الجندي الأردني المسّرح من الخدمة أحمد الدقامسة في سجن أم اللولو شمال الأردن

ما زال أحمد الدقامسة يستذكر -وهو في حضنها الآن- كيف وقفت والدته وصرخت فيه وسط المحكمة العسكرية إبان صدور الحكم عليه بالمؤبّد قبل نحو 20 عام بالتمام: "إرفع راسك فوق يمّا..لا تخاف ولا تخجل".

إذا، تم الإفراج عن الجندي الأردني المُسّرح من الخدمة العسكرية، أحمد الدقامسة، بعد أن قضى 20 عامًا في السجون الأردنية، وذلك بسبب قتله لمجموعة فتيات إسرائيليات مجنّدات، كنّ قد استهزأن به أثناء صلاته، في منطقة الباقورة شرقي نهر الأردن في 12 مارس 1997.

ففي وقت متأخر من ليلة الأحد، قامت السلطات الأردنية بإطلاق سراح الدقامسة من سجن "أم اللولو" في محافظة المفرق (شمالًا) وسط تكتم وسرية تامة، بحسب ذويه. فقد قالت مصادر أمنية بحسب ما ورد في مواقع محلية، إن "الافراج عن الدقامسة في هذا الوقت المتأخر من الليل جاء بهدف تجنب قيام المواطنين بأجواء احتفالية بعيد الإفراج عنه".

لكن كل هذه التخوفات والاحتياطات لم تجد نفعًا، فما أن وصل موكب الدقامسة إلى قريته الأم "إبدر"، شمال محافظة إربد، حتى انهمر المهنئون على منزل عائلته من كل حدب وصوب، مهنئين وفرحين بخروجه بعد هذه المدة الطويلة من السجن، في ليلة كانت أشبه بالعرس الذي لا ينتهي لدى الأردنيين.

الأمن يمنع الوصول لقرية الدقامسة

الدقامسة والذي رفض منذ البداية الاعتذار عمّا فعل، وبحسب ما نقل عن نجله سيف الدين، كان قد طلب من عائلته في مطلع الشهر الماضي إحضار بدلة رسمية له، تهيئه للخروج بشكل لائق ومفتخر من السجن، لكن يبدو أن هذا المطلب قد اصطدم برفض أمني.

شهود عيان في قرية الدقامسة، قالوا إن حالة من الفرح عمّت القرية رغم وصول الدقامسة إليها في وقت متأخر، حيث جابت السيارات القرية مطلقة أبواقها ابتهاجًا بإطلاق سراحه، فيما تجمع العشرات بالقرب من منزل عائلته وبدأوا بالهتاف الذي يحيي ما فعل الدقامسة، مرددين شعارات تمجّد الأردن وفلسطين.

هذه الحالة من الفرح والجماهيرية لدى الأردنيين، يبدو أنها لم تعجب السلطات، التي رفضت صباح يوم الأحد، دخول صحفيين إلى قرية الدقامسة لتغطية الاحتفال به، بحسب ما تناقلت وسائل إعلام وصحف أردنية. وذلك بعيد إعلان عائلة الدقامسة استعدادها لاستقبال المهنئين من كل مكان بعد صلاة العصر نهار الأحد، في القرية "إبدر". كما قالت صحف محلية إن قوات الأمن قد أحاطت بقرية "إبدر" ومنعت دخول أي أحد من غير سكّان القرية.

قضية الدقامسة، كانت قد شغلت الرأي العام الأردني طيلة السنوات الماضية، حيث ينظر جل الأردنيون للدقامسة باعتباره بطلاً. وفي عام 2009 رفعت 70 شخصية وطنية مذكرة للملك عبد الله الثاني، تطالبه بإصدار عفو خاص عن الدقامسة، لكن هذه المذكرة لم تفلح بالإفراج عنه. كما نظمت قوى المعارضة الأردنية في السنوات الماضية عشرات الفعاليات والمهرجانات التضامنية مع الدقامسة.

الملك الراحل الحسين بن طلال خلال تعزيته لأهالي القتيلات الإسرائيليات عام 1997

الدقامسة: لا تصدقوا كذبة التطبيع

في أول ظهور إعلامي مباشر له، وجه أحمد الدقامسة في مقابلة مع قناة الجزيرة من قريته في إربد، رسالة إلى الشعب الأردني قائلًا: "لا تصدقوا كذبة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولا تصدقوا كذبة حل الدولتين، فلسطين واحدة من البحر والنهر، من الناقورة وحتى أم الرشراش، هم زوروا التاريخ وزوروا أسماء المدن، وللأسف أن كثير من العرب والمسلمين باتوا يقولون (دولة إسرائيل)، لا يمكن أن يكون هناك دولة إسرائيل".

وسائل الإعلام العبرية انتقدت اليوم الإفراج عن الدقامسة، حيث وصفت الإذاعة العامة الإسرائيلية، الدقامسة بأنه "إرهابي". وأضافت الإذاعة، أن الدقامسة أمضى 20 عامًا في السجون الأردنية، بعد أن أفلت من حكم الإعدام بدعوى أنه "مختل عقليًا".

وشاركت القناة العاشرة الإسرائيلية، الإذاعة العامة في وصف الدقامسة بـ"الإرهابي". حيث قالت القناة "إن الدقامسة استقبل كالأبطال، وبالاحتفالات داخل مسقط رأسه شمال الأردن، على الرغم من طلب السلطات الاردنية عدم عقد احتفالات بالإفراج عنه".

الفتيات الإسرائيليات اللاتي قتلن في حادثة الباقورة

ونقل موقع صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية الالكتروني، عن أهالي الفتيات الإسرائيليات اللواتي قتلهن الدقامسة، وصفهم قرار الإفراج عنه بـ"المخيب للآمال". وقال حازي كوهين، والد الفتاة نوريت كوهن: "الفتيات لن يعودوا، وهو الآن يعود إلى بيته كأن شيئًا لم يحدث". وأضاف كوهين: "ليس هناك شك بأن هذا اليوم غير مريح وغير جيد لنا، ويجعلنا نشعر بالضيق".

إلى ذلك، كان ذوو القتلى الإسرائيليين قد توعدوا سابقًا بمحاربة أي محاولة للإفراج عن الدقامسة، في حين وصفت صحف إسرائيلية الدقامسة بأنه "قاتل الأطفال". ونقلت صحيفة "يدعوت أحرنوت" في نوفمبر الماضي، عن رئيس جمعية الماغور الإسرائيلية لضحايا الإرهاب مائير آندور قوله إن "على الحكومة والكنيست الإسرائيليين أن يظهرا تمسكا وإصرارا بالموقف الإسرائيلي إزاء العفو المرتقب عن الدقامسة".

أهالي القتيلات الإسرائيليات خلال وقفة تطالب الحكومة الإسرائيلية باعتراض الإفراج عن الدقامسة

وكان مراقبون ومحللون أردنيون قد حذروا من خشية تعرض الدقامسة بعد خروجه من السجن لأذى أو تصفية من قبل الموساد الإسرائيلي، كما كان قد وقع في عام 1997، مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، من محاولة اغتيال فاشلة، وسط العاصمة الأردنية عمّان.

رواية تفصيلية لحادثة الباقورة

وفي رواية مثيرة نقلها النائب الأردني السابق علي السنيد عن لسان الدقامسة في سجنه، حول تفاصيل إطلاق النار على الإسرائيليات، وذلك عندما سجن معه في إحدى الأعوام قوله: "فجأة تقود الأقدار مجموعة من الحافلات التي تقل على متنها مئات الفتيات الإسرائيليات إلى فصل مرعب من الموت ينتظر في الباقورة، وكنّ ما بين سن الخامسة عشر حتى العشرين كما بدا له من خلال الهيئات التي أخذت تتقافز من أبواب الحافلات الكبيرة، وراحت تدنس أرض الباقورة".

وأردف السنيد قائلًا: "عند ذلك يقول أحمد دقت ساعة الصفر، وأدركت أن الأقدار ساقت هذه القطعان الصهيونية إلى حتوفها، وأن قصة توشك أن تولد في ثنايا الباقورة، إلا أن تنفيذ المهمة تطلب أن يغادر زميل له كان يرافقه في نفس الموقع، وإلى ذلك يشير إلى طلبه منه تركه على انفراد كي تتسنى له فرصة مغازلة الصبايا اللائي انتشرن في المنطقة".

وتابع السنيد بأنه: "ورغم أن الزميل قابل طلبه بالاستغراب، إلا أنه لم يمانع بتركه، وكلما كانت أقدامه تبتعد أكثر كان الموت يقترب من أرواح من افترشن أرض الباقورة بأحلامهن، ودوت الرصاصة الأولى لتعلن انطلاقة المشهد الدامي".

وواصل النائب السابق روايته بقوله: "عن البداية، يقول الدقامسة: أطلقت الرصاصة الأولى وكانت الإصابة مباشرة في الرأس، ورأيت في مقابلها ضحية تسقط، وكان أحمد من أمهر رماة الجيش العربي، وسبق وأن حصل على تكريم لدقة إصابته، ثم تتالت الطلقات، وقد تمكن من إصابة ما يربو على عشر فتيات مجندات في مواقع قاتلة".

وقال السنيد: "وفي محاولة منه كي يزيد من فرصة إيقاع الضحايا من خلال وضع البندقية على شارة الإطلاق السريع، تغلق طلقة ماسورة الرماية، وتكون مؤذنة بذلك بتوقف إطلاق النار في الباقورة، وتنتهي العملية مخلفة سبع قتيلات مع ما يماثلهن من الجرحى، وانتشرت رائحة الموت في كل مكان".

محاكمة أحمد الدقامسة

ويردف السنيد: "في تلك اللحظة كانت سيارة الهمر العسكرية التي يستقلها أحمد تنقل مزيجًا من الأغاني الوطنية، والجندي الأردني يقف إلى جوار سيارته يرقب المشهد وقد أشعل سيجارته، وأصوات الصراخ والعويل التي تختلط بالمناداة على الجنود لإسعاف الجرحى، وإخلاء الضحايا تخيم على المكان، وقد تناثر زملاءه الجنود يتأهبون للتعامل مع الموقف".

وأضاف السنيد راوياً على لسان الدقامسة: "في تلك اللحظة اقترب مني قائدي العسكري، وصرخ بي طالبا الانضمام للجنود للمساعدة في إخلاء الجثث، ليقطع وتيرة أوامره أحدهم الذي أخبره إنني من أطلق النار، فتقدم نحوي بسرعة عندها أنذرته أنني سأكسر اليد التي تمتد نحوي، مما حدا به إلى المغادرة، وبعد لحظات تمكنت من الإفلات من حصار زملائي، ومن ثم قمت بركوب الهمر، وهاجمت بها سائق الحافلة الإسرائيلية فنتج عن ذلك كسر أصاب ساقه".

وأنهى السنيد روايته قائلًا: "بعد ساعات قلائل ينتقل المشهد إلى موقع آخر، ويبدأ فصل جديد في قصة الباقورة، ويتم التحفظ على الجندي الأردني قاتل الصهاينة".