا لحقن الدماء والاحتكام لهيئة شرعية قضائية. 

فتح الشام قررت قتال المعارضة 

شنت قوات جبهة فتح الشام بدون سابق إنذار هجومًا كبيرًا على مقار جيش المجاهدين والجبهة الشامية في إدلب وحلب وتمكنت من السيطرة على عدة نقاط ومقار تابعة لجيش المجاهدين في ريف إدلب وريف اللاذقية الشمالي وعطلت الأبراج التي تزود ريفي إدلب وحلب الغربيين بالإنترنت من تركيا وشوشت على الترددات اللاسلكية في المنطقة.

وأصبحت على أطراف بلدة كفرنبل في ريف إدلب واشتبكت مع الفصائل داخل المدينة بغرض السيطرة عليها، كما سيطرت على مقرات للجبهة الشامية في عندان وحريتان بريف حلب الغربي، وتم قطع طريق إدلب - باب الهوى قرب الحدود التركية بسبب ما يجري من تطورات عسكرية متسارعة.

هيئات مدنية سورية طالبت بالنفير العام لإيقاف الجبهة وسط سخط من دعاة وانشقاق واحد من أبرز قاداتها، حيث أفتى المجلس الإسلامي السوري المؤلف من قرابة 40 هيئة ورابطة إسلامية من أهل السنة في الداخل والخارج ويترأسها الشيخ أسامة الرفاعي، بوجوب قتال جبهة فتح الشام في بيان صدر له في الأمس، اعتبر فيه الجبهة بأنهم "بغاة صائلون معتدون استحلوا الدماء والحرمات" وذكر البيان أن قتالهم أصبح "شرعي مبرر ومن سيتردد عن قتالهم سيكون ضحيتهم المقبلة، ولا يعذر أحد شرعًا بنكوصه عن قتالهم تذرعًا بورع بارد" وطالب المجلس بعدم التوقف عن قتالهم إلا باستئصالهم أو برجوعهم عن بغيهم وإعلانهم حل أنفسهم.

مقاتلي جبهة فتح الشام على أطراف كفرنبل يحاولون اقتحام المدينة

وعلى خلفية هذا الاقتتال أعلن علي العرجاني والملقب أبو حسن الكويتي أحذ أبرز قادة الجبهة انشقاقه عن الجبهة في تغريدات له على حسابه في تويتر، أن ما قامت به الجبهة من عدوان على جيش المجاهدين وغيره هو "إجرام يجب البراءة منه".

وأصدر أربعة دعاة بينهم عبد الله المحيسني وعبد الرزاق المهدي بيانًا أمس الثلاثاء جاء فيه بوجوب كف الجبهة عن قتال جيش المجاهدين وسحب الأرتال والنزول العاجل لمحكمة شرعية تعرض فيها فتح الشام أدلتها التي أدت بها لمهاجمة إخوانها، حسب ما جاء في البيان.

أحرار الشام: إما أن تنضم الجبهة للثورة أو سيكون هناك داعش جديدة

رئيس المكتب السياسي والعلاقات الخارجية في حركة أحرار الشام الإسلامية "لبيب النحاس" قال في إحدى تغريداته على حسابه الرسمي في تويتر أن الجبهة باتت اليوم أمام مفترق طرق إما أن تنضم للثورة أو تكون داعش جديدة تحت ذرائع شرعية واهية.

وأضاف النحاس أن النصرة ورطت الثورة ببيعتها للقاعدة والثورة تدفع ثمنًاغاليًا لهذا السبب، ويذكر أن الحركة أعلنت في بيان لها أنها ستقوم بمشاركة الفصائل الأخرى بالنزول كقوات فصل لمنع الاقتتال بين الفصائل والجبهة وقالت إنها ستنشر حواجز وقوات لها لمنع أي أرتال تابعة للجبهة أو غيرها تتوجه إلى مناطق الاقتتال.

وأكد البيان رفض الحركة لمخطط عزل الجبهة واستهدافها من قبل التحالف الدولي وغيره ولكنه في نفس الوقت شدد أن ممارسات الجبهة واعتدائاتها على الآخرين بدون مبرر هو ما يقود "العدو" في تنفيذ مخططاته لعزلها وإنهاء الثورة عبر الدخول في اقتتال داخلي لا نهاية له. كما دعت الحركة الجميع لتحكيم الشريعة الإسلامية والقبول بلجنة قضائية شرعية وذكرت أنها خارج الاقتتال الحاصل وأنها تمتنع عن مؤازرة أي فصيل من الفصائل.

وحددت الفصائل المتواجدة في ريف حلب موقفها أيضًا من الاقتتال الحاصل بأنها تلتزم الحياد وأنها خارجه وتمتنع عن مؤازرة أي فصيل من الفصائل، والتزمت بعدم قبول مرور الأرتال العسكرية المتجهة لمناطق الاقتتال إذ سيتم إيقافها من قبل الحواجز في المنطقة.

في حين دعا القائد العام لألوية صقور الشام أحمد الشيخ الملقب بأبو عيسى، للنفير العام ضد الجبهة وسمى الجبهة بأنها "شرذمة مارقة" وأضاف أنه دافعنا عنهم في المحافل فآثروا الغدر والطعن في الظهر كما اصطففنا معهم وشددنا أزرهم إلا أنهم أنقضوا ظهرنا.

وكان ناشطون أكدوا أن عناصر من "جند الأقصى" والذي يحمل فكر القاعدة وداعش شاركوا الجبهة في هجومها على مدينة كفرنبل بريف إدلب علمًا أن الجبهة كانت قد أعلنت يوم الإثنين الماضي أن جند الأقص ى لا يتبع لها وتم فصله من الجبهة، بعدما كانت قبلت بيعته في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

لماذا خافت فتح الشام من أستانة؟

تأتي خطوة فتح الشام في الهجوم على فصائل المعارضة كما يشير محللون بأنها "استباقية" لما يجري في أستانة إذ تعمل الدول الراعية للمحادثات لإصدار بيان يستثنيها وتنظيم الدولة من اتفاق وقف إطلاق النار، وتذهب تحليلات أخرى أن الجبهة في اقتتالها هذا تضغط على الأتراك لإيجاد منفذ لهم مما سيلحق بها بعد انتهاء مفاوضات أستانة، وأن ما تقوم به الجبهة يؤجل عملية القضاء عليها.

إلا أن أسامة أبو زيد المتحدث باسم وفد المعارضة في محادثات أستانة، نفى وجود أي علاقة بين المؤتمر الذي جرى في أستانة بالاقتتال الجاري بين فتح الشام وفصائل المعارضة، وأرجع أبو زيد الاقتتال إلى أن النصرة تحاول استعمال مؤتمر أستانة حجة لافتعال أزمة قديمة منذ زمن طويل، وعلى حد زعمه فالجبهة لا تنتظر أستانة كمبرر لضرب المعارضة فقد ضربوا سابقًا 14 فصيلًا ولم يكن هناك أستانة أو جنيف أو غيره.    

بينما أشارت تقارير صحفية أن هناك بندًا غير معلن ضمن اجتماع أستانة كان وراء هجمات جبهة فتح الشام على فصائل المعارضة، وأن البند يقضي بتثبيت وقف إطلاق النار وتثبيت القوى المنخرطة في الصراع في مواقع نفوذهما باستثناء التقدم على حساب الجبهة وتنظيم الدولة داعش. وأن كلا الطرفين سيتسابقان على ضم مناطق نفوذ الجبهة إلى حصة الفريق الذي يحرز التقدم وهذا ما حول منطقة الجبهة إلى كعكة يتسابق على اقتسامها الطرفان لزيادة نفوهما الجغرافي.

هجوم فتح الشام على فصائل المعارضة خطوة استباقية لمباحثات أستانة 

ويُذكر أن الجبهة أصدرت بيانًا عبرت فيه عن موقفها من مباحثات أستانة معتبرة إياه أنه جزء من المؤامرة على الثورة السورية وقالت أن المسار لم يخدم أهدافها بل كان سلسلة مما وصفتها بالمؤامرات في حين أنها أيدت وقف القصف على المدنيين وإطلاق سراح المعتقلين ودعم المناطق المحاصرة بالمساعدات، واعتبرت أن رعاية روسيا لمحادثات أستانة تعد إذلالاً لتضحيات المجاهدين، مشيرة أن روسيا تحتل سوريا وقصفت العديد من مدنها ودمرتها، كما تعد نوعًا من القبول المباشر ببقاء رأس النظام السوري بشار الأسد على رأس السلطة، وأن التفاوض في أستانا حق لا يملكه أحد بعينه، ودعت المشاركين في المحادثات إلى رفض بيع تضحيات أهل الشام، وألا ينزلقوا في مكائد ومؤامرات.

ويجدر التنويه أن الجبهة تعرضت خلال الأيام الماضية لعمليات استهدفت قيادات وعناصر في صفوفها عبر طائرات بدون طيار وعبوات ناسفة، قتل فيها العشرات من عناصرها وقادة بارزين كان آخرها استهداف التحالف لمعسكر يتبع للجبهة قرب مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي، أعلن البنتاغون مسؤوليته عن هذه الضربة كما جاء على لسان المتحدث باسم البنتاغون؛ أن طائرة بدون طيار تابعة لوزارة الدفاع الأمركية استهدفت معسكر "الشيخ سليمان" لتدريب تنظيم القاعدة في سوريا.

وكانت الجبهة تعرضت لخسائر كبيرة خلال الأشهر الماضية قتل فيها العديد من قيادييها بنفس الطريقة، ومن غير المستبعد كما يرى مراقبون أن يؤدي هذا إلى اختلال في صفوف الجبهة وحدوث انقاسامات وصراع مع التيار المعتدل الرافض لنهج التشدد داخل الجبهة وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف لإضعافها وحل نفسها.