لا يخفى على كل المراقبين لخارطة التحالفات الخليجية البون الشاسع في وجهات النظر فيما يخص السياسات الخارجية، لكل منها عن الأخرى، لكن تصريحات وزراء الخارجية والمسؤولين بدول التعاون الخليجي السبع تجاه إيران دائما ما نلمس فيها شبه اتفاق على ضرورة التصدي للغول الفارسي، ومحاولاته التدخل في الشأن الداخلي لدول الخليج.

وعلى الرغم من هذا التقارب في التصريحات، أظهرت التحركات الفعلية لدول التعاون الفارق الكبير في مكيافيلية تعاطي كل دولة أو مملكة منها على حدا مع أي موقف سياسي تجاه طهران، وهي الصورة التي أظهرتها الأزمة الأخيرة بين السعودية وإيران على خلفية اقتحام السفارة السعودية بطهران بعد حكم المملكة بإعدام الشيخ الشيعي نمر النمر.

فبينما خرج علينا عادل الجبير وزير الخارجية السعودي في الثالث من يناير لعام 2016، ليعلن عن قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الرياض وطهران، لتظهر المملكة العربية بهذا القرار بمظهر الدولة القوية التي تستطيع الوقوف في وجه الجمهورية الإسلامية؛ جاءت ردود الفعل الخليجية على مستوى أقل حفاظا على علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع دولة الملالي، فاكتفت قطر والكويت باستدعاء سفراءهما في طهران.

بينما لجأت الإمارات لتخفيض التمثيل الدبلوماسي لها في طهران من سفير إلى قائم بالأعمال، دون أن تتأثر العلاقات التجارية بين البلدين أو يصيبها أي ضرر، وهكذا تبعتها سلطنة عُمان بخطوة أكثر تهاونًا في التعامل مع الموقف، إذ اكتفت فقط بالإعراب عن أسفها لما تعرض له مقر سفارة المملكة، فيما كان الموقف البحريني هو الأقوى حيث أعلنت في ذات اليوم عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

إن الجانبين الخليجي والإيراني يدركان ضرورة ألا تقوم العلاقات بينهما على القطيعة التامة، ويستغلان العلاقات التجارية المتبادلة تخفيفًا لحدة التوتر بينهما حفاظًا على الأمن القومي للجميع

تصريحات عنترية

هذا التفاوت في ردود الفعل الرسمية الخارجية طرح بأذهان المحللين تساؤل مفاده، لماذا تتواصل التصريحات العنترية لمسؤولي الدول الخليجية ليل نهار ضد طهران، وتتفاوت وتتراجع عندما يتعلق الأمر باتخاذ خطوات فعلية على أرض الواقع؟

الإجابة هنا تحكمها المصالح، وليس غيرها بين كل دولة من دول التعاون الخليجي وإيران، فنجد مثلا السعودية باعتبارها صاحبة الأزمات المتتالية مع إيران ترتبط معها بحجم تبادل تجاري يلامس الـ500 مليون دولار، صعودا وهبوطا، قبل أن يتم بالطبع قطع العلاقات الاقتصادية مع السياسية خلال الأزمة الأخيرة.

عقبات أخرى

في هذا السياق يرى المحلل الاقتصادي المصري حمدي الجمل، أن السبب الرئيس لتواضع العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا يعود فقط للأزمة السياسية بينهما، فهناك عقبات أساسية أخرى أبرزها العائق المالي، حيث تغيب ضمانات الدفع عن الجانب الإيراني، لعدم وجود تعزيز للاعتمادات المصرفية المفتوحة من إيران، بالإضافة لغياب آلية الشحن المباشر بين الجانبين.

ويرى الجمل أنّ السعودية استفادت من وجود المنطقة الحرة في جبل علي، في إجراء العديد من عمليات التصدير والاستيراد، حتى أن المملكة قامت خلال السنوات العشر الأخيرة بتخفيض الرسوم الجمركية على الواردات الإيرانية، عن طريق الإمارات إلى 5% بدلا من 12% خلال فترة التسعينيات.

لكن غياب العملة الصعبة للمستثمرين الإيرانيين، وعدم ثبات العملة المحلية خلال فترة العقوبات الدولية، وقفت أمام زيادة التبادل التجاري البيني بين الجانبين، حيث كان لزاما على الشركات والمصانع السعودية التي تود تصدير منتجاتها إلى إيران، أن تأخذ في الحسبان طرق الدفع المختلفة المتاحة بوساطة الحكومة الإيرانية، بسبب العقوبات الدولية، مع ضرورة أن يلتزم المصدرون إلى إيران بإجراءات التسوية على نمط التجارة المعاكسة والتجارة المتبادلة من أجل تأمين حقهم التجاري.

ظلت الإمارات خلال فترة العقوبات على إيران بمثابة المنفذ الحيوي لها من حيث توفير الواردات التي أمنت اقتصاد طهران من الانهيار

أما البحرين، فعلى الرغم من أنها دائما ما تشجب وتندد بدور إيران في إثارة القلاقل الشيعية بها، إلا أنها ترتبط معها بعدد من العلاقات الاقتصادية، بدأت باتفاق منع الازدواج الضريبي ودعم التبادل لتسهيل الاستثمار البحريني في إيران.

وأكد الخبير المصرفي صلاح السعيد أن هناك أيضًا تعاون مصرفي بين البلدين، من خلال إنشاء بنك المستقبل الإيراني عام 2004، والذي يتخذ لنفسه مقرًا بالمنامة، كمشروع مشترك لتوسيع نطاق الأعمال التجارية بين اقتصادات دول الخليج وإيران.

استثمارات الدوحة

قطر هي الأخرى، برأي السعيد لم تثنها العلاقات القوية بينها وبين المملكة، عن توسيع علاقاتها الاقتصادية مع إيران؛ بحجة رغبتها وإستراتيجيتها لتوسيع استثماراتها العالمية، فأنشأت منطقة مشتركة للتجارة الحرة داخل إيران، ثم اتفاقية إقامة منطقة اقتصادية حرة مع إيران عام 2014، في مدينة بوشهر، لتؤكد حرص البلدين على إقامة مشاريع صناعية واستثمارية مشتركة، لتنقل علاقاتها مع إيران إلى مستوى التحالف الاستراتيجي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين دولة قطر وإيران نحو300 مليون دولار خلال العام 2013 ٬ فيما بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي نحو 3,114 مليون دولار٬ بينما استوردت قطر 6,96 مليون دولار من المنتجات غير النفطية من إيران خلال العام ذاته.

تعاون كويتي إيراني

الكويت هي الأخرى تسير على الخطى القطرية، وشهدت علاقاتها الاقتصادية مع إيران نموًا ملحوظًا عام 2015، أسفر عن توقيع 6 اتفاقيات تعاون في المجال الاقتصادي، واتفاقية بشأن التعاون في الشؤون الجمركية؛ لتسهيل إجراءات التبادل التجاري بين البلدين.

على الرغم من علاقاتها القوية مع السعودية، لم تتراجع قطر عن توسيع علاقاتها الاقتصادية مع إيران؛ بحجة رغبتها وإستراتيجيتها لتوسيع استثماراتها العالمية، فأنشأت منطقة مشتركة للتجارة الحرة داخل إيران

وتتركز الاستثمارات الكويتية في إيران في حقول النفط والصناعة والزراعة٬ وهو الأمر الذي رافقته احتجاجات سعودية كبيرة في أكثر من مناسبة، كما انضمت مصارف الكويت إلى مصارف الإمارات وعمان وقطر لعقد شراكات مع مؤسسات مالية إيرانية لدخول النظام المالي الإيراني.

أما الإمارات، فهي بحق تغرد وحيدة في علاقاتها مع إيران سياسيا واقتصاديا بعيدا عن السرب الخليجي، فعلى الرغم من احتلال إيران ثلاث جزر إماراتية "طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبو موسى"، إلا أن الإمارات تعد الدولة الأولى التي ترتبط بعلاقات اقتصادية مع إيران، حيث تستحوذ على 80% من التبادلات التجارية بين طهران ودول مجلس التعاون كاملة، كما تعد إيران رابع شريك تجاري للإمارات، حيث يوجد أكثر من عشرة آلاف شركة إيرانية، وهو ما يجعل الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران.

وجه مكشوف

هنا يرى المحلل الاقتصادي بجريدة الاقتصادية السعودية إكرامي العابد أن الإمارات لا تخجل من إعلان هذا الأمر، حيث أعلن وزير الاقتصاد الإماراتي سلطان المنصوري، صراحة بأن حجم التبادل التجاري بين بلاده وإيران بلغ 17 مليار دولار بنهاية عام 2014، فيما قُدّر حجم هذا التبادل التجاري بـ 15.7 مليار دولار في عام 2013 و 17.8 مليار دولار في عام 2012 و 23 مليار دولار في عام 2011 و 20 مليار دولار في عام 2010، داعيا إلى رفع مستوى التعاون في مجال الطيران المدني، حيث توجد 200 رحلة طيران أسبوعياً بين البلدين، تلعب دورا في تعزيز التبادل التجاري والتعاون بين مجتمع الأعمال، إضافة إلى الدور الكبير الذي تقوم به في المجال السياحي.

العابد يرى أن الإمارات ظلت – خلال فترة العقوبات على إيران – بمثابة المنفذ الحيوي لها من حيث توفير الواردات التي أمنت اقتصاد طهران من الانهيار، حتى أن تقارير رسمية أمريكية أكدت أن الكثير من الشركات العاملة في تجارة إعادة التصدير في دبي، كانت ممرًا رئيسيًا لعبور بعض المكونات ثنائية الاستخدام المدني-العسكري التي أسهمت في تمكين إيران من مواصلة تطوير برنامجها النووي.

عمان والنفعية

عمان هي الأخرى علاقتها غير مفهومة بالجارة الفارسية، فهي تلتزم الصمت دوما في أي أزمة خليجية إيرانية، وعلى المستوى الاقتصادي فإن النمو التجاري بين الجانبين بلغ في العام 2015 نحو 560 مليون دولار، ولامس المليار دولار في أكتوبر الماضي من العام 2016.

استفادت السعودية من وجود المنطقة الحرة في جبل علي، في إجراء العديد من عمليات التصدير والاستيراد، حتى أن المملكة قامت خلال السنوات العشر الأخيرة بتخفيض الرسوم الجمركية على الواردات الإيرانية

وتعد إمارة دبي مصدر معظم هذا التبادل، حيث يعيش فيها نحو 400 ألف إيراني يديرون شبكة ضخمة من الأعمال، ويؤكد ذلك موقف حاكم دبي من إيران، بعدما أعلن أن ما يدفع دبي في اتجاه علاقات طيبة مع إيران، هو "التجارة لا السياسة" ما يؤكد هذا الكلام وجود 8000 تاجر إيراني مسجل رسميًا في إمارة دبي وحدها.

وبحسب العابد تشكل قطاعات المناجم والنفط والبتروكيمائيات، أبرز القطاعات التي تستهدفها عمان بالداخل الإيراني، كما يسعى كلا البلدين لبناء سوق إيراني بالقرب من العاصمة العمانية مسقط.

نمو متزايد

ولفت إلى أن الإمارات خلال ربيع عام 2014 كانت أكبر الدول المصدرة لإيران، إذ شكلت ما نسبته 27 بالمئة من مجموع الواردات الإيرانية، وبلغ حجم الصادرات الإماراتية لإيران في الشهور الثلاث الأولى من عام 2014 ما يقارب 2 مليون و600 ألف طن بقيمة 3 مليار و367 مليون دولار، وبلغ حجم التبادلات التجارية لإيران خلال الخمس شهور الأولى من نفس العام (2014).

وبلغ حجم التبادلات 41 مليارا و620 مليون دولار، بينما بلغ حجم الصادرات 19 مليارا و639 مليونا و21 مليارا 981 مليونا حجم الواردات، وأهم الدول المصدرة للبضائع لإيران كانت على الترتيب التالي: الإمارات، والصين، والهند، وكوريا الجنوبية وتركيا.

خلاصة الأمر، أن الجانبين الخليجي والإيراني يدركان ضرورة ألا تقوم العلاقات بينهما على القطيعة التامة، ويستغلان العلاقات التجارية المتبادلة تخفيفًا لحدة التوتر بينهما حفاظًا على الأمن القومي للجميع.