يقال أن المرء يشعر بالارتياح أكثر أثناء حديثه مع الغرباء، فيبدو أكثر صدقًا معهم، ويبدو أكثر انطلاقًا في التعبير عن أفكاره بدون قيود، فهو لا يخشى أن الغريب سيخطأ فهمه، ويسقط الكلام على شخصه، فيكون الغريب مستمعًا منصتًا، ويكون المتحدث مسترسلًا فيما يقول بدون قيود، فالتحدث للغريب يعتمد على إحساس المرء تجاهه، وإذا اتخذ المرء أحاسيسه على محمل الجد أحيانًا، فذلك يحرره نوعًا ما من الخوف من التحدث للغرباء.

لن يستطيع المرء اختيار أي شخص غريب عنه في الشارع أو في الحافلة ليبدأ حديث مفاجىء معه، ربما يبدو الأمر مربكًا ومثيرًا للشك للكثير من الناس، ولكن ماذا لو تم توفير مكان مخصص لذلك، بل ويشجعك على الحديث مع من لا تعرفهم بعد اختيار موضوع معين للحديث عنه؟ تبدو فكرة خيالية بعض الشيء، إلا أنها واقعًا نراه في المكتبات الإنسانية، أو في سياق آخر، "المكتبات الحية" "Live Library".

المكتبات الإنسانية.. مكانك للحديث

تعد المكتبات الأولى من نوعها التي تسمح لك بالتحدث كيفما شئت بدلًا من التزام الصمت طوال فترة وجودك فيها، فهي في الأصل مكتبة لا تعتمد على الكتب، ويرتكز نظامها على استعارة الإنسان بدلًا من استعارة الكتاب، أي تسمح لك بتجربة الحديث عن الأمر الذي تود القراءة عنه مع الشخص الخبير به أو مع صاحب تلك التجربة بالفعل بدلًا من الاستعانة بالكتاب للقراءة عن ذلك الموضوع.

تجد في المكتبات الإنسانية مزيجًا فريدًا من نوعه من مختلف الأعراق والجنسيات والأديان

تسمح تلك المكتبات للزائر بفرصة للحديث عن أي أمر يشغله مع أهل الخبرة به، فتكون هناك فرصة للزائر بسؤال ما يحلو له من أسئلة بدلًا من كونه مجرد متلق للمعلومات أثناء قراءته للكتاب فحسب، و من هنا تسمح للزائر بفرصة الحديث عن تجربة اللجوء مع واحد من اللاجئين أنفسهم، أو بالحديث عن النظام النباتي في الغذاء مع أحد النباتيين مباشرة، إلى آخره من المجالات المختلفة التى قد تخطر على بال من لديه رغبة في زيارة تلك المكتبات.

لا يكون الكل مرتاحًا إن تحدث عن تجارب معينة أو أفكار معينة يرفضها من حوله من أفراد المحيط الذي يعيش فيه، فيكون من الصعب جدًا أن يتحدث عنها في الأماكن العامة، خوفًا من الضغط المجتمعي عليه، فعلى سبيل المثال، تتيح المكتبات الإنسانية الفرصة لامرأة محجبة تعيش في ألمانيا الفرصة لأن تجعل من تجربتها مجالًا للحديث مع زوار المكتبة، وتتيح لهم كذلك الفرصة في الاستفسار عن الحجاب في المجتمعات المسلمة، ذلك من أجل تصحيح الصور النمطية عن المحجبات وعن المسلمات بشكل عام.

في المكتبات الإنسانية.. الكتب عبارة عن إنسان

إعلان عن المكتبات الإنسانية يقول: "لاستعير لاجىء، استعير أعمى، استعير من مفرط البدانة، فقصصهم تهمك كذلك"

يجعل أهل الخبرة في المجالات المختلفة من حديثهم حديثًا مفتوحًا للجميع، مصاحبًا لذلك مرونة وموهبة المتحدث نفسه أثناء الحديث مع مختلف الأنواع من القراء، مع رحابة وسعة الصدر في تحمل أسئلتهم، التي لا يستطيعون في العادة سؤالها لمؤلفي الكتب التي يقرأونها، لتحقق تلك المكتبات رغبة الكثير من القراء في احتياجهم للكتاب أن يكون متفاعلًا معهم، يجيب على أسئلتهم ويحاورهم، ولكن هذه المرة، يكون الكتاب على هيئة إنسان.

يسمى المتحدث في هذا النوع من المكتبات بالـ"الكتاب الإنساني" " Human Book"، والذي يتاح له فرصة الحديث لنصف ساعة مع القارىء عن تجربته أوعن خبرته في مجال معين، وبهذا تحاول المكتبات الإنسانية الحد من الصور النمطية التي تفرضها بعض المجتمعات على مجتمعات أخرى يتمتع أفرادها بتوجهات مختلفة أو يؤمنون بمعتقدات مختلفة.

تجربة حديث الأمريكي مع مسلم مهاجر في إحدى تلك المكتبات تختلف كثيرًا عن قراءة الأمريكي عن المسلمين المهاجرين في الصحف أو اتخاذ عنواين الأخبار مصدرًا لمعلوماته عن المسلمين المهاجرين للولايات المتحدة، كما هو الحال في العديد من الصور النمطية التي يكونها الناس عن العديد من الأشخاص قبل القراءة عنهم أو قبل الحديث معهم شخصيًا عن تجربتهم.

من السهل والممتع أيضًا،  الحديث عن تجربة تثير شغفك مع شخص لن تراه مجددًا، هذا هو المبدأ التي تعتمد عليه المكتبات الإنسانية، فالتفاعل أثناء الحديث مع شخص غريب يكون سريعًا، ذلك لأن كلا الطرفين ليسو بحاجة للتكلف أمام بعضهما البعض، ولهذا يكون من السهل أن يكون المرء أكثر صدقًا أثناء حديثه مع شخص مرّ بتجربة معينة تثير شغفه، ومن الممتع جدًا التعرف على تفاصيلها من الشخص مباشرة وجهًا لوجه.

يمكننا أن نرى هذا النوع من المكتبات في كثير من البلاد الأوروبية، كما يشتهر وجودها في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يقل وجودها في البلاد العربية، لتتواجد بشكل آخر، مثل المناسبات والندوات الثقافية التي يجتمع فيها عدد من القراء لمناقشة كتاب معين أو قضية معينة، إلا أن المكتبة الإنسانية لم تتواجد بمفهومها المتعارف عليه في كثير من بلدان الشرق الأوسط، إلا أنه يبدو أن تركيا ستكون في المقدمة.

أعلنت بلدية "شيشلي" في مدينة إسطنبول، العاصمة الثقافية للجمهورية التركية، أن في الحادي عشر من فبراير/ شباط القادم، سيتم افتتاح أول مكتبة إنسانية في تركيا، تقوم في الأساس على كسر الصور النمطية التي يشعر بها بعضًا من الأتراك تجاه بعض من فئات المجتمع، وأهمهم اللاجئين، حيث ستتاح فرصة التحدث عن تجربة اللجوء مع من عاشها بالفعل، ومن الممكن تغيير الصورة النمطية التي يكونها الأتراك لكل من كان لاجئًا في بلادهم.

ربما تبدو فكرة الحديث مع الغرباء مدهشة للبعض، أو غير مقبولة ثقافيًا في بعض المجتمعات، فيعد التحدث بارتياح مع الغريب من الأفعال الوقحة في بعض الثقافات بالفعل، كما هو الحال في الدنمارك أو اليابان، ولكن على الجانب الآخر، تعد المكتبات الإنسانية من أفضل الحلول التي تجعل تجربة القارىء تجربة حية مع الكتاب، فالكتاب في المكتبات الإنسانية يتنفس ويضحك ويشارك القارىء الرأي، لأنك ببساطة تستطيع استعارة إنسان للحديث معه بدلًا من استعارة الكتاب.