بشار الأسد ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي

"مسلخٌ بشري" هو عنوانٌ لتقرير جديد أصدرته منظمة العفو الدولية واتهمت فيه النظام السوري بإعدام 13 ألف شخص في سجن صيدنايا قرب دمشق، خلال الفترة ما بين عامي 2011-2015م، في حملة مروّعة كان قوامها عمليات شنقٍ جماعية، فقد كانوا يخضعون إلى محاكمات عشوائية ثم يتم اقتيادهم معصوبي الأعين، ولا يعرفون مصيرهم إلى أن يُلّف الحبل حول أعناقهم.

إدارة معتقل صيدنايا وفقًا للتقرير اتّبعت أبشع أساليب التعذيب لمعاقبة السجناء، والتي وصلت إلى 35 طريقة مختلفة تسببت في إنهاء حياة الكثير منهم، كإجبارهم على اغتصاب بعضهم البعض والسلق بالمياه الساخنة والصعق بالصدمات الكهربائية ونزع الأظافر وسياسة التجويع والحرمان من المياه، بالإضافة إلى أسلوب الاحتجاز مع جثث المعتقلين.

أيُّ صدمةٍ يمكن أن يتلقّاها قارئ لمعلومة تفيد أنه في سجنٍ واحد وفي مدة زمنية لا تتجاوز خمس سنوات تم إعدام 13 ألف إنسان

أيُّ صدمةٍ يمكن أن يتلقّاها قارئٌ لمعلومة تفيد أنه في سجنٍ واحد وفي مدة زمنية لا تتجاوز خمس سنوات تم إعدام 13 ألف إنسان، أي بمعدل خمسين معتقلاً كل أسبوع، وبطرق بشعة تكشف عن انحدار البشرية إلى أسفل سافلين، وتدلل على أن الطاغية مستعد لأن يتحول إلى كائن مسخ عدو للإنسان ولنفسه، من أجل البقاء في كرسيّه.

ورغم أن هذا التقرير قد أرّق الكثيرين لما جاء فيه من أهوال وفظائع، يبقى مجرد جزء من كُل، وقطرة من بحر، ففروع صيدنايا موجودة تقريبًا في جميع بلداننا العربية، كفروع مطاعم الهمبرغر أو ربما يزيد، والسجّانون هناك، يقدّمون وجباتٍ دسمة من أصناف العذاب لزبائنهم، لكن الفرق هو أن أحدهم قد كشف عن صيدنايا سوريا وآخر لم يكشف بعد عن صيدنايات بقية الدول.

أحد فروع صيدنايا موجود في العراق، لكن مكانه بالضبط لا أحد يعلمه سوى الذين قاموا بإنشائه، فقد كشف النائب في البرلمان العراقي أحمد عطية السلماني مؤخرًا عن أن أكثر من (2000) مدني من أهالي منطقتي الرزازة والصقلاوية بمحافظة الأنبار، خطفتهم المليشيات التي ترافق القوات العسكرية الرسمية منذ نحو عامين، ولا أحد يعرف مكان احتجازهم حتى اللحظة.

غموض تام يلف مصيرهم، إذ لا يستطيع المسؤولون الحكوميون ولا المنظمات الحقوقية الوصول إلى مكان احتجازهم ومعرفة ما يجري لهم، فمَن يجرؤ على البحث والتقصّي مهما كان منصبه في الحكومة عليه أن يكون مستعدًا لدفع ثمنٍ باهظ كالتصفية الجسدية أو على الأقل مصيرًا مشابهًا لمَن أتوا للبحث عنهم، أمّا عائلات المخطوفين فهي في حيرةٍ من أمرها، لا تعرف ما إذا كانوا أحياءً فتستمرّ بالبحث عنهم أو أموات فتترحّم عليهم.

لا يختلف اثنان على أنَّ المخطوفين أبرياء، وأن اختطافهم كان بسبب انتمائهم لطائفةٍ معيّنة، فالعملية جرت في أثناء فرارهم من المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش آنذاك، إلى المناطق التي تخضع لسيطرة الحكومة، غير أن الغريب حقًا هو عدم استطاعة رئيس الوزراء العراقي الذي يشغل بنفس الوقت منصب القائد العام للقوات المسلحة، التدخل وإطلاق سراحهم، رغم المناشدات الكثيرة سواء من أهالي المخطوفين أو من أعضاء في البرلمان، وهو ما يعكس مدى نفوذ المليشيات المسلّحة التي غدت دولة داخل دولة.

يبدو مفهومًا أن يقوم أشخاص مثل بشار الأسد والمجرمين في العراق وغيره، بارتكاب مثل هذه الفظائع، وقد يكون مفهومًا قبول حلفائهم بالإجرام الذي يقومون به، لكن العَصيّ على الفهم هو أن يكون وجودهم مقبولًا لدى العالم الذي لم يكف يومًا عن الحديث عن حقوق الإنسان

وعلى أي حال، قد يبدو مفهومًا أن يقوم أشخاص مثل بشار الأسد والمجرمين في العراق وغيره، بارتكاب مثل هذه الفظائع، وقد يكون مفهومًا قبول حلفائهم بالإجرام الذي يقومون به، لكن العَصيّ على الفهم هو أن يكون وجودهم مقبولًا لدى العالم الذي لم يكف يومًا عن الحديث عن حقوق الإنسان والحريات والإرهاب الذي يبدو أنَّ من شروط إدراج الأشخاص ضمن إطاره يستوجب أن يكون لباسهم قصير ولحاهم كثّة ويرددون آياتٍ من القرآن قبل قتل ضحاياهم!

ليَعلم هذا العالم أن عبارات الإدانة والشجب التي غصّت بها وسائل الإعلام في اليومين الماضيين لن تُنقذ من بقي حيًا، لذلك إن كان جادًا في إنقاذهم وإيقاف مثل هذه الجرائم مستقبلًا، فليقف بشكل حقيقي بوجه مَن تسبّبوا بها، أو فليكف الجميع عن الشكوى وليحتفظوا بعبارات إلإدانة والاستنكار لأنفسهم، لأنها باتت مستفزة للناس وبشعة بشكل لا يقلّ عن جرائم الأسد وبقية طغاة الأرض.