الشاعرة والكاتبة الأمريكية سيلفيا بلاث

"العابرون سريعًا جميلون، لا يتركون ثقلَ ظلّ، ربما غبارًا قليلاً، سرعان ما يختفي.

بخفَّةِ خفقة الطير وانفتاح النسمة للجناح، بخفة انفتاح هواء العبور واندمال هواء الانطلاق، عابرون سريعًا، كلحظة انقصاف.

لهم من العصفور صوت، من الغصن نظرة، من الزهرة شميمٌ خاطف.

الأكثر جمالاً بيننا.. العابر" وديع سعادة.

على مر التاريخ، هناك العديد من الشخصيات العبقرية والأيقونات الأسطورية التي استطاعت أن تترك أثرها في الطب والأدب والفن والعلم والحياة السياسية والكثير الكثير من المجالات الحياتية الأخرى، على الرغم من أن نجمهم أفل سريعًا، ورحلوا قبل الآوان.

في هذا التقرير، نلقي الضوء على بعض هذه الشخصيات المتميزة التي قدمت شيئًا ما للبشرية، إبان مرورهم الخفيف العابر بكوكب الأرض، والذين كان بإمكانهم أن يتسببوا في تغيير وجه الأدب والفن وأن يُحدثوا ثورة هائلة في مجال الاكتشافات العلمية لو أن المقام طال بهم قليلاً.

الإسكندر الأكبر

لوحة من الفيسفاء تصور الإسكندر الأكبر خلال معركته مع الملك الفارسي داريوس الثالث عام 331 قبل الميلاد

"لا يوجد مستحيل أمام من يحاول" الإسكندر الأكبر

يُجمع معظم المؤرخين حول العالم أن الإسكندر الأكبر والمعروف أيضًا بالإسكندر الفاتح والإسكندر المقدوني، أمهر القادة العسكريين وأعظم الفاتحين الذين عاشوا على كوكب الأرض.

فالإسكندر الأكبر الذي تتلمذ على يد الفيلسوف والعالم الشهير "أرسطو"، لم يذق طعم الهزيمة قط، في أي معركة خاضها على الإطلاق خلال خمسة عشر عامًا، هي عمر الحملة العسكرية التي قادها، واستطاع  تأسيس إحدى أكبر وأعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم، والتي امتدت من سواحل البحر الأيوني غربًا وصولاً إلى سلسلة جبال الهيمالايا شرقًا، وعمره حينئد 30 عامًا فقط.

تمثال لرأس الإسكندر الأكبر في متحف الكابيتول، روما - إيطاليا

كما ترك إرثًا تاريخيًا عظيمًا خلّفته فتوحاته، حيث تمكن من خلط الثقافة الإغريقية الهلينية بالثقافات الشرقية المختلفة للشعوب الخاضعة له، وأنشأ أكثر من عشرين مدينة تحمل اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، أبرزها وأشهرها مدينة الإسكندرية في مصر.

كما أنه وبسبب إنشائه للمستعمرات الإغريقية الكثيرة في طول البلاد وعرضها، خلق حضارة هلينية جديدة استمرت مظاهرها بارزة وواضحة، في تقاليد الإمبراطورية البيزنطية حتى منتصف القرن الخامس عشر.

خريطة توضح الإمبراطوية العظمى للإسكندر الأكبر

ويرى معظم المؤرخين المعاصرين أنه لو لم يرحل الإسكندر الأكبر عن 33 عامًا، لكانت الإمبراطورية اليونانية قد سادت الشرق والغرب، ولم تظهر الإمبراطورية الرومانية.

فالإسكندر الأكبر الذي رحل سريعًا، أيقونة من أيقونات الأساطير الإغريقية، ورمزًا من رموز التاريخ اليوناني والعالمي، كما أنه يُعد المقياس الذي يُحدد القادة العسكريون - بناءً عليه - نجاح أو فشل مسيرته، ولا تزال المدارس العسكرية حول العالم تُدرّس أساليبه وتكتيكاته الحربيّة حتى وقتنا الحالي.

يوري جاجارين

رائد الفضاء الشهير يوري جاجارين

"حين صعدت إلى الفضاء، أخذتني روعة الكون، فمضيت أبحث عن الله"  يوري جاجارين

رائد الفضاء الروسي وأول إنسان تمكن من السفر إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض على متن مركبة فضاء روسية عام 1961، والذي صار بين ليلة وضحاها واحدًا من أكثر الشخصيات شهرة في القرن العشرين، واحتفت به العديد من دول العالم واختارته القيادة السوفيتية كسفير متجول لها، مما أضاع ثلاث سنوات كاملة بعد عودته من الفضاء في تلبية الدعوات الرسمية والاحتفالات الرفيعة المستوى والمآدب التي أُقيمت على شرفه، والمساهمة بشكل كبير في النشاطات السياسية والاجتماعية.

يوري جاجارين يلوح بيده لبعض مستقبليه

في عام 1964 تولى جاجارين منصب نائب مدير مركز إعداد رواد الفضاء، وبدأ الدراسة في أكاديمية جوكوفسكي الحربية لهندسة الطيران، ولم يعد يتوفر لديه خلال فترة معينة الفرصة لممارسة الطيران، ثم انتُخب نائبا في المجلس السوفييتي الأعلى، إلى أن عاد إلى سيتي ستار ليساعد في تصميم مركبة فضاء قابلة للاستعمال لأكثر من مرة.

وكان حاضرًا عام 1967، عندما فشلت كبسولة الفضاء "سويوز" وعلى متنها الرائد السوفيتي فلاديمير كوماروف من دخول الغلاف الجوي.

العنوان الرئيسي لجريدة الديلي ميرور بعد رحلة جاجارين إلى الفضاء الخارجي

وفي 27 من مارس 1968 وفي أثناء قيام جاجارين بطلعة تدريب روتينية بالقرب من "كيرزاتش" تحطمت طائرته، نتيجة لخلل لم يُعرف سببه، مما أودى بحياته وحياة المدرب الذي كان برفقته، ليرحل رائد الفضاء الذي شغل العالم، عن عمر يناهز 34 سنة فقط، دون أن يشارك العالم كل القصص التي كانت في جعبته عن رحلته إلى الفضاء الخارجي.

وتجدر الإشارة إلى أن اسم جاجارين تم وضعه على لوحة "رائد الفضاء الفقيد" فوق سطح القمر تخليدًا لإسهاماته مع كل من فقدوا في سبيل أبحاث الفضاء.

فلفجانج أماديوس موزارت

الموسيقار النمساوي العبقري موزارت

عبقري الموسيقى الأشهر في التاريخ، الذي قاد أوركسترا وهو في السابعة من عمره، وألّف أكثر من 600 عمل موسيقي، تصل إلى 200 ساعة من الموسيقى، يمكن تسجيلها على 180 قرصًا مدمجًا، شغلت العالم أجمع، ولا زالت تُعزف حتى يومنا هذا، رغم أنه رحل صغيرًا، عن عمر يناهر الـ35.

بدأ موزارت العزف في سن الرابعة وقبل أن يتعلم القراءة والكتابة والحساب، وفي سن السادسة بدأ بالمشاركة في الحفلات، وعندما بلغ سبع سنوات، شارك في جولة موسيقية جابت أوروبا مع أسرته، وخلال سنوات طفولته قامت عائلته بعدة رحلات إلى بلدان أوروبية، حيث بدا موزارت وأخته، كما لو أنهم عباقرة صغار.

وكان موزارت قادرًا على قراءة أي نوتة موسيقية من النظرة الأولى، حتى أنه عزف في الرابعة عشر من عمره "le Miserere di’Allegri"، وهي مقطوعة دينية معقدة تستغرق 15 دقيقة، ولم يكن قد سمعها أكثر من مرتين.

موزارت الطفل

برع موزارت في كل أنواع التأليف الموسيقي تقريبًا، وترك 22 عملاً أوبراليًا، و41 سيمفونية، كما اتسمت كثير من أعماله بالمرح والقوة، في الوقت الذي أنتج موسيقى جادة لدرجة بعيدة، من أهم أعماله السيمفونية رقم 41 (جوبيتر) ودون جوفاني والناي السحري وكوزي فان توتي و18 كونشرتو للبيانو وآلات أخرى منها كونشرتو للكلارينيت.

توفي موزارت يوم 5 من ديسمبر1791، بمرض الحمى بعد أن انتهى من تلحين القداس الجنائزي الذي عُزف لأول مرة أمام جثمانه المسجى في الكنيسة، ودفن بإحدى ضواحي العاصمة النمساوية فيينا، في مقبرة جماعية للفقراء بسانت ماركس، ولم يحضر جنازته إلا خمسة أشخاص بسبب برودة الطقس آنذاك.

لكن بعد عدة قرون أصبحت موسيقى وصور موزارت تزين شوارع مدينة سالزبورج ونُقشت صورته على العملة النمساوية، ويؤمن الموسيقيون حول العالم أن عالم الموسيقى الكلاسيكية، كان ليكون أكثر ثراءً مما هو عليه، لو طال العمر بموزارت.

جان دارك

رسم لجان دارك والملك الفرنسي شارل السابع

" أليس من الواجب أن يكون ملكنا من مملكتنا، أم هل يجدر بنا أن نكون إنجليزًا؟" – جان دارك

البطلة الفرنسية الأسطورية التي لعبت دورًا مهمًا في حرب المئة عام، وقادت الجيش الفرنسي نحو  تحقيق عدة انتصارات مهمة ومحورية على جيش بريطانيا، مما مهد لاعتلاء شارل السابع عرش البلاد.

وجان دارك، المعروفة بخادمة أورليان، ولدت عام 1412، لعائلة متدينة من الفلاحين في الوسط الشرقي الفرنسي، وفي الثانية عشر من عمرها  ادّعت أنها رأت رئيس الملائكة ميخائيل وكاترينا الإسكندرانية والقديسة مارغريت، عندما كانت بمفردها في أحد الحقول، وقالت إنهم طالبوها  بإجلاء الإنجليز من البلاد وإعادة ولي العهد إلى ريمس من أجل أن يتوج ملكًا.

رسم متخيل لما ادعته جان دارك من ظهور رئيس الملائكة ميخائيل والقديسة كاترينا لها في أحد الحقول

وفي عمر السادسة عشر، بدأت محاولاتها للتواصل مع البلاط الملكي، من أجل أن تبلغهم بنبؤاتها، وعلى الرغم من السخرية التي لاقتها في البداية، لم تيأس، وظلت تسعى حتى وجدت دعمًا من بعض أصحاب المكانة، واستطاعت حضور بعض الاجتماعات العسكرية، وتنبأت حينها بحدوث انسحاب عسكري بالقرب من أورليان، وهو ما حدث بالفعل.

بعد ذلك، بعثها الملك غير المتوّج شارل السابع إلى حصار أورليان، حيث حققت هناك أولى انتصاراتها العسكرية الكبيرة، تبعها عدة انتصارات سريعة أخرى أدّت في نهاية المطاف إلى تتويج شارل السابع في ريمس، لكن الهزيمة جاءت في مدينة كومبيين حيث أسرت جان دارك على يد الجنود البورجونديين - وكانوا من أتباع الإنجليز -، فسلموها لهم، وحوكمت بتهمة السحر والشعوذة وأحرقت حيّة وهي في التاسعة عشر من عمرها في مدينة رووان في منطقة النورماندي، في 30 من مايو 1431.

رسم في أحد الكنائس الكاثوليكية لجان دارك، بعد تطويبها كقديسة عام 1920

بعد وفاة جان دارك، استمرت حرب المئة عام لمدة 22 عامًا أخرى، وفي عام 1456، تم إجراء تحقيق، ونتيجة لهذا التحقيق أعلنت براءة جان دارك من كل التهم المنسوبة إليها وعينت كشهيدة، وفي 16 من مايو 1920 اعتبروها قديسة، وشفيعة لفرنسا.

وعلى الرغم من أنها رحلت في عمر التاسعة عشر، منذ ما يزيد عن أربعة قرون، إلا أنها تركت إرثًا كبيرًا، ألهم الأدباء والشعراء والكتاب وصناع السينما، ولا تزال إلى الآن رمزًا فرنسيًا شعبيًا أسطوريًا، يُنسب إليها الفضل في انتصارات فرنسا خلال حرب المئة عام، وشهيدة دينية وشفيعة للطائفة الكاثوليكية.

فينسنت فان جوخ

فينسنت فان جوخ

"الوقت الوحيد الذي أحس فيه أنني حي هو عندما أرسم"  فان جوخ

واحد من أعظم الرسامين الذين مروا بكوكب الأرض، وصاحب أكثر اللوحات شهرة وشعبية وأعلاها سعرًا، ورحل سريعًا عن عمر يناهز 37 عامًا.

كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي، اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته، ورسم ما يزيد عن 900 لوحة زيتية، في آخر عشر سنوات من عمره.

رسم أول لوحة له وهو في السابعة والعشرين من عمره، وكانت أول أعماله الناجحة هي لوحة آكلو البطاطا في عام 1885، كما اشتهر بلوحاته الذاتية، والتي بلغت 20 لوحة شخصية، وتجدر الإشارة إلى أنه كان يرسم أغلب لوحاته دون فرشاة، بل يقوم بنشر الطلاء من الأنبوب مباشرة.

لوحة ليلة النجوم التي رسمها فان جوخ عام 1888

رسم فان جوخ أشهر لوحاته "ليلة النجوم" عندما كان نزيلاً في المستشفى النفسي الفرنسي "سان ريمي" بسبب الاضطرابات العقلية التي كان يعاني منها، حيث كانت هذه اللوحة تعبر عن المنظر الذي تخيله خارج غرفته في المصح النفسي، وكتب آنذاك لأخيه ثيو يقول: "الموت مثل رحلة إلى النجوم، أن تموت بسلام كأن تذهب إلى هناك سيرًا على الأقدام"، واللوحة موجودة حاليًا في متحف نيويورك للفن الحديث.

عانى الرسام الأكثر شهرة حاليًا، من الفقر طول حياته، ولم يبع من بين 900 عمل فني، إلا عمل واحد في معرض Lee XX  في بروكسل وهي لوحة The Red Vineyard.

جدير بالذكر أن لوحة Dr. gachet والتي رسمها عام 1890 هي اللوحة الأغلى من بين جميع أعماله، حيث بيعت بمبلغ 148 مليون دولار في مايو عام 1990، كما بيعت لوحته A Wheatfield with Cypresses  عام 1993 بـ57 مليون دولار.

قبر فينسنت فان جوخ

الرسام الشهير الذي عاش فقيرًا، وعانى من الصرع وانفصام الشخصية، بالإضافة إلى اضطرابات عقلية ونفسية حادة، أنهى حياته التي كان يؤمن أنها فاشلة وبائسة، بإطلاق الرصاص على نفسه في حقل قمح يقع بالقرب من باريس في يوليو عام 1890.

سيلفيا بلاث

سيلفيا بلاث

" الموت فن، وأنا أتقنه تمامًا" سيلفيا بلاث

الشاعرة والروائية وكاتبة القصة القصيرة التي فازت بجائزة بوليتزر الأدبية بعد انتحارها عن عمر يناهز الـ30 عامًا.

كتبت سيلفيا الشعر وهو في عمر الثامنة، ونشرت أول قصيدة لها في مجلة "بوسطن ترفلر"، وفازت بالعديد من الجوائز الأدبية، وقدر كبير من التشجيع والإشادة.

تأثرت حياة سيلفيا الخاطفة أيما تأثر بوفاة والدها، وهي بعد لم تتجاوز الثامنة من عمرها، مما أصابها بحالة من الوجع الشديد الذي انعكست على كتاباتها.

كانت حياتها عبارة عن ومضة عابرة مغطاة بالألم ونيران الفقد، حاولت خلالها الانتحار ثلاث مرات، حتى نجحت أخيرًا في الانتحار في مطبخ منزلها، بعد أن حشرت رأسها في الفرن، لتموت مختنقة بغاز أول أكسيد الكربون، بعدما وضعت مناشف مبللة تحت الأبواب الخشبية حتى لا يتسرب الغاز إلى باقي أرجاء المنزل.

سيلفيا وزوجها الشاعر تيد هيوز

وبعد رحيلها بعامين نُشر ديوانها الأشهر "آرئيل"، واعتبره  النقاد واحدًا من أهم الأعمال الشعرية في القرن العشرين.