بعد مرور قرابة شهرين عن بدء معركة مدينة الباب في شمال سوريا خط الدفاع الأخير عن الرقة - عاصمة داعش في سوريا - واجهت قوات درع الفرات المرابطة على حدود المدينة خلال كل تلك الفترة انتكاسات عديدة أدت لخسارات في العتاد والأرواح وفشلت في اقتحامها، حتى ليلة أمس الثلاثاء عندما شنت الفصائل السورية المدعومة من تركيا هجومًا واسعًا شمل ثلاثة محاور وسط قصف جوي ومدفعي على معاقل تنظيم الدولة في المدينة من الطيران التركي وطيران التحالف الدولي.

اقترب الحسم

تمكنت فصائل الجيش الحر المنضوية تحت درع الفرات من كسر دفاعات تنظيم الدولة الإسلامية داعش في مدينة الباب للمرة الأولى والبدء في التوغل من الجهة الغربية داخل المدينة حيث استطاع المقاتلون السيطرة على جبل الشيخ عقيل والمشفى والسكن الشبابي من الجهة الغربية للمدينة، وكانت الفصائل في الأيام القليلة الماضية سيطرت على بلدة بزاعة الاستراتيجية إلا أنها انسحبت منها مرتين بسبب الهجمات العكسية القوية من داعش، حيث تعد البلدة بوابة مدينة الباب وخط دفاعها الأخير. ويشير مراقبون أن هذه الاشتباكات التي تدور بين الطرفين ليست كمثيلاتها في السابق ويُرجح احتمال أن يكون التنظيم يخطط للانسحاب من مدينة الباب.

وجاءت تصريحات قيادة الأركان التركية لتؤكد الأخبار الواردة حول سيطرة قوات المعارضة على عدد من التلال الهامة في محيط مدينة الباب، وذكر بيان للجيش أن "العمليات في محيط الباب تسير بكثافة عالية، إذ تمت السيطرة على عدد من التلال الهامة، وتم تحييد 58 من عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" خلال العمليات العسكرية المدعومة بالضرب المدفعي والغارات الجوية".

تمكنت فصائل الجيش الحر المنضوية تحت درع الفرات من كسر دفاعات تنظيم الدولة الإسلامية داعش في مدينة الباب

وأكد البيان أنه تم توجيه ضربات لـ189 هدفًا تابعًا للتنظيم، من بينها مخابئ ومواقع دفاعية وبعض العربات المسلحة، وتم تدمير 58 بناءًا تابعًا للتنظيم، ومركز قيادة، وثلاثة مداخل لأنفاق، وحاجزين وعربة مسلحة. وأكد البيان قيام طيران التحالف بتنفيذ 7 غارات، تم خلالها تدمير 10 أبنية يستخدمها التنظيم كمخابئ، ومدخل نفق وموقع دفاعي وعربة مدرعة. في حين قتل 2 من الجنود الأتراك وجرح 15 آخرين في العملية الواسعة التي لاتزال مستمرة في هذه الأثناء، وقد يعلن السيطرة على المدينة في أي لحظة.

وكانت الأيام الماضية أنبأت بدنو أجل داعش في مدينة الباب بعدما تمكنت قوات "درع الفرات" من السيطرة على مواقع كان يتحصن فيها التنظيم في الجنوب الغربي للمدينة، وسط قصف مدفعي وجوي تركي، أهمها قرية الشماوية الاستراتيجية لوقوعها على الطريق الواصل بين مدينة الباب وشرقي مدينة حلب، وبهذا فقدت داعش موقعًا هامًا وخط إمداد الأرتال والمؤازرات العسكرية نحو جبهات مدينة الباب، ومن ثم تقدمت قوات درع الفرات لتسيطر على مناطق جديدة في محيط بلدة بزاعة يوم السبت الماضي وتمكنت من السيطرة  بعد معارك كر وفر مع التنظيم يومي الخميس والجمعة الماضيين كما سيطرت على بلدات أخرى مثل بلدة الغجران، العواصي، اللواحجة الغوز وأبو الزندين والحساني، وهو ما ضيق الخناق أكثر على عناصر التنظيم ودفعهم للتفكير بالانسحاب نحو مدينة الرقة.

أهمية تقدم درع الفرات في ريف حلب الشمالي عامة ومدينة الباب الاسترتجية خاصة، أنه سيوسع من اتصاله الجغرافي مع تركيا وبالتالي سيمنع قطع الإمدادات اللوجستية عنه، وتنفيذ نية تركيا في إقامة منطقة آمنة لحماية حدودها من قوات سوريا الديمقراطية وداعش.   

التصادم مع قوات النظام السوري

بدأت قوات النظام السوري بقيادة "سهيل الحسن" الضابط المقرب من النظام وروسيا منذ منتصف كانون الثاني/يناير الماضي عملية عسكرية من الريف الجنوبي الغربي لمدينة الباب بمساندة من إيران وميليشياتها، تمكنت فيها من استعادة أكثر من 15 قرية من تنظيم الدولة داعش حيث يشير مراقبون أنها لم تلقى معارضة شرسة من قبل داعش وشبه معارضون أن قرى تم تسليمها للنظام فيما يشبه الاستلام والتسليم مع داعش، وتسعى قوات النظام للسيطرة على مدينة الباب.

ويرى عسكريون أن التقدم السريع للنظام قد يكون سببه الرئيسي ارتياحه، بعد خروج مقاتلي المعارضة من حلب وهدوء جبهات الريف الغربي لحلب نتيجة الخلافات بين الفصائل هناك، فضلاً عن حشد "تنظيم الدولة" قواته ضد "درع الفرات" وعدم التمسك بالمناطق أمام هجمات النظام، بينما يستخدم النظام في تقدمه سياسة الأرض المحروقة، من خلال التغطية الجوية والنارية الكثيفة.

تقدم درع الفرات في ريف حلب الشمالي سيوسع من اتصاله الجغرافي مع تركيا وبالتالي سيمنع قطع الإمدادات اللوجستية عنه

علاوة على سعي النظام للسيطرة على مدينة الباب، فهو من جهة أخرى يسعى لتثبيت نفسه كلاعب رئيسي في المعادلات العسكرية والسياسية في شرق سوريا كما يشير لذلك مراقبون، وبالأخص بعدما سيطرت تلك القوات على الجزء الشرقي من مدينة حلب واستطاعت من تفريغها من ساكنيها.

وقد وصلت قوات سهيل الحسن إلى بلدة تادف الملاصقة لمدينة الباب، لتصبح قريبة من قوات درع الفرات وتنذر بقرب المواجهة بينهما حيث أكد قيادي في درع الفرات أنه لا يوجد مانع من المواجهة في حال حاولت قوات النظام والمليشيات الإيرانية معها السيطرة على مدينة الباب.

بينما يشير محللين أتراك أن هناك تفاهمات بين تركيا وروسيا بشأن تجنب تصادم قوات الجانبين في هذه المنطقة وغيرها، وتعتبر محاولات النظام وحلفاءه التحرك باتجاه الباب مجرد استفزاز لقوات درع الفرات، إذ لا مصلحة لكلا الطرفين أن يحدث تصادم سواء لقوات النظام السوري أو القوات المدعومة من درع الفرات، فلن يقتصر هذا التصادم فيما لو حصل على مدينة الباب فحسب، بل قد يمتد إلى مناطق أخرى وهذا ما قد يؤثر المسار السياسي فضلا عن العواقب العسكرية الخطيرة.