أعلن تجمع لعدد من قبائل العريش بمحافظة شمال سيناء (شمال شرق مصر) عن بدء العصيان المدني بالمدينة السبت المقبل 11فبراير 2017، ردًا على انتهاكات الداخلية المصرية تجاه شعب سيناء والتضييق عليهم، في خطوة تصعيدية هي الأولى من نوعها بحسب البيان الصادر عن اللجنة الشعبية المنبثقة عن مؤتمر العريش بديوان آل أيوب الذي عقد الشهر الماضي.

التحرك السيناوي نحو التصعيد جاء بعد تصفية ستة من أبنائهم على أيدي قوات الداخلية في الثالث عشر من يناير الماضي، بدعوى تورطهم في استهداف كميني "المطافئ" و"حي المساعيد" بالعريش في التاسع من نفس الشهر، والذي أسفر عن وقوع 8 قتلى من بينهم 7 من رجال الشرطة.

العصيان التدريجي.. أولى الخطوات

البيان الصادر أمس عن اللجنة المنبثقة عن مؤتمر العريش برر اللجوء إلى العصيان المدني بأنه رد فعل على عدم تنفيذ القرار الثاني من حزمة القرارات الثمانية التي خلص إليها الإجتماع الأول الذي عقد بديوان آل أيوب في 14 يناير الماضي، والتي كانت كالتالي: "رفض لقاء وزير الداخلية لأنه خصم للبلد، مطالبة نواب شمال سيناء بتقديم استقالتهم من مجلس النواب، الإفراج الفوري عن المعتقلين والمختفين قسريًا الذين لم تصدر ضدهم أحكام قضائية لأننا لم نعد نأتمن عليهم أحد، التهديد بالعصيان المدني في حالة عدم تنفيذ المطالب، معرفة مصير جثث أبناؤنا الذين صدر باسمهم بيان وزارة الداخلية، فتح ديوان آل أيوب يوميًا لأبناء العريش حتى تنفيذ المطالب، دعوة كل عائلات ودواوين العريش لدعم قرارات المؤتمر تباعًا، تشكيل لجنة لمتابعة قرارات المؤتمر".

خلصت اللجنة في بيانها إلى بدء العصيان المدني بدعوة الجميع إلى الامتناع عن دفع فواتير المياه والكهرباء اعتبارًا من يوم 11 فبراير 2017 وحتى تحقيق مطالب أهالي سيناء.

اللجنة أشارت في بيانها إلى تنفيذ المطلب الأول من هذه القرارات الثمانية وهو إلغاء مقابلة وزير الداخلية الذي حدد موعدًا للمقابلة كما جاء على لسان النائب السيناوي حسام الكاشف، أما المطلب الثاني والمتعلق بتقديم نواب العريش استقالتهم من مجلس النواب كما تم الاتفاق في الاجتماع السابق، فجاء بالبيان: "أن أهالي الضحايا انتظروا تنفيذ أحد القرارات التي اتخذت بالمؤتمر بتقديم استقالاتهم من مجلس النواب بعد أن أعلنوا موافقتهم علي قرارات المؤتمر ولكنهم طلبوا مهلة انتظاراً لإجراءات سيقومون بها، ولكننا فوجئنا بموقفهم السلبي، بل ما تم العكس حيث ازدادت الإجراءات التعسفية والتضييق علي أهل سيناء".

وأضاف البيان: "والأدهى منع أي مصري لا يقيم بسيناء من دخولها إلا عبر الكارت الأمني، والعودة مرة أخرى إلي غلق الفردة الثانية من كمين الميدان مع التضييق علي المسافرين،وقد تقدمنا ببلاغ للسيد المستشار النائب العام،وحتى الآن لم نخطر ببدء إجراءات التحقيق"، منتقدًا "عدم صدور أي بيان من أي جهة رسمية، بتبرئة أبنائنا المقتولين وتقديم قتلتهم للمحاكمة،وعدم إزالة الكمائن من داخل مدينة العريش بل زادت عدداً وتحصينا، بالإضافة لعدم الإفراج عن كل المحتجزين قسرياً ممن لم توجه لهم اتهام أو إدانة ولم يقدموا للمحاكمة"

اللجنة طالبت بعقد مؤتمر حاشد لكل مدن شمال سيناء وذلك يوم 25 فبراير الجاري لمناقشة ماتم التوصل إليه من قرارات وإجراءات، مع الترحيب بأي مقترحات جديدة، ومطالبة كافة القوى الشعبية والقبائل بالمشاركة في هذا المؤتمر للحفاظ على أرواح وممتلكات أهالي سيناء.

وخلصت اللجنة في بيانها أنه ولما سبق فقد تقرر بدء العصيان المدني وذلك بدعوة الجميع إلى الامتناع عن دفع فواتير المياه والكهرباء اعتبارًا من يوم 11 فبراير 2017 وحتى تحقيق مطالب أهالي سيناء.

لماذا 11 فبراير؟

لم يكن اختيار يوم 11 فبراير موعدًا لبدء العصيان المدني قرارًا عشوائيًا من قبل اهالي سيناء، وهو ما أشار إليه البيان المذكور، والذي لفت إلى أن تحديد هذا اليوم بالذات جاء تيمنًا بذكرى تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عن الحكم في 11فبراير 2011، بعد ثلاثين عامًا من الحكم غرقت فيه مصر في مستنقع الفساد والتدهور في شتى مجالات الحياة.

القبائل السيناوية لفتت إلى أن يوم انتصار ثورة يناير المجيد لابد وأن يكون يوم انتصار لأهالي سيناء أيضًا على الانتهاكات والتجاوزات التي يتعرضوا لها على أيدي النظام المصري، والذي راح ضحيتها آلاف القتلى والمعتقلين والمهجرين من منازلهم.

من جانبه قال خالد عرفات، عضو اللجنة المنبثقة عن مؤتمر العريش، إن العصيان المدني سيبدأ تدريجيا بعدم دفع فواتير المياه والكهرباء، وإذا لم يتم الاستجابة لمطالبهم قد يصعدون الإضراب بطرق مختلفة بينها إغلاق كافة المحلات بالمدينة أو عدم سير السيارات بالشوارع وغيرها من الأشكال الأخرى لم يتطرقوا إليها بعد.

وتابع في تصريحات له: "العصيان المدني نتيجة طبيعة للأوضاع التي تشهدها المدينة، ولا اعتقد أن الأهالي لن يشاركوا فيه لأنهم لايقبلون بهذا الوضع بالتضييق عليهم داخل المدينة"، مشيرا إلى أن العصيان المدني أحد الطرق السلمية للتعبير عن مطالبهم.​

فرحة المصريين بتنحي مبارك في 11 فبراير 2011

السيناويون في مرمى النظام

في تقرير نشره المركز المصري للحقوق والحريات حول الوضع في سيناء خلال الفترة من 30يونيو 2013 وحتى نهاية مايو2015، أشار إلى الجرائم المرتكبة بحق المدنيين اثناء الحرب على الإرهاب في شمال سيناء، أسفرت عن مقتل 1347 مدني، فضلا عن اعتقال 11906 سيناوي، منهم 9073 حالة اعتقال رسمي، و2833 حالة اعتقال تحت بند الاشتباه.

التقرير تناول أيضًا حالات الحرق والتدمير لمقومات الحياة المعيشية لأهالي سيناء، حيث رصد حرق 1853 عشة للبدو، وتدمير وحرق 600 سيارة، و136 دراجة بخارية، فضلا عن هدم 2577 منزل، كما بلغت عدد الأسر المهجرة 3856، بإجمالي 26 ألف و992 فرد ما بين طفل وشاب وإمراه وشيخ.

وبحسب بيانات رسمية وحقوقية، فقد قتل أكثر من 169 مدنيا خلال العام 2016، فضلا عن مايقرب من عشرة أفراد في يناير الماضي، إلى جانب تعرض حوالي 500 منزل لمدنيين ومنشآت في المنطقة للدمار، ومن يصبح العدد الإجمالي كالتالي: 1536 حالة قتل مدنيين خارج إطار القانون، 9073 حالة اعتقال، 3856 أسرة مهجرة، 3077 منزل مهدم

منازل أهالي سيناء بعد تهجيرها من سكانها على أيدي قوات الأمن

ماذا بعد العصيان؟

ردود فعل متباينة أحدثها قرار بدء العصيان المدني في شمال سيناء، مابين مؤيد له ومتحفظ عليه، وداعيًا لإعادة النظر في العلاقة بين النظام وأهالي سيناء، ومحذرًا من تصعيد أخطر من ذلك حال استمرار الوضع على ماهو عليه.

من جانبه قال الدكتور قدري الكاشف، أحد أبناء عائلة الكاشف بالعريش، إن الجاني لن يفلت من العقاب مهما طال الوقت، فما حدث – تصفية الشباب الـ6 – جريمة في حق أهالي سيناء جميعهم، مطالبًا أهالي العريش بعدم التخلي عن الوسائل المشروعة للحصول على حقهم من ضمنها لقاء وزير الداخلية، ملفتًا إلى أن صوت عائلات العريش وصل لأعلى المستويات، إلا أن أحدا لم يتحرك حتى الآن.

وفي المقابل حذر الخبير الأمني العميد محمود قطري من طريقة التعامل بين الأمن واهالي سيناء، مشيرًا أن الوضع في سيناء له خصوصية شديدة الحساسية، ومن ثم لابد من إعادة النظر في الأسلوب الأمني الذي يتم التعامل به مع الأهالي هناك، تجنبًا لحدوث كوارث لايمكن السيطرة عليها.

قطري في تصريحات صحفية له أشار إلى أن التصعيد من قبل السيناويين من خلال العصيان المدني يحمل الكثير من المخاطر الأمنية على الجيش والشرطة على حد سواء، فالعصيان يحمل بين ثناياه عدم رضا أهالي سيناء عن النظام بمختلف أنظمته، ومن ثم قد يوقف شيوخ سيناء وقبائلها التعاون مع أجهزة الأمن في تلك المناطق شديدة الخطورة، وهو مايمثل تهديدًا كبيرًا للمنظومة الأمنية في شمال سيناء، فضلا عن تهديده لحياة الجنود المرابطين هناك، كما أنه يحمل مؤشرًا لزيادة أعداد الإرهابيين والمتطرفين جرّاء وقف التعاون الاستخباراتي مع القبائل السيناوية.

قطري: العصيان يحمل بين ثناياه عدم رضا أهالي سيناء عن النظام بمختلف أنظمته، ومن ثم قد يوقف شيوخ سيناء وقبائلها التعاون مع أجهزة الأمن في تلك المناطق شديدة الخطورة، وهو مايمثل تهديدًا كبيرًا للمنظومة الأمنية في شمال سيناء

جدير بالذكر أن النظام المصري خلال السنوات التالية لثورة يناير ومنذ أن أعلن الحرب على العمليات المسلحة في سيناء نجح في إسقاط  العديد من العناصر التكفيرية هنالك بفضل تعاون شيوخ قبائل سيناء وإرشادهم عن أماكن تمركز هذه العناصر، وماكان لأجهزة الأمن أن تستطيع الوصول إلى تلك البؤر بمعزل عن التعاون الأهلي السيناوي، وهو مايجعل من التصعيد الأخير لأهالي سيناء منعطفًا خطيرًا يهدد بفوضى عارمة تلقي بظلالها القاتمة على الجهود الأمنية المبذولة للسيطرة على الوضع في سيناء، ويعيدها من جديد مرتعًا للكيانات المتطرفة داخل مصر وخارجها.

وفي سياق متصل، فقد فرض العصيان المدني لأهالي شمال سيناء - منذ التلويح به في يناير الماضي-  نفسه على مواقع التواصل الإجتماعي، وتحت هاشتاج #سيناء، و#العريش، غرد العشرات من المواطنين تعليقًا على هذا القرار مابين مؤيد ومعارض