محاولات مستميتة مستمرة من النظام السوداني برئاسة عمر البشير، ازدادت حدتها في العامين الأخيرين، للضغط على النظام المصري بكل الطرق لإعادة فتح ملف حلايب وشلاتين بالجنوب المصري، التي يدعي البشير ملكية بلاده لها.

ضوء أخضر سعودي

هذه المحاولات تجلت في الفترة التي تلت إعلان المملكة العربية السعودية، نيتها شن حرب على جماعة الحوثي باليمن، تحت عنوان "عاصفة الحزم"، واجتماع الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، بالرئيس السوداني لإقناعه بالانضمام للتحالف الذي تزعمته المملكة، مقابل فك ارتباط السودان بطهران، وهي العلاقة التي أزمت الموقف بين الرياض والخرطوم على مدى سنوات ثلاث، أفضت إلى وقف المساعدات الاقتصادية والدعم الاستثماري التجاري من قبل المملكة للسودان ، قبل أن يعيد هذا اللقاء المياه إلى مجاريها بين الدولتين.

موقف الخرطوم لم يتوقف فقط على محاولة الاستفادة من عودة العلاقات مع الرياض اقتصاديا، بل تجاوزه لبحث البشير عن دعم سياسي دبلوماسي سعودي لقضية حلايب وشلاتين، وهو الموقف الذي تجسد في تصريحات الرئيس السوداني "البشير" في أوائل نوفمبر من العام 2015 حول عزمه استخدام كافة الطرق "السلمية وغير السلمية"، لاسترداد ما يسميه "حق السودان في حلايب والشلاتين"، مستتبعا تصريحه لإحدى الصحف السودانية بأن "الحل العسكري" غير مطروح، آملا في دعم السعودية لإيجاد "حل سلمي"!!.

السيسي يلتقي البشير وفي الخلفية خريطة حدود البلدين

تصعيد سوداني

لم تتوقف تصريحات البشير عند هذه النقطة، بل حاول مرارا عبر العامين الماضين فتح الموضوع مع القيادة المصرية التي كانت حازمة في رفض مجرد التفكير في الأمر، لكن بعد أزمة جزيرتي تيران وصنافير، وإصرار النظام المصري على منحهما للمملكة بموجب اتفاق لترسيم الحدود، أثار ضجة شعبية وقضائية كبيرة بالقاهرة، عادت أماني البشير للواجهة، لكن هذه المرة بتصريح "مستفز" عبر قناة العربية السعودية، خلال زيارته الأخيرة للرياض مهددا " باللجوء إلى مجلس الأمن، للفصل في هذا الخلاف"، ومتهما ما وصفه بـ "تدخل الدولة المصرية ومؤسساتها العسكرية والأمنية في الشأن السوداني، وتاكيده دعم المخابرات المصرية لمعارضين له".

مبارك اتهم نظام الخرطوم بالتخطيط لاغتياله بأديس أبابا

أزمة قديمة

تعود قصة الخلاف المصري السوداني حول حلايب وشلاتين إلى نهايات الثمانينيات، وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، بإثارة الخرطوم مسألة ترسيم الحدود مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في مصر، ما أسفر عن توتر أمني بين البلدين، جاءت ذروته في اتهام النظام المصري للخرطوم بالوقوف وراء محاولة اغتيال مبارك الفاشلة في أديس أبابا 1995، وما تبع ذلك من تثبيت عسكري للحدود مع السودان، وتمركز دائم للقوات المصرية بالمنطقة، التي كان بها عناصر من الجيش السوداني تم سحبهم رسمياً عام 2000.​

زيارة البشير للمملكة تحاصر مصر

تحركات مريبة

 لماذا الآن؟.. ربما يجول هذا التساؤل ببال المحللين السياسيين، هل تحريك مسألة حلايب والشلاتين حالياً وبهذه اللهجة التصعيدية، مطلب فردي للبشير، أم يستهدف أمور أخرى، وبشكل غير مباشر وبه استقواء بموقف سعودي داعم له؟ .

مع الوضع في الاعتبار أن مطالبات البشير دوما بقضية حلايب وشلاتين، لم تكن تمثل أولوية لنظامه، بل كانت فقط مجرد ورقة مناورة للحصول على امتيازات مصرية، أو مهرب للأمام من أزمات نظامه الدائمة، وأخرها انفصال الجنوب وأزمة دارفور، وكثيراً ما تراجع نظام البشير عن المطالبة بحلايب وشلاتين، في سنوات شهدت ازدهار العلاقات بين القاهرة والخرطوم، وبالتالي غير منطقي -حسب نمط تلك العلاقات- أن تتطور مسألة حلايب وشلاتين إلى التلويح باستخدام القوة من جانب البشير، دون عامل خارجي!.

السودان ورقة ضغط سعودية جديدة على مصر

إذا التفسير الأنسب لهذا الموقف الآن هو أن الرياض لجأت إلى استحداث أوراق ضغط خارجية ضد القاهرة، وتحريك ملفات قديمة كحلايب وشلاتين، أو حتى سد النهضة، لربط موقف الأخيرة بموقفها في المنطقة عموما، سواء في اليمن أو في سوريا، وكذلك إبقاء القاهرة في خانة التابع للسياسات السعودية.

مبالغة أم حقيقة واقعة؟

قد يرى البعض أن ربط موقف البشير من تحريك ملف حلايب وشلاتين بالتقارب مع المملكة مبالغة، قياسا على قدم العلاقات القائمة أصلا بين البلدين والتي وترتها فقط فترة التقارب السوداني الإيراني، لكن بالنظر للصورة الكاملة المتعلقة بمحاولة المملكة نقل خلافها المستجد مع مصر إلى القارة الأفريقية، وتحديداً في المربع الاستراتيجي للأمن القومي المصري إثيوبيا، السودان، جيبوتي، أريتريا، يمكننا تفهم الأمر.

مستشار للعاهل السعودي يزور سدَّ النهضة بإثيوبيا

فمصر لم تنظر في باديء الأمر للتحركات السعودية بأفريقيا بأي ريبة، خصوصاً أنها ارتبطت، ظاهرياً، بمقارعة النفوذ الإيراني في القرن الأفريقي، وتأمين الممرات البحرية، في ظل الحرب باليمن، من قبيل إقامة قاعدة بحرية في جيبوتي، وتوقيع اتفاق تعاون أمني مع أريتريا، والدعم المالي إلى السودان، لكن زيارة مستشار الملك السعودي في الديوان الملكي أحمد الخطيب، لـ "سد النهضة"، كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر علاقة البلدين، بعد الموقف المصري من التوجه السعودي تجاه القضيتين اليمنية والسورية.

مماحكة سياسية

المماحكة السياسية بين الرياض والقاهرة لم تتوقف عند أزمة السد الإثيوبي، أو حلايب وشلاتين، بل تجاوزتها لمحاولة كل من البلدين مقارعة الأخرى على النفوذ الأفريقي، فاستقبلت القاهرة والرياض تقريبا في نفس التوقيت بفارق أيام فقط، كل من رئيس جنوب السودان سالفا كير ، والرئيس السوداني عمر البشير، وهما زيارتان تعكسان تحوّلاً كبيراً في العلاقات بين جوبا والخرطوم بكل من القاهرة والرياض، كما أن الخرطوم ترى مصلحة في التحالف مع الرياض، وحتى أديس أبابا، على حساب التقارب مع القاهرة في الوقت الحالي، بالنظر إلى اعتبارات الاستثمارات السعودية والإثيوبية، أو الأمنية عبر تجنب أي توتر مع إثيوبيا في منطقة القلابات، وهو ما يفسر، ابتعاد الخرطوم عن القاهرة، فيما يتعلق بالموقف من "سد النهضة"، في مقابل تأكيدات عن تدخل قوات خاصة مصرية في القتال بين سالفا كير والمتمردين في دولة الجنوب، وإبرام  القاهرة اتفاقية سرية مع جنوب السودان لتخريب "سد النهضة".

الخلاصة أن المملكة لا تفكر في القريب العاجل في أي مصالحة أو تقارب مع مصر، والسودان يهمها من يؤمن اقتصادها وأمنها، لذا فإن اتفاق الطرفين الأخير ربما يتجاوز حدود فكرة محاصرة الدور الإيراني بأفريقيا – وإن كانت تلك نقطة موجودة به – ، إلى استحداث ورقة ضغط سعودية جديدة ضد مصر؛ للفوز بدور الدولة المهيمنة عربياً وإسلامياً في المنطقة، سعيا لسعودة البحر الأحمر، سواء جنوبا أو عبر باب المندب أو تيران وصنافير في حال نجحت في اقتناصها، وهو ما يفسر التأثير الأخير للمملكة في القمة الأخيرة للاتحاد الأفريقي، ونجاحها في إعادة المغرب له.