لنتوقف عن تمجيد التجربة ولندخل في الواقعية. الوضع في تونس يسرّ العدو وقد يخيّب ظنّ الصديق. التجربة الديمقراطية لا تتقدم بل تزداد هشاشة وتنذر بفوضى أو بارتكاس إلى عنف منفلت. لقد اتضحت المعسكرات واللّفظ حتى الآن مجاز لكنه قد يصير حقيقة في وقت قريب فلا شيء يؤشر على خلاص مدني من لحظة التردد أمام الفساد وهذا هو التهديد الحقيقي بالانتكاس.

الفاسدون معروفون والفساد بيّن.

التونسيون يعرفونه بالاسم والمقر. ويعرفون آليات الفساد وكيفية اشتغالها. وهذا من البركات غير أن العجز أمامه من المهلكات. يمكن عدهم وهم حوالي 300 شخص من الذين أثرَوْا بطرق غير مشروعة في زمن الدكتاتورية وانضم إليهم كثير بعد ذلك وإن لم يصلوا بعد إلى قوتهم الاقتصادية. وسيلة الإثراء كانت الاستزلام إلى سلطة بن علي و حزبه الذي لم يكن أكثر من عصابة مفسدين.

الزمتهم أيام الثورة الأولى بيوتهم وتخفَّوا فيما سمي في تونس بمرحلة السفساري. يخرجون إلى قضاء شؤونهم سرا ولا يرفعون رؤوسهم في الطريق لكن عجز النخب التي استلمت البلد بعد الثورة جرّأهم على البلد وعلى الثورة فعادوا بوسائلهم إلى الواجهة وفرضوا قوانين اللعبة على نخبة هشة ومغرورة وجاهلة بأساليب الحكم.

وسيلتهم المالية مكنتهم من وسيلة الإعلام فأحاطوا بالثورة يطرحون القضايا المغلوطة ويصرفون الناس عن الانشغال بهمومهم وبحتمية التغيير والتثوير. ثم التفوا في حزب جديد لم يكن في الحقيقة إلا رسكلة للقديم فإذا هم في السلطة برؤوسها الثلاثة البرلمان (التشريعية) والحكومة(التنفيذية) والرئاسة المتواطئة ضد الثورة والتغيير الفعلي. وتبين أن الهيئات الدستورية تأتمر بأوامرهم أو في أفضل الأحوال تهادنهم وتناور معهم على إبقاء الوضع على ما هو عليه.

شركات وهمية (واجهات) تتهرب من الضريبة الواجبة وتقترض بلا ضمانات وتعمل على تفليس البنوك والاستيلاء عليها وتهدد بالرحيل كلما خاطبتهم السلطة بضرورة الالزام بالقانون والبطالة كانت دوما نقطة ضعف السلطة أمام هؤلاء.

ونقابات قطاعية متغوّلة على الدولة ترفض الخضوع للقانون وتبتز بعلمها (ومهنها) الدولة فلا يكون إلا ما تريد والحكومة أمامها عاجزة قاصرة مستسلمة تفاوض وتخسر وتبارك خساراتها باسم السلم الاجتماعية.

الشعور بالطمأنينة أمام الثورة مكّن لفساد أصغر اشتغل بنفس الوسائل وميّع كل محاولة لبناء نظام إداري سليم يحول مبادئ الدستور إلى واقع

الشعور بالطمأنينة أمام الثورة مكّن لفساد أصغر اشتغل بنفس الوسائل وميّع كل محاولة لبناء نظام إداري سليم يحول مبادئ الدستور إلى واقع. صار حديث العوام الآن في تونس عن أن كل التوانسة طرابلسية كناية عن تفشي أسلوب أصهار الرئيس السابق في الاستيلاء والابتزاز ودب اليأس في النفوس خاصة أمام عجز النخب السياسية التي كانت تزعم الانتماء إلى الثورة فتبين للناس أنها أعجز من أن تقاوم بل هي أقرب إلى الفساد منها إلى الإصلاح.

لذلك تزدادا الصورة قتامة والوضع هشاشة واليأس تمكنا من النفوس وما هذا النص إلا بعض يأس من النخبة الجديدة قبل فقدان الأمل من صلاح حال مكونات النظام التي لا تَصْلُح ولا تُصْلَح

نخبة ولا أعجز

الفساد المالي معروف ومحدد وجليّ ولكن الفساد السياسي صار أوضح. ليس حزب النداء هو بؤرة الفساد الوحيدة ربما يكون الإطار العام للفساد لكن آخرين يتقدمون الصفوف بأحزاب مشبوهة ومشاريع مريبة. نخبة نبتت من لا مكان وملكت في البرلمان فدخلت الحكومة التي صنعها قانون أكبر البقايا الانتخابية. قانون مهّد للفساد السياسي وقد كان يراد منه في المعلن قطع الطريق على الأحزاب الكبرى.

لا توجد أحزاب كبرى  وجد حزيبات يمكنها تعطيل كل شيء فنظامنا الآن هو نظام الأقلية المستقوية بضعفها التي تترجمها ابتزازا وتعطيلا. الجميع يرى هذا الخور ولكنه خارج النقاش حالة من التلاشي السياسي والعجز المؤذن بخراب التجربة قبل اكتمالها.

أحزاب أخرى بقيت خارج السلطة وأعلنت المعارضة لكن بأسها بينها شديد رغم اتفاق الخطاب النظري حول المستقبل. حزيبات تعلن مشروعا اجتماعيا لكنها عاجزة عن العمل المشترك الذي يجعل منها طريقا ثالثا (كلها قرأت كتاب قيدنز الانجليزي ) حول الطريق الثالث لكنها تراه افتراضا نظريا قد يقضي على زعاماتها الصغيرة إذا توحدت في مشروع.

المعارضة الحالية داخل التجربة التونسية ما بعد الثورة لا تختلف كثيرا في أساليب عملها عن معارضة بن علي

هذا فساد آخر مؤذن بتخريب دور المعارضة فهشاشة المعارضة تسمح بهشاشة السلطة التي لا تلق بالا لمعارضة ضعيفة ومشتتة. المعارضة الحالية داخل التجربة التونسية ما بعد الثورة لا تختلف كثيرا في أساليب عملها عن معارضة بن علي. انتظار فتات السلطة دون الوصول إلى التأليف المؤذن بتغيير قواعد اللعبة السياسية.

هذا فضلا عن ارتهان جزء كبير منها لمعركة ايديولوجية قاتلة، فالبعض من النخبة لا يزال يعيش معارك  السبعينات المقيتة القائمة منع الاخرين من العمل الآخرون هنا هم الإسلاميون وأعدائهم لا يعارضون سلطة رأس المال الفاسد ولا الارتهان إلى الخارج ولكن يضعون نصب أعينهم عدو أيديولوجي وكل ما يحطمه مقبول بما في ذلك التحالف السرّي والعلني مع المنظومة الفاسدة.

تكايد ضرائر بين الجبهة اليسارية وحزب النهضة الإسلامي يصيب التجربة في مقتل وتصب عليه منظومة الفساد الزيت كل صباح في إعلامها الذي ملكته بالمال وشراء الذمم الضعيفة لصحافيين مرتزقة لا ضمير لهم ولا وازع من وطنية أو إنسانية.

نخبة عاجزة عن تصور البدائل. فقيرة في التخيّل التنموي جاهلة بإمكانيات البلاد الفعلية وقدرات شعبها على الفعل المنتج في مجالات الزارعة والصناعة والابتكار. جبلت على التكايد السياسي في مربعات العاصمة ونواديها بعيدا عن الشعب العميق الذي ملّ الانتظار وانحرف إلى الحلول الفردية وقد سرق منه زخم الثورة بإعلام فاسد ويجري الآن تثبيط عزائمه بلا رحمة.

كيف السبيل إلى الخروج بالتجربة إلى بر الأمان؟

كاتب هذه الروقة لا يملك حلولا. ومثله كثير من كتاب الورقات والمحللين في السوشيال ميديا وفي الجامعة. خطط الأحزاب القصيرة النظر لا تغريهم. والأحزاب تهابهم إذا تكلموا في البدائل لأن حديث البدائل يبدأ بكسر أنوف الزعامات المزيفة. فكر الغنيمة وروحها الدافعة إلى الفعل السياسي هي السبب. لم يكن هذا واضحا بجلاء قبل الثورة فقد كان كل متكلم بمعارضة السلطة محبوب ومتّبع لكن إغراء السلطة كشف ضعاف النفوس فإذا المشهد كلّه مشكل من رغباتهم والوطن مؤجل حتى حين. والثورة قوس للإغلاق.

متى يرعوون؟ هذا السؤال ممنوع لأنه يفتح على بداية مراجعة فعلية لسنوات ما بعد الثورة ويحمّل الناس مسؤولياتهم ثم يؤسس لفعل جديد.

لا أحد يرغب في الحرب ولكن بديل الحرب يتحول إلى مسخرة واستهانة بأرواح الناس الأحياء منهم والشهداء

تجربة تونس تزداد هشاشة وانكسارها أقرب إلى لحمتها حول مشروع وطني. ومبارزة بقية أقطار الربيع العربي بنجاح التوافقات السياسية. هذه التوافقات تتحول إلى أيديولوجية تبريرية مهينة للذكاء وللعلوم السياسية. لا أحد يرغب في الحرب ولكن بديل الحرب يتحول إلى مسخرة واستهانة بأرواح الناس الأحياء منهم والشهداء. الحكومة والمعارضة والنخبة عامة إلا قليلا تبتزّ صبر الناس.

وتضعهم أمام خيارين مرّين الاستسلام أو الاحتراب الأهلي المؤذن بالخراب وفي مجتمع التجار والمزارعين أو شعوب البسائط كما يسميهم ابن خلدون يبدو الاستسلام أقل كلفة وأيسر منالا وليرحم الله الشهداء فلم يخونوا أحدا.