"نحن نفضل أن نعيش بحريتنا على أن نعيش عبيدًا بترف" كان هذا الشعار الشهير الذي رفعه الرئيس الغيني السابق أحمد سيكو توري في وجه الاستعمار الفرنسي الذي استمر لأكثر من مئة عام على الأراضي الغينية.

هذه الخطوة الفريدة من نوعها من قبل رئيس إفريقي كانت مخيفة بالنسبة لباقي الرؤساء في الإقليم وذلك بسبب الرسالة التي وجهتها فرنسا لمن يريد أن يتمرد ويعترض على الهيمنة الفرنسية، بأنه سيلقى عواقب وخيمة تحمّله أثقالاً لا يقدر عليها.

"من دون القارة الإفريقية، فرنسا سوف تنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث"

مجّد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي فكرة الاستعمار الفرنسي في القارة الإفريقية وادعى أن الحضارة الفرنسية نقلت الكثير من الحداثة والتطور للدول الإفريقية وبالمقابل ساعدتها على التخلص من التخلف والرجعية، وهذا الوهم الفرنسي اعتقاد راسخ في العقول الإفريقية ودول العالم أيضًا، أن لولا الاستعمار الفرنسي لكانت هذه الدول في وضع أسوأ مما هي عليه الآن، وبذلك كانت تسمى فرنسا بـ"رجل إفريقيا الحامي".

لكن قلة منا يدركون أن أحد أسباب مكانة فرنسا على الساحة الدولية هو وجودها بإفريقيا، وذلك ما أكده الرئيس فرانسوا ميتران عندما قال: "دون القارة الإفريقية لن يكون هنالك تاريخًا للدولة الفرنسية في القرن الواحد والعشرين"، وأكد ذلك الرئيس جاك شيراك أيضًا في حديث عندما قال: "من دون القارة الإفريقية، فرنسا سوف تنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث".

لماذا لا نسمع عن قصص نجاح في القارة الإفريقية؟

تبدأ القصة من أن الحلم الإفريقي لن يتحقق طالما الفكرة لا تعجب السيادة الفرنسية، هذا وبكل بساطة، فإن أساليب فرنسا في ترهيب حكام هذه الدول سنلاحظه من خلال سياسات عدة عانى منها الرؤساء الإفريقيون الذين عارضوا الهيمنة الفرنسية، فمنهم من تعرض لمحاولات اغتيال أو كانوا ضحايا للانقلابات العسكرية، فقد شهدت القارة الإفريقية خلال الـ50 عامًا السابقة ما يقارب 67 انقلابًا في 26 دولة كانت تحت الاستعمار الفرنسي، مما يعني أن 61% من الانقلابات حدثت في إفريقيا الناطقة بالفرنسية.

إضافة إلى فشل السياسات المتبعة منذ الاستقلال وثقل الديون وتبعية بعض المسؤولين الأفارقة للأنظمة الأجنبية التي لا تلائم الإقليم المحلي وما يعانيه من نزاعات لا حصر لها.

المثل الإفريقي يختصر بعض الحكاية "لا يمكن للعدو الخارجي أن يضرك، إن لم يكن هناك عدوًا داخليًا".

لا شك أن الشعوب الإفريقية هي المثال الأشهر في كثرة مشاكلهم الداخلية المتعددة مثل الانقسامات والحروب الأهلية والتفرقة التي كانت سياسة فرنسا من الأساس "فرق تسود" والتي حصرت العقل الإفريقي على أساس العيش في دوامة يومية من النزاعات المستمرة وجعلتها جزءًا لا يتجزأ من القصة الإفريقية.

القضية الرئيسية عن غياب التغييرات هي القيادة في إفريقيا، ليست نوعية الحكام، ولكن نوعية المجموعة الحاكمة، بشكل فردي هناك رؤساء أرادوا أن يحققوا خططًا ناجحة لدولهم، ولكن فشلوا لغياب الرؤية الجماعية ويعود فشل ذلك نتيجة أن معظم هؤلاء القادة تم تدريبهم وتعليمهم في الخارج من قبل أناس لا يملكون معرفة وافية عن النظم القيادية التي يحتاجها هذا النوع من مناطق النزاعات في العالم.

ساعدت المؤسسات على زراعة عقول متسولة في عقول الشباب وخلقت سلوكًا استهلاكيًا لا إنتاجيًا لديهم

ما دور المؤسسات الدولية والإعلامية على الأراضي الإفريقية؟

اليونسيف وأطباء بلا حدود أو غيرها من المنظمات الدولية التي تصور نفسها على أنها يد تبني وهي بالحقيقة يد هدامة لصورة الشعب الإفريقي والكرامة الشخصية لكل فرد لما تنشره من صور ترويجية للمواطن الإفريقي على أنه إنسان مصاب بالأمراض ومتسول جائع.


يرى بعض المحللين أن هذه المنظمات الدولية هي جذر لا يموت للاستعمار الفرنسي، فهذه المؤسسات لا تعمل على تنمية وتوعية الإنسان الإفريقي، إنما تعمل على توفير منتجات وفرص استهلاكية مؤقتة، بحيث يستفيد منها الفرد لمدة قصيرة، مما تجعل الإفريقي يدمن على المساعدات الدولية فتنمي لديه حاجة ملحة لها، لا شك أن هذه الحاجة ساعدت بزراعة عقول متسولة في عقول الشباب وخلقت سلوكًا استهلاكيًا لا إنتاجيًا لديهم.

من جهة أخرى، وسائل الإعلام الغربية التي تهدد السلام والتنمية في إفريقيا، هي عبارة عن شبكة من الأكاذيب التي تركز كل أدواتها على المسائل المعقدة التي يعانيها الإقليم الإفريقي من انقسامات داخلية بين القبائل والأديان.

فهي تعمل على خلق انطباع زائف أن الأوساط الأجنبية في إفريقيا تعمل على حمايتها من نفسها وذلك لا يمكن توفيره إلا من خلال العنصر الأجنبي، وحين العودة للحقيقة نجد أن العنصر الأجنبي هو من جعل إفريقيا في هذا الإطار وكرس فكرة أن الأفارقة غير قادرين على إدارة مشكلاتهم بأنفسهم والرجل الأجنبي هو المنقذ، فجعلت الحياة الإفريقية مرتبطة بالعنصر الأجنبي فالأفارقة الذين لا يستطيعون العيش بنمط حياة معقول هم من لا يملكون أي اتصال مع العناصر الأجنبية، والأفارقة الذين نجحوا في مواكبة العالم من النواحي التعليمية والقيادية فلهم اتصال مع العناصر الأجنبية.

العولمة دفعت القارة الإفريقية إلى أسفل الهرم العالمي

كيف أضرت العولمة القارة الإفريقية؟

إن العولمة استعمار جديد لكن بحلة مختلفة، لأن مبدأها إنهاء سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية على الدول، إضافة إلى إنهاء مبدأ تقرير الشعوب بحرية تامة الجوانب المختلفة لمؤسساتها.

سبب آخر أن النظام الاقتصادي العالمي لا يضع في اعتباره الحاجات الإنسانية والاجتماعية لهذه البلدان الهشة، الأمر الذي جعل الدول الإفريقية غير مؤهلة لمواجهة شروط هذا النظام، فهذه الدول بنيت وفقًا لرؤى الاستعمار ومصالحه وبشكل لا يتفق مع الوضع الإفريقي، فقد ورثت إفريقيا مشاكل من الاستعمار جعلتها عاجزة عن العمل بشكل مناسب.

فبمجرد أن بدأت إفريقيا ببناء نفسها وبإيجاد أساسيات لدولها حتى وجدت أمامها نظامًا عالميًا يفرض عليها وضعًا لا يمكن الاستفادة منه وإنما أثار المزيد من المشاكل والعقبات حتى أصبح وجود القارة الإفريقية محض شك ورهان خاسر.

العولمة دفعت القارة إلى أن تكون في أسفل الهرم العالمي، ذلك من خلال السياسات الاقتصادية التي أدت إلى زيادة معدلات البطالة وخلق بيئة مناسبة لارتكاب الجريمة وانتشار الفساد والسوق السوداء، وليس بخاف أن هذه الأحداث المتشابكة هي التفسير الأوضح لما يحدث في إفريقيا داخليًا وخارجيًا.