نقد نموذج تحديث الأسرة بتحرير المرأة.

كتب الزعيم على باب قبره قبل موته، أنه محرر المرأة التونسية وهذه أول قطعة في أثاث البيت السياسي والثقافي التونسي الحديث. ومنها تفرعت بقية القطع فدأب تونسيون كثر ومن مختلف التيارات الفكرية والسياسية بما فيهم الإسلاميون الذي سمح لهم بالكلام مؤخرا، على ترويج فكرة أقرب إلى اليقين الإيماني بأن المرأة التونسية متقدمة في أحوالها كلها عن المرأة العربية فهي الأعلى تعلما وهي الأكثر حرية وهي الأذكى.

وغالبا ما ينتهي النقاش حول هذا الأمر إلى تمجيد فصل قانوني وحيد هو فصل منع تعدد الزوجات في مجلة الأحوال الشخصية وتسقط تباعا بقية العناصر المكونة لهذه الصورة المتفوقة فلا سند عليها ولا دليل من إحصاء كمي أو وقائع نوعية.

فلا أحد من المدافعين عن هذا التفوق يجرؤ على تقديم أرقام ذات دلالة أو يورد وقائع وأسماء نساء أعلام متميزات وفي إطار تنسيب هذا الغلو الإيديولوجي ضمن مشروع نقد الأساطير المؤسسة للدولة التونسية الحديثة نرى ضرورة البدء بالمراجعة الفعلية لأوهام تفوق تجعل المرأة أثاثا لبناء ايديولوجي مغالطي كانت بدايته أكاذيب الزعيم.

كذبة الزعيم الأولى.

في نشر إيديولوجيا تميز المرأة التونسية يذكر الزعيم المؤسس. فهو محرر تونس ومحرر المرأة هكذا عرف نفسه وهكذا كتب على قبره وهكذا يتمسك شيعته بصورته. لكن الزعيم لم يكن بهذا الإبداع أبدا. فقد عرف عنه قبل أن يصير رئيسا أنه دافع عن الحجاب ضد السفور يوم كان ينوي بناء صورة الزعيم الشعبي الذي لا يصدم مشاعر العامة. واختلف مع المصلح الطاهر الحداد عند نشر كتابه (امراتنا في الشريعة والمجتمع) ولم يقف إلى جانبه في محنته يوم كفّره شيوخ الزيتونة المحافظين ونبذوه وهو الزيتوني الصميم.

وقد كان الزعيم المحرر صبيحة الاستقلال من أشد المدافعين على أن يكون التصويت للمجلس التأسيسي الأول ذكوريا بحتا. فكان كذلك ولم تشارك النساء في الترشح والتصويت. وفجأة قفز الرجل على مسألة إشكالية كانت محل نقاش منذ كتاب الطاهر الحداد. فحسمها سياسيا وهي مسألة منع تعدد الزوجات. فانتهي المصلح المتوافق مع عقائد الناس إلى زعيم سياسي حداثي يفرض اصلاحاته الاجتماعية بقوة القانون قبل حصول الإجماع الشعبي عليها. 

تجرأ الزعيم في مشهد تلفزي مشهور على تجميع عدد من النساء وكشف رؤوسهن على الملإ فأحدث صدمة في وعي محافظ لا تزال آثارها حتى اللحظة في وعي الناس بأن تحرير المرأة عملية معادية للدين الاسلامي

بهذا بدأ في بناء صورته الجديدة الزعيم المصلح الاجتماعي المجتهد الفقيه ومحرر المرأة خاصة. غني عن القول هنا أن أسلوب الفرض قد جرّ نتائج عكسية رافضة في البداية جعلت كل إصلاح مشبوه وزاد الأمر سوءا أن الزعيم وسع اجتهاداته في نفس الفترة بالدعوة إلى الإفطار في رمضان من أجل دفع عجلة الاقتصاد. ثم تجرأ في مشهد تلفزي مشهور على تجميع عدد من النساء وكشف رؤوسهن على الملإ فأحدث صدمة في وعي محافظ لا تزال آثارها حتى اللحظة في وعي الناس بأن تحرير المرأة عملية معادية للدين الاسلامي.

ورغم أن المجتمع تطور إلى حد القبول بالزوجة الواحدة قانونا وصارت مسألة السفور والحجاب مسألة خارج الجدل اليومي حول الحرية إلا أن تلك الصدمة لا تزال جرحا في الوعي لا تعيشه بقية الشعوب العربية التي وصلت إلى نفس النتيجة من طرق غير صدامية. فالعربيات باستثناء نساء الخليج العربي سافرات ومتحجبات على هواهن وباختيارهن دون إبداع الزعيم في التحرير بالقوة.

هنا نعثر على إحدى أسس إيديولوجيا الدولة الوطنية الحداثية التي تؤثثت خطابها اليومي بتحرير المرأة التونسية وتميزها. إنه الدفاع عن زعيم ونظام سياسي عمل دوما على قهر الناس وعدم اعتبار مشاعرهم وآرائهم جديرة بالاحترام أو بالمجاملة(بما هي تأن في التغيير). وهذه إحدى بوابات فهم غربة جهاز الدولة عن الشعب واستهانتهم بها في حياتهم اليومية فهي دولة قهرية دخلت بيوتهم وعرت نساءهم دون رغبة منهم. الحديث عن تميز المرأة التونسية هو تغطية لنظام سياسي تسلطي قهري يروج  كذبة كبيرة ويعيش منها أنصار الدكتاتورية بعد. وقد تفاخر ورثته بأن الرئيس الحالي (الذي يقلد بورقيبة حتى في طريقة السعال وصل إلى الكرسي بصوت مليون امرأة تونسية حرة من بنات الزعيم).

60 عاما من نساء خارقات؟

المرأة التونسية ليست امرأة خارقة لا في تكونيها ولا في مشاركتها في الشأن العام ولا في سلوكها الشخصي. مشروع الزعيم المحرر لم يؤت أكله وانكشف خواءه ككل دعاية إيديولوجية فجّة. وهذا ما تبين لنا بعد ستين عاما من دولة الزعيم. وهذه بعض المؤشرات. التي يمكن التقاطها لنصل إلى أن الحالة عادية بل ربما منحطة عن مثيلات لها في الوطن العربي.

نسب الأمية بين النساء التونسيات هي الأعلى (انظر مقالي السابق عن فشل المدرسة التونسية). وكما أسلفت أعلاه فإن الدراسات المقارنة قليلة والأرقام مغيبة أو غائبة فعلا. حيث لا يروج إلا خطاب واحد عن عبقرية الحالة التونسية في تعليم المرأة وتفتيق مواهبها القيادية.

مشاركة المرأة التونسية إدارة الشأن العام لا تتم حتى الأن إلا تفضلا من الرجال. فالوظائف العليا في الدولة رجالية وآخر مشاهد إذلال النساء في تونس أن النقابة اليسارية الأعلى صوتا في ترويج خطاب تميز النساء التونسية تفضلت لأول مرة بعد 60 عاما بإدماج امرأة في مكتبها التنفيذي وكان إدماجها مجاملة لزوجها اليساري المتوفى.

قبل ذلك وفي فورة الثورة واختيار أعضاء هيئة بن عاشور الاستشارية كان عدد النساء رغم التعيين (أي دون التعرض  لمشقة الاختيار الانتخابي) أقل من ربع أعضاء الهيئة التي وضعت مسار التأسيس على سكته. ومن أفضال تلك  الهيئة على المرأة أن فرضت قانون المناصفة في الترشيح وكان منة رجالية بامتياز ولغايات سياسية ليس منها إنصاف المرأة بل مناورة خسيسة ضمن صراع تيار الحداثة مع تيار التأصيل الإسلامي المتهم  بعدائه للمرأة.

التعيين في الوظائف العليا للدولة رجالي بامتياز ولم يغن نجاح المرأة الدراسي في فرض كوتا نسائية بل كل التعيين تفضل لا  اقتدار أو استحقاق

التعيين في الوظائف العليا للدولة رجالي بامتياز ولم يغن نجاح المرأة الدراسي في فرض كوتا نسائية بل كل التعيين تفضل لا  اقتدار أو استحقاق. ولا يزال عدد النساء في الحكومة أقل بكثير من وزنها الديمغرافي وفي كل حكومة يعود الحديث عن حق المرأة ثم تتمخض النقاشات عن حكومة رجالية تزين ببعض النساء كما هو حال بقية البلدان العربية التي لا تفرط في الحديث عن تميز نسائها.

تشغيلية المرأة التونسية مرتفعة نعم لكن في المهن ذات التكوين الهش والمردود الضعيف  كالنسيج والأعمال المنزلية. وفي بعض القطاعات كالزراعة ترتفع نسبة تشغيل النساء نتيجة تدني الأجور التي يهرب منها الذكور رغم أن النصوص القانونية تؤكد على المساواة التامة في الأجور. لكن بين النص القانوني المعلن كوسيلة دعاية والواقع المعيش فروق فاضحة تكشف نفاق الحديث حول المرأة التونسية. وهو أمر تسكت عنه النقابات التقدمية.

في اقتصاد يعتمد على السياحة مثل تونس ومصر والمغرب ( اقتصاد خدمات سريعة) تظهر لنا أحوال النساء متماثلة تماما إذ نلاحظ تفشي ممارسات البغاء وتجارة الجنس محليا وتصديره. وفي المدن التونسية الكبرى وجدت أحياء متخصصة في تهيئة سياحة المفروش وهو الاسم الفني للسياحة الجنسية المموهة.

كل من يقول هذه الحقائق يدمغ بنكران جميل الزعيم فهو الذي حرر المرأة من الاستعباد الجنسي داخل أسرة متعددة الزوجات. وهنا يفتح باب الحديث عن الأسرة التونسية وهو موضوع شديد التعقيد.

الأسرة التونسية مشرفة على الهلاك

تعيش الأسرة التونسية مسار تفكك ينذر بكوارث اجتماعية فنسب الطلاق هي الأرفع عربيا ونسب العنوسة عالية جدا كما ارتفعت في سنوات ما بعد الثورة مشاركة المرأة في الهجرة غير النظامية. (الحرقة) بعد أن كانت رجالية صرفة. ورغم أن هذا التفكك ليس مسؤولية المرأة وحدها إلا أن وعيا شعبيا مجروحا بالقهر ينسبه لعملية تحرير قسرية وغير متدرّجة أدت إلى وضع مسألة تحرير المرأة في سياق عملية قهر للرجل وهنا مكمن الخطورة. فالزعيم اتهم الرجل صراحة بأنه سبب تخلف المرأة وليس الاستعمار أو الفقر أو الجهل(أو كلها معا) ووجه عمله ضد الرجل كسبب للتخلف مركزا خطابه دوما على ثقافته الدينية المتخلفة.

في العقود الأخيرة التقط اليسار الثقافي الفرنكفوني (الوريث الحقيقي للبورقيبية) المسألة وأفرط في توجيه خطاب تحرير المرأة ضمن إيديولوجية الجندر الوافدة مع موضات التفكير السريع من الجامعات الفرنسية حيث يدرس أغلبية هؤلاء. ويروج هؤلاء الآن لصيغة لا تختلف في شيء عن التحديث البورقيبي (الفرنسي النزعة) مفادها أن تحرير المرأة لا يتم إلا بقهر الرجل أو على حسابه فالمجتمع الذكوري مجتمع قهري يجب كسره.

وهذا التيار يسيطر على مؤسسات الثقافة والإعلام ويفرض صيغة وحيدة. تنغلق بدورها وبطبيعتها دون مشروع تحرير يقوم على أن تحرير المجتمع شامل وليس جزئيا. فلا تحرير للمرأة دون تحرير للرجل. لكن الأمر يصاغ بطريقة خاطئة مما يذكر الوعي الشعبي المجروح من مغامرات التحديث التي فرضها الزعيم بالجروح القديمة فيرتد العقل الذكوري (وهو واقع) إلى روح محافظة تغذيها أفكار سلفية محافظة وافدة بدورها من تلفزات الوعظ النفطي  المغالطي.

وتنغلق الدائرة على الأسرة التونسية التي اختلطت فيها أدوار الأبوين وفقدت المدرسة في الأثناء دورها التربوي فبدت صورة التحديث مشرفة على نهاية تعيسة لن يزيدها إبطال العمل  بعقوبات السجن لمستهلكي المخدرات الخفيفة (القنب الهندي ) الا استفحالا.

أن قضية المرأة المحررة والمتفوقة في تونس ليست الا عملا أيديولوجيا غير متماسك فهو عمل تبريري يهرب إلى الإمام من النتائج الكارثية على الأسرة وعلى الأفراد وعلى المجتمع والدولة

نصل هنا إلى حقيقة أن قضية المرأة المحررة والمتوفقة في تونس ليست الا عملا أيديولوجيا غير متماسك فهو عمل تبريري يهرب إلى الإمام من النتائج الكارثية على الأسرة وعلى الأفراد وعلى المجتمع والدولة التي بناها الزعيم على تحديث مسقط وغير مدروس.

طبعا هذا ليس تبريرا لوضع وإن كان له متشابهات ولكن نعتقد أن القول بالتفوق التونسي غير قابل للصمود أمام نقاش جدي موثق بالمعطيات الكمية حول المرأة خاصة والأسرة عامة في تونس. من هنا نعتقد أن الاقرار بالحقيقة هو نصف الموقف السليم. الذي يجب أن يبدأ بكثير من التواضع ليصل إلى نقد ذاته والتقدم على أرضية جديدة ليس منها أكاذيب الزعيم المحرر بل إعادة النظر الكلي في أسس بناء الفرد (ذكر وأنثى) والأسرة التونسية تلك بداية الطريق دون زعيم مزيف حوّل نساء تونس إلى فقرات في خطاب نرجسي.