الملك عبدالله الثاني خلال تشييع جثمان النقيب راشد الزيود الذي قضى في عملية إربد الأمنية العام الماضي

بالرغم من الظروف الصعبة التي مر ويمر بها الأردن، لم يحدث أن نفذت السلطات حكم الإعدام بأي معتقل سياسي أردني إلا مؤخرًا، فضلاً على أنه منذ العام 2006 لم يصادق الملك عبد الله الثاني على عقوبة إعدام واحدة سواء في قضية سياسية أو جنائية.

فقد حافظ الأردن على تعليق عقوبة الإعدام مدة 8 سنوات بين عامي 2006 و2014، لكن السلطات أنهت هذا التعليق في 21كانون الأول/ديسمبر من العام 2014، بإعدام 11 شخصا بتهمة القتل، فيما أعدمت في 4 شباط/فبراير من العام 2015 سجينين عراقيين هما ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي التابعين لتنظيم “داعش”، ردا على حرق تنظيم الدولة للطيار معاذ الكساسبة في سوريا من العام نفسه.

وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام 2016، أصدر المركز الوطني لحقوق الإنسان تقريره عن أحداث العام 2015، أفاد فيه بأن محكمتي الجنايات الكبرى وأمن الدولة أصدرتا 68 حكمًا بالإعدام بين عامي 2008 و2015.

وذكر التقرير أن 112 شخصا كانوا محكومين بالإعدام في نهاية العام 2015، 8 أشخاص ممن أعدموا في 4 مارس/آذار حكمت عليهم محكمة أمن الدولة عام 2016 بالإعدام بتهمة الإرهاب.

من بين من نفذ فيهم حكم الإعدام أعضاء ما عرف بـ"خلية إربد"

في حين أشارت مصادر قضائية إلى أنه ما زال هناك نحو 94 شخصًا محكوم عليهم بالإعدام شنقًا، وأغلبهم محكوم في قضايا قتل واغتصاب، في حين يشكل مجموع أحكام الإعدام التي نفذت منذ إعادة تفعيل العقوبة، 28 عملية إعدام لمحكومين من أصل نحو 122 محكومًا.

وجبة كبيرة من الإعدامات!

الحكومة نفذت فجر السبت الماضي أحكام إعدام جديدة بحق 10 مدانين بقضايا إرهابيية، و5 مدانين بجرائم جنائية، في أول مرة يتم فيها إعدام هذا العدد الكبير من المحكومين، بينما نشرت أسماء المدانيين بالأحكام السياسية فقط، في الوقت الذي امتنعت فيه عن ذكر المتورطين بقضايا جنائية.

ومن بين من نفذ فيهم حكم الإعدام أعضاء ما عرف بـ”خلية إربد”، وهم أشرف بشتاوي وفادي بشتاوي وعماد دلكي وفرج الشريف ومحمد دلكي. إضافة إلى المتهم بقتل عناصر مكتب المخابرات العامة في لواء عين الباشا/ البقعة، محمود مشارفة، كما تم إعدام علي مقابلة المتورط في جريمة صمّا التي راح ضحيتها عناصر من الأمن العام، إضافة لرياض إسماعيل قاتل الكاتب ناهض حتر.

كما نفذت السلطات حكم الإعدام في عضو التيار السلفي الجهادي معمر الجغبير، المتهم في الهجوم الذي تعرضت له سفارة الأردن في بغداد عام 2003، كما أعدم نبيل الجاعورة المتهم بالهجوم على فوج سياحي في المدرج الروماني، وأدى إلى مقتل سائح بريطاني.

رسائل للداخل والخارج

لقد أثارت أحكام الإعدام جدلاً واسعًا على المستوى المحلي، في حين تساءل الكثير عن مغزى هذه الوجبة من الإعدامات التي جاءت مفاجئة ولم يعلن عنها مسبقًا.

وقد تسابق عدد من المحللين والكتاب والمراقبين، إلى فك ألغاز هذه الإعدامات وسبر غورها، ومحاولة معرفة أسباب توقيتها والرسائل التي أراد النظام الأردني أن يبعثها من خلالها للأطراف في الداخل والخارج.

أحكام الإعدام تضمنت رسالة إلى الخارج تفيد بأنه لا تهاون مع من يمس الأمن القومي الأردني من "المجموعات الإرهابية"

في هذا أدلى الخبير الأمني العميد المتقاعد حسين الطراونة في رأيه، معتبرًا أن “تنفيذ أحكام الإعدام هو بمثابة ثأر لأهالي الشهداء الأبرياء من أبناء الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنيين أيضًا، الذين سقطوا على أيدي هؤلاء الإرهابيين”.

وحول الرسائل التي أراد الأردن إيصالها للداخل والخارج بعد تنفيذ أحكام الإعدام، قال الطراونة إن “أحكام الإعدام تضمنت رسالة إلى الخارج تفيد بأنه لا تهاون مع من يمس الأمن القومي الأردني من المجموعات الإرهابية، وأنه لا هوادة في الحفاظ على السلم والأمن الداخليين”.

وحسب الطراونة، فإن الرسالة الموجهة إلى الداخل تضمنت القول بأنه “لا تساهل لكل من تسول له نفسه محاولة الاعتداء على الممتلكات، أو على أفراد القوات المسلحة أو عناصر الأمن العام أو على المواطنين الأبرياء”.

ووفقًا للطراونة فقد أراد النظام إيصال رسالة تطمين للمواطنين عندما نفذ حكم الإعدام بالمدانين بقضايا جنائية تفيد بأن “الأعراض محفوظة ومصانة ولا تهاون مع من يتعدى عليها أو ينتهك حرمتها”.

الجهاديون متفاجئون!

من ناحيته، اعتبر القيادي في التيار السلفي الجهادي محمد الشلبي “أبو سياف”، أن أحكام الإعدامات “شأن قضائي بحت” على حد تعبيره. وقال أبو سياف لـ”أردن الإخبارية”: “لقد تفاجأت بإعدام معمّر الجغبير ونبيل الجاعورة، فقد كنت أتوقع الإفراج عنهما، خاصة نبيل الجاعورة الذي يعاني من مرض نفسي، في حين أن الجغبير لم يعترف بالتهمة التي كانت موجهة له، فضلاً عن وعود بتخفيض مدة حكمه إلى المؤبد”.

وأنهى أبو سياف حديثه المقتضب قائلًا "أخشى أن يكون هذا الفعل، الحديدة التي شقت المركب"، دون مزيد من التوضيح.

وكانت مواقع محلية نقلت على لسان أبو سياف استنكاره لأحكام الإعدامات، في حين ذهب البعض إلى القول إن هذه الإعدامات التي شملت عددًا من أنصار ومؤيدي تنظيم داعش، ستؤدي إلى مزيد من المواجهة بين التنظيم والأجهزة الأمنية والعسكرية. لكن أبو سياف صرّح نافيًا استنكاره لأحكام الإعدام، مشددًا على أنها في النهاية شأن قضائي.

رد "بأدوات القانون" على من يهدد الأردن

إلى ذلك، فقد راى الكاتب الصحفي فهد الخيطان أن “تنفيذ أحكام الإعدام هو ترجمة أمينة لموقف الأردن والتزامه الأخلاقي والوطني والدولي في الحرب ضد الإرهاب، ورسالة بالغة الدلالة لأولئك الذين راهنوا على عدم قدرة الأردن على تنفيذ أحكام الإعدام لاعتبارات أممية أو حسابات داخلية، بما كان يعطي الإرهابيين القناعة بأن حبل المشنقة لن يطال رقابهم، وسيمضون حياتهم في سجون تمنحهم  ميزات قد لاينالون مثلها في الخارج”.

وقال الخيطان في مقال له نشر في صحيفة الغد تحت عنوان “لهذه الاعتبارت أُعدم الإرهابيون”، إن “تنفيذ أحكام القانون هو تعبير أصيل عن احترامنا لحق الحياة التي يصمم الإرهابيون والقتلة على اختطافها دون وجه حق، ورد بأدوات القانون على من يهدد كل يوم حياة الأبرياء وينتهك سيادة الدولة، لتغدو ساحة فوضى ودمار يحكمها قطّاع الطرق وعصابات المخدرات والإرهاب وتجار السلاح، تماما كما هو الحال في كل بلد حلت فيه هذه الجماعات الإرهابية".

العفو الدولية: عدد أحكام الإعدام والسرية التي نفذت بها كانت بمثابة صدمة

إدانات حقوقية ودولية

من جانبها، أدانت منظمة العفو الدولية “امنستي انترناشيونال” تنفيذ أحكام الإعدام. وقالت نائب مدير مكتب المنظمة بمدينة بيروت سماح حديد، في بيان صدر عنها إن “عدد أحكام الإعدام والسرية التي نفذت بها كانت بمثابة صدمة”، معتبرة أنها “خطوة كبيرة إلى الوراء في مسيرة الأردن على مستوى المساعي الرامية إلى إلغاء عقوبة الإعدام”، واصفة الأحكام بـ”طريقة غير عقلانية وغير مجدية لإحقاق العدالة”، حسب تعبيرها.

كما استهجنت مفوضية الاتحاد الأوروبي في الأردن، تنفيذ أحكام الإعدام، مؤكدة على معارضتها للأحكام مهما كانت الظروف. ورأت المفوضية أن “الإعدامات خطوة إلى الوراء، بعد أن قامت المملكة سابقًا بتجميد غير رسمي لهذه العقوبة”.

رايتس ووتش: عقوبة الإعدام لن تردع أبدا الهجمات الإرهابية والقتل، ولن تجعل الأردن أكثر أمنًا

أما منظمة هيومن رايت ووتش، فقد اعتبرت أن “الأردن انخرط في التوجه الإقليمي المقلق المتمثل في زيادة عمليات الإعدام”. وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: “قد يعتقد الأردن أن عمليات الإعدام تأكيد للقوّة، لكن عقوبة الإعدام لن تردع أبدا الهجمات الإرهابية والقتل، ولن تجعل الأردن أكثر أمنًا، بدل الاقتداء بإيران والعراق والسعودية أكبر منفذي عقوبة الإعدام في المنطقة، على الأردن أن يكون مثالاً يحتذى في الحقوق والحماية، وأن يعيد تعليق العمل بعقوبة الإعدام”.

يذكر أنه في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ورد في فصله السادس حصر عقوبة الإعدام في أشد الجرائم خطورة، إلا أن البروتوكول الثاني الاختياري الملحق بالعهد نص في مادته الأولى على ألا يعدم أي شخص خاضع للولاية القضائية لدولة طرف في هذا البروتوكول.

كما حظرت المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل، تطبيق عقوبة الإعدام، في الوقت الذي خلت فيه المادة 77 من نظام المحكمة الجنائية الدولية من تطبيق عقوبة الإعدام.

المصدر: أردن الإخبارية