تفاقم معضلة حقوق البث الحصرية للأحداث الرياضية

بينما كنت غارقًا كعادتي بين فضاءات الأقمار الصناعية، بحثًا عن قناة تليفزيونية ما تتفضل بنقل مباراتي المفضلة، ولو بصورة رديئة مشوشة وتعليق أجنبي لا أفقه منه كلمةً! استحضرت ذاكرتي طيف سهراتنا الرياضية العتيقة قبل استفحال ظاهرة الاحتكار التليفزيوني، عندما كنا أنا وأصدقاء الطفولة نستمتع خلالها بمشاهدة المباريات على شاشة القناة الأرضية بكل يسر وسهولة، دون الحاجة لإرهاق جيوبنا بأسعار اشتراكات القنوات الرياضية أو اللهاث خلف إحدى طرق المتابعة البديلة!

فكيف تفاقمت معضلة حقوق البث الحصرية للأحداث الرياضية، حتى بلغت حدًا أضحت فيه متعة المشاهدة ممنوعةً عن الفقراء وأصحاب الدخل المحدود؟ ومن الجهات التي تتجه إليها أصابع الاتهام في حرمان ملايين المشاهدين العرب من ممارسة أبسط حقوقهم في متابعة وتشجيع منتخباتهم وفرقهم الوطنية خلال المحافل الرياضية؟ وهل من حلول وطرق ممكنة لكسر ذلك الاحتكار؟

ظهرت تقنيات البث الفضائي للمرة الأولى في مونديال المكسيك عام 1970

كي ندرك حقيقة الأمر، لا بد أن نعود إلى تاريخ البث التليفزيوني للأحداث الرياضية، حيث عُرف لأول مرة خلال دورة ألعاب برلين الأولمبية عام 1936، عندما بذل التقنيون الألمان مجهودات جبارةً لنقل بعض الصور المباشرة من البطولة، وتكررت المحاولات تباعًا في بطولات لاحقة، حيث قامت محطة BBC البريطانية بنقل أول مباراة كرة قدم رسمية في التاريخ، وكانت مباراة نهائي كأس إنجلترا عام 1938، فيما تأخر أول نقل تليفزيوني لبطولات كأس العالم حتى مونديال سويسرا عام 1954، والذي شهد بث بعض مباريات البطولة إلى بضعة دول أوروبية، وبعدها بعامين ظهر مفهوم حقوق البث التليفزيوني، حيث بيعت حقوق بث مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1960 بين ريال مدريد وإنتراخت فرانكفورت، إلى عدد من الجهات مقابل مبلغ 8000 جنيه إسترليني.

وكان نقل جميع تلك الأحداث آنذاك قائمًا على تقنيات البث القديمة، التي تعتمد على التسجيل بواسطة أشرطة الفيديو والبث عبر القنوات التليفزيونية الأرضية، ولكن بطولة كأس العالم المقامة في المكسيك عام 1970، عرفت نقلةً نوعية، تمثلت باستخدام تقنيات البث الفضائي عبر الأقمار الصناعية لأول مرة، مما رفع من جودة الصورة ونقائها، ورفع كذلك من تكاليف بثها.

ESPN الأمريكية من أولى القنوات الرياضية المتخصصة التي استخدمت تقنية التشفير

ومع تضاعف جودة تقنيات البث التليفزيوني وامتداده ليشمل معظم بلدان العالم، تزايدت أهمية بيع تلك الحقوق، وظهرت شركاتٌ متخصصةٌ في التسويق التليفزيوني الرياضي، لعبت دور الوسيط بين الجهات المنظمة للأحداث الرياضية، والجهات الراغبة ببث تلك الأحداث على شاشاتها، وقد كان لتلك الشركات أبلغ الأثر في نقل متعة الأحداث الرياضية إلى كل بيت.

إذ كانت تقوم ببيع حقوق البث لعدة جهات معظمها حكومية، مقابل مبالغ غير مُبالغ فيها، مما زاد من شعبية رياضات عدة، أهمها بالطبع كرة القدم، التي باتت تمتلك قاعدةً جماهيريةً هائلة، نظرًا لنقل معظم أحداثها على الهواء مباشرة بالمجان، إلى الجماهير التي باتت تنتظر مباريات فرقها ومنتخباتها بالساعة والدقيقة، وتعرف كل شاردة وواردة عن لاعبيها.

تلك الشعبية الجارفة أغرت بعض رؤوس الأموال الخاصة للاستثمار في هذا المجال، وكانت البداية من القارة الأوروبية في أواخر السبعينيات، حيث بدأت بعض القنوات التليفزيونية بتشفير الأحداث الرياضية، واشتراط دفع اشتراك شهري أو سنوي لكل من يود مشاهدها، واستمرت الوتيرة بالارتفاع خلال فترة الثمانينيات ومطلع التسعينيات، مع تزايد عدد القنوات الرياضية المتخصصة، التي احتدمت المنافسة بينها للظفر بأكبر عدد من المشتركين، عبر تقديم خدمات إضافية، كاستوديوهات التحليل والكاميرات الإضافية والمقابلات الحصرية، بينما بقيت بعض القنوات الأخرى تبث المباريات بالمجان، دون تلك الميزات الإضافية، معتمدةً على ما تدره الإعلانات التجارية من مكاسب تغطي ما دفعته لشراء حقوق النقل.

شعار اتحاد إذاعات الدول العربية

وفي منطقتنا العربية، كانت معظم الأحداث الرياضية المهمة ككأس العالم والبطولات القارية وحتى الدوريات الأوروبية، تُنقل بالمجان على معظم القنوات الأرضية الحكومية، وذلك بجهود حثيثة من اتحاد إذاعات الدول العربية ASBU، الذي أخذ على عاتقه منذ تأسيسه في العاصمة السودانية الخرطوم عام 1969 وحتى آخر سنوات القرن الماضي، لعب دور الوسيط بين الجهات الراعية للأحداث الرياضية والتليفزيونات الحكومية العربية، حيث كان يقوم بشراء حقوق البث، ومن ثم بيعها لجميع الجهات الراغبة مقابل مبالغ مالية معقولة، مما يضمن وصولها بالمجان إلى المشاهد العربي.

وبدأت شرارة التغيير مع ظهور القنوات الرياضية العربية المتخصصة، والتي كانت أولها القناة الرياضية التي أطلقتها شبكة راديو وتلفزيون العرب ART عام 1993، وقامت بنقل بعض الأحداث الرياضية بالمجان، أهمها بطولة كأس العالم عام 1994، ودوري أبطال أوروبا وبعض مباريات الدوريين الإنجليزي والإيطالي، قبل أن يتم تشفيرها اعتبارًا من عام 1996، لتواصل تقديم خدماتها ولكن بشكل مأجور، لم يغرِ الكثيرين للاشتراك فيها، نظرًا لبقاء معظم البطولات التي تقدمها متاحةً عبر القنوات الأرضية الحكومية، مما دفع مسؤولي الشبكة برئاسة رجل الأعمال السعودي صالح كامل إلى السعي خلف الحقوق الحصرية، وهنا كانت الطامة الكبرى!

واعتبارًا من عام 2001، أصبحت شبكة ART الناقل الحصري لدوري أبطال أوروبا في المنطقة العربية، فيما ظهرت قنواتٌ عربيةٌ أخرى منافسة لها كأبو ظبي الرياضية التي فازت بالحقوق الحصرية لبث الدوري الإيطالي، وشو تايم التي خطفت حقوق بث الدوري الإنجليزي، قبل أن يأتي الخبر الصاعق عام 2002، بإعلان شبكة ART شرائها الحقوق الحصرية لبث بطولة كأس العالم في المنطقة، ليُعلن منذ ذلك الحين اندثار مفهوم المشاهدة المجانية للأحداث الرياضية على القنوات العربية، واقتصارها على بعض الأحداث الأقل أهميةً التي ترتأي تلك القنوات تركها دون تشفير كنوع من الدعاية لها لا أكثر.

القطري ناصر الخليفي مالك قنوات beIN SPORTS

وشهد شهر أغسطس من عام 2003، ظهور حوت جديد في عالم الاحتكار الرياضي يدعى بمجموعة قنوات الجزيرة الرياضية، التي كانت تتبع في بداياتها لشبكة الجزيرة الإخبارية التي تبث من قطر، قبل أن تنفرد بذاتها تحت اسم beIN SPORTS، وقد بدأت القنوات باحتكار مباريات الدوري الإسباني مقابل قيمة اشتراك رمزية نسبيًا، قبل أن تبتلع تدريجيًا جميع الأحداث الرياضية المهمة ككأس العالم ودوري أبطال أوروبا والبطولات القارية وبقية الدوريات الأوروبية الكبرى، مزيحةً جميع منافسيها عن طريقها، وحتى سباقات السيارات ومسابقات التنس وكرتا السلة واليد والبطولات الأولمبية، لم تسلم من طغيان الشبكة التي يرأسها رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، مالك نادي باريس سان جيرمان الفرنسي، والذي لم يجد حرجًا في إطلاق جملته الشهيرة: "إذا أردت أن تستمتع بمشاهدة الرياضة فعليك أن تدفع"!

ولم تنجح جهود اتحاد إذاعات الدول العربية ومن ورائه التليفزيونات الحكومية، في كسر احتكار بي إن سبورت للأحداث الرياضية، والذي بلغ أوجه خلال بطولة كأس أمم إفريقيا الأخيرة التي أقيمت في الغابون مطلع هذا العام، والتي حُرمت معظم الجماهير العربية من مشاهدة منتخباتها فيها، بسبب السعر المبالغ به الذي فرضته الشبكة القطرية على الجهات الحكومية، مقابل السماح لها ببث مباريات منتخباتها، وهو الأمر الذي تكرر بعد بطولات كأس العالم 2014، وكأس أمم أوروبا 2016، وكوبا أمريكا 2016، وغيرها.

قنوات beIN Sport تحتكر بث معظم الأحداث الرياضية في المنطقة العربية

وإذا بحثنا عن المتهم الحقيقي في كل ما يحصل، نجد أن كلمة "حصريًا" هي الأساس! فالمواطن الأوروبي مثلًا لا يشعر بوطأة ذلك الاحتكار، لأن العديد من الجهات يُسمح لها بشراء حقوق البث التليفزيوني للأحداث الرياضية المهمة، مما يمكن معظم التليفزيونات الحكومية من إعادة شرائها بأسعار معقولة، ومن ثم بثها بالمجان إلى جماهير بلادها، وبالتالي فالجهات الراعية للأحداث الرياضية، وفي مقدمتها منظمة الفيفا والاتحادات القارية، هي المتهم الحقيقي، باعتبارها حصرت حقوق البث التليفزيوني في المنطقة العربية بجهة واحدة هي قناة  beIN Sport.

عددٌ من جماهير الكرة العربية يتابع الأحداث الرياضية في المقاهي

وعند معرفة أساس المشكلة يسهل وصف الحل، حيث يتوجب على مسؤولي الإعلام العربي التحرك لمقاضاة المنظمات الراعية للأحداث الرياضية، وليس القنوات المحتكرة لبثها، فهي أصل العلة، وعندها يكمن الدواء.

وحتى ذلك الحين، تستمر الجماهير العربية بابتكار الحلول للتحايل على سطوة المحتكرين، بطرق عديدة ومتنوعة، منها المشروع كمتابعة الأحداث جماعيًا في المقاهي والأماكن العامة، أو عبر بعض القنوات الفضائية المتاحة على الأقمار غير العربية، ومنها الطرق غير المشروعة، كفك تشفير بعض القنوات التليفزيونية، عبر تزويد الريسيفر ببرمجيات فك التشفير، أو وصله مباشرةً بشبكة الإنترنت التي تتيح أيضًا فرصة المتابعة المباشرة لمعظم الأحداث الرياضية عبر بعض مواقعها وصفحاتها، ولو بجودة منخفضة ومتعة منقوصة.