مسعود البرزاني رئيس إقليم كوردستان العراق

ترجمة وتحرير نون بوست

يعيش إقليم سنجار التابع لإقليم كردستان على وقع غليان داخلي منذ عدة أسابيع، ويعود سبب ذلك إلى التنافس الشديد بين كل من حزب العمال الكردستاني "بي كي كي" والحكومة الذاتية لإقليم كردستان العراق، التي تتمنى خروج حزب العمال من الإقليم. ومن المرجح أن يخفي هذا التنافس الشديد بين الطرفين الكرديين مواجهة ذات أبعاد إقليمية، تحديدا بين كل من تركيا وإيران.

تندرج حرب الأكراد ضمن قائمة الحروب التي تظل أسبابها الحقيقية قاتمة وتافهة في آن واحد، إلا أنها تسببت في تقطيع العراق لعدة سنوات، حيث يرتكز الخلاف الدموي على سبب واحد، يتمثل في السيطرة على قطعة صغيرة من إقليم

في هذا الصدد، تندرج حرب الأكراد ضمن قائمة الحروب التي تظل أسبابها الحقيقية قاتمة وتافهة في آن واحد، إلا أنها تسببت في تقطيع العراق لعدة سنوات، حيث يرتكز الخلاف الدموي على سبب واحد، يتمثل في السيطرة على قطعة صغيرة من إقليم. وبشكل أوضح، فقد شارك الأكراد في المعركة ضد تنظيم الدولة، لكنهم في الحقيقة يشاركون في حربهم الخاصة للظفر بحدود ترابية.

أجواء كأجواء الغرب الأمريكي"وسترن"

تقع بلدتا خاناسور وسينوني في إقليم سنجار، أحد أهم معاقل الطائفة اليزيدية، في الشمال الغربي للعراق على الحدود السورية. وتتشارك البلدتان حدودا تمتد على حوالي ثلاثة كيلومترات. وتتميز تلك الحدود بشكلها ذي الخط المستقيم، كما توجد فيها مظاهر مشابهة لمناطق الغرب الأمريكي "وسترن"، ويظهر ذلك من خلال الطريق المستقيم الذي يشق سهلا صحراويا تتخلله أعمدة الكهرباء العملاقة. كما بإمكاننا أن نلمح عن بعد قمم الجبال الشامخة التي تسد الأفق.

وللعلم، فإن هذه الجبال هي التي احتضنت اللاجئين اليزيديين خلال صيف سنة 2014، بعد هروبهم من تنظيم الدولة الذي اختطف نساءهم واتخذ بعضهم كعبيد. بعد ذلك، ومع نهاية سنة 2015، تحررت كل من بلدتي خاناسور وسينوني على يد كل من حزب العمال الكردستاني وقوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق، وقد ساهم ذلك في عودة الأهالي، الذين عاد بعضهم للتجارة من جديد.

مدينة خاناسور، في قلب إقليم سنجار

في المقابل، لم يدم هذا الهدوء طويلا، حيث عادت المعارك من جديد لبلدة خاناسور، تحديدا يوم 3 آذار/مارس الماضي، لتفرق بين كل من البشمركة والكتائب اليزيدية المسلحة، التي تقاتل تحت اسم "وحدات المقاومة في سنجار".

منذ انطلاق هذه المناوشات، أصبحت بلدتا خاناسور وسينوني أشبه بعالمين مختلفين تماما حيث انقسمت البلدتان من خلال إنشاء خطين للدفاع باستعمال السواتر الترابية، ونصب نقاط للتفتيش. وداخل بلدة سينوني، التي تسيطر عليها  البشمركة، تم إنشاء مستودع للذخيرة. أما خارجها، فيقف جنديان أمام مدفعَي هاون، عيار 120 مم، على أهبة الاستعداد لإطلاق القذائف.

مدفعا هاون عيار 120 مم

"نحن نطمح للعيش في سلام معهم، لكن إذا أرادوا القتال، فماذا تريد منا أن نفعل؟"

أكد الكولونيل التابع للبشمركة، إبراهيم ناوزاد، أنهم "في حالة استنفار"، وأضاف "نحن نتجنب المواجهة المسلحة معهم، ونطمح للعيش في سلام معهم، لكن إذا أرادوا القتال فماذا تريد منا أن نفعل؟". وأشار الكولونيل  إلى أن قوات حزب العمال الكردستاني أضحت الهدف الأول للبشمركة قبل تنظيم الدولة. على الجهة المقابلة، تحديدا في بلدة خاناسور، نلمح تواجد راية حمراء لوحدات المقاومة في سنجار، ترفرف إلى جانبها راية أخرى تحمل صورة لمؤسس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المسجون في تركيا.

الكولونيل القيادي في البشمركة، إبراهيم ناوزاد

لكي نفهم الوضع القائم بين الطرفين بشكل أعمق، علينا العودة لأحداث الثالث من آذار/مارس الماضي. إذ قامت وحدات البشمركة المكونة أساسا من أكراد سوريين، والتابعة لرئيس إقليم كردستان، مسعود برزاني، في ذلك اليوم، بالانتشار داخل نقطة تفتيش حدودية خاضعة لرقابة وحدات حماية الشعب، إحدى الكتائب الكردية الموالية لحزب العمال الكردستاني، الذي اضطر للتدخل، بمساعدة حلفائه اليزيديين، لردع البشمركة.

في هذا الإطار، ذكر نائب قائد وحدات حماية الشعب الموجودة في سنجار أنهم حاولوا "الحديث معهم وتذكيرهم بأهمية الحصول على موافقة حكومة بغداد كي يمروا، لكنهم رفضوا حتى الاستماع لنا". وأضاف مؤكدا "أطلقوا النار فوق رؤوسنا، وتأكدنا بأن الإطلاق بدأ من جهة البشمركة". وقد دام تبادل إطلاق النار بين الطرفين الكرديين مدة ساعة ونصف تقريبا، مخلفا العديد من القتلى والجرحى.

المسؤول الأمني لإقليم سنجار: "نحن لا ننكر فضل حزب العمال الكردستاني، حينما وقف إلى جانبنا في قتال تنظيم الدولة لحظة اقترابه من أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، إضافة إلى مساعدته لنا في تحرير سنجار". وحول الأحداث الأخيرة، علق قائلاً: "أما الآن، فقد حان وقت رحيلهم"!

بعد تلك الحادثة، دخل الفريقان المتنازعان في مفاوضات وصفت "بالخطرة"، حيث تحدث أحد سكان بلدة خاناسور مبينا أنه "لم يبق في خاناسور سوى أولئك الذين يدينون بالولاء لحزب العمال الكردستاني، أما الباقون فقد رحلوا". أما بالنسبة لحكومة أربيل، فإنها تتهم حزب العمال الكردستاني بالمناورة، إذ جاء على لسان المسؤول الأمني لإقليم سنجار التابع للبشمركة، أشتي كوشر، أن "كل الفصائل الموجودة في إقليم سنجار موالية لحزب العمال الكردستاني، وجلهم يعملون منتحلين أسماء أخرى. لكنهم في النهاية من تكوين حزب العمال الكردستاني".

وأضاف أشتي كوشر "نحن لا ننكر فضل حزب العمال الكردستاني، حينما وقف إلى جانبنا في قتال تنظيم الدولة لحظة اقترابه من أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، إضافة إلى مساعدته لنا في تحرير سنجار". وحول الأحداث الأخيرة، علق قائلا "أما الآن، فقد حان وقت رحيلهم، فهم منظمة تركية مطاردة من قبل حكومة تركيا، حربهم ليست في العراق. وقد قاتلنا معهم أيضا في كوباني، وبعد تحريرها حزمنا أمتعتنا وعدنا للعراق. باختصار، نحن لا نريد الدخول في حرب مع حزب العمال الكردستاني. وفي الوقت نفسه، نطمح للسيطرة على حدودنا".

أشتي كوشر، المسؤول الأمني لإقليم سنجار

"تنافس داخلي تحت رعاية قوى إقليمية"

لا تسيطر البشمركة سوى على ما يقارب 11 كيلومترا من الحدود بين العراق وسوريا، في حين أن وحدات حماية الشعب تسيطر على قرابة 30 كيلومترا من هذه الحدود. كما لا يفكر أحد الطرفين في الانسحاب من مناطقه التي يسيطر عليها. بصورة أوضح، يحتاج كلا الطرفين لهذه الحدود؛ لتمرير الأسلحة بين كل من سوريا والعراق، في حالة تنفيذ تنظيم الدولة هجوما آخر. كذلك، يحتاج الطرفان تلك الحدود لتنقل المدنيين وتسهيل التجارة ونقل البضائع. أما بالنسبة لليزيديين، فلديهم سبب آخر، يتمثل في عدم الثقة الكافية بقوات البشمركة، إذ لم تبد البشمركة بسالة كبرى في الدفاع عن الطائفة اليزيدية، خلال دخول تنظيم الدولة لسنجار سنة 2014".

يختفي وراء هذا الصراع الكردي-الكردي أجندات سياسية أخرى، تابعة لقوى إقليمية

من جهة أخرى، يختفي وراء هذا الصراع الكردي-الكردي أجندات سياسية أخرى، تابعة لقوى إقليمية. وفي هذا الإطار، ذكرت وحدات حماية الشعب أن هذه المعركة لم تكن محض صدفة، حيث بدأت المناوشات مباشرة بعد الزيارة التي أداها  مسعود برزاني إلى تركيا للقاء أردوغان، الذي أعلن حربا مفتوحة ضد حزب العمال الكردستاني. في الوقت نفسه، ترفض كل من أربيل وأنقرة رؤية أكراد سوريا، الموالين لحزب العمال الكردستاني، وهم يتقدمون شمال سوريا لإعلان إقليم مستقل بذاته. لذلك، فبرزاني وأردوغان يعملان على إيقافه أيضا في سنجار.

في السياق نفسه، تتهم البشمركة حزب العمال الكردستاني ومواليه بالتواطؤ مع إيران، التي تبحث عن تعزيز حضورها في سنجار. ولا ينكر بعض قادة وحدات حماية الشعب زيارتهم للعاصمة الإيرانية منذ أشهر. كذلك، لا تنكر القوات اليزيدية لقاءها بقادة حزب الله العراقي الموالي لطهران.

في الواقع، تعززت شكوك البشمركة أكثر بعد تسريب معلومات تفيد بأن أكراد سوريا على علاقة بنظام الملالي في إيران، إضافة إلى الشبهات التي تحوم حول تعاون كل من وحدات حماية الشعب وميليشيا الحشد الشعبي الشيعي، الخاضعة لأوامر ملالي إيران. وفي هذا الإطار، أكد بعض قادة البشمركة أن بعض قادة الحشد الشعبي شوهدوا في بلدة خاناسور. في المقابل، لم ينكر المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردي هذه الاتهامات، لكنه قلل من شأنها، وأكد وجود تعاون عسكري مع ميليشيا الحشد، التي اعتبرها جزءا من الجيش العراقي.

طريق تربط إيران بساحل سوريا المطل على البحر الأبيض المتوسط؟

انتقدت حاشية برزاني حكومة بغداد وأعتبرتها مجرد دمية تحركها إيران، التي ترى أنها تتكفل أيضا بحماية حزب العمال الكردستاني في سنجار. وتزعم حاشية برزاني أيضا أن إيران تدفع أجور كل من مقاتلي وحدات حماية الشعب والوحدات اليزيدية، حيث صرح أحدهم "لقد دفعت طهران، منذ شهرين، أجور ألف مقاتل. أما الآن فهم لا يتلقون شيئا".

أصبحت حكومة أربيل مقتنعة تماما بأن إيران تدعم حزب العمال الكردستاني وحلفاءه اليزيديين ووحدات حماية الشعب في كل من سنجار وسوريا، بهدف إنشاء طريق يربط إيران بساحل سوريا الغربي المطل على البحر الأبيض المتوسط

بحسب التوقعات، فإن ذلك الطريق يمتد من محافظة ديالى نحو الجنوب الغربي للموصل، والتي تخضع حاليا لرقابة ميليشيا الحشد الشعبي الشيعي، ويمر بتلعفر وسنجار وصولا لسوريا. وهذا المطمع الإيراني ليس وليد اللحظة، حيث أشار إليه سابقا عميل المخابرات الفرنسية السابق، ألان روديه، الذي أكد أن إيران تفكر منذ سنة 2014 في إنشاء قاعدة بحرية عسكرية على الساحل السوري، لتضمن بذلك وجودها في البحر الأبيض المتوسط.

لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، إذ تتوقع حكومة إقليم كردستان العراق أن إيران تطمع في السيطرة على جبال سنجار، خاصة القرى التي يعيش فيها اليزيديون، والتي تعتبر ذات رمزية كبرى؛ فمنها انطلقت صواريخ "سكود" التي أطلقها صدام حسين على الكيان الصهيوني سنة 1991.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأ صدام حسين، في ذلك الوقت، منصات إطلاق متطورة، ساهمت في وصول الصواريخ إلى تل أبيب رغم بعد المسافة (800 كلم). في المقابل، لم تتأكد فعلا صحة أطماع إيران، حيث حققت عدة صحف إسرائيلية في الأمر، من بينها "جيروزاليم بوست". لكن تلك الصحف لم تخف قلق حكومة تل أبيب، التي ترى في طهران خطرا إقليميا كبيرا يهدّد أمن إسرائيل.

المصدر: لو جورنال دي ديمونش