تأخذ أزمة العلم في محافظة كركوك شمالي العراق منحى جديدًا بعد رفض الأكراد الامتثال لقرار البرلمان العراقي في بغداد أمس السبت، والقاضي بإنزال العلم الكردي من مباني المحافظة الرسمية، وكذلك مطالبات مجلس العشائر في كركوك والقوميات الأخرى والأمم المتحدة بإنزال العلم، حيث اعتبر الأكراد قرار البرلمان "غير قانوني" وأعلنوا مقاطعتهم جلسات البرلمان في بغداد.

أزمة العلم

رفض الأكراد قرار البرلمان العراقي بإنزال العلم الكردي عن المباني الرسمية، وشددوا أن العلم سيبقى يرفرف فوق كركوك ولن يتم إنزاله ولوّحوا بخطوات أخرى سيتم اتخاذها بهذا الصدد سيعلنون عنها قريبًا، فعقب قرار البرلمان العراقي عقد نواب التحالف الكردستاني مؤتمرًا صحافيًا في البرلمان أكدوا فيه أن مدينة كركوك عراق مصغر، لكن ذلك لا ينفي هويتها الكردستانية، وأن "رفع العلم الكردستاني يعزز السلام والاستقرار والتعايش السلمي في المحافظة" وأضاف أحد النواب أن "رفع العلم الكردستاني على بنايات المحافظة لم يخالف القانون، وقد اعترف الدستور العراقي به، وهو أمر طبيعي يحقق رغبة أغلبية أهالي المحافظة، ولم يثر أيّ حساسية من قبل الأطراف المعارضة"، مبينًا أن "القرار حظي بتصويت الأغلبية في مجلس محافظة كركوك".

المكونات القومية في كركوك تعتبر رفع العلم الكردي في مدينة تزخر بالقوميات والأديان محاولة للتفرد بإدارة المدينة

ولكن الواقع يخالف ما قاله النائب عن التحالف الكردستاني، فجلسة التصويت في مجلس محافظة كركوك على قرار رفع العلم الكردي قاطعتها المكونات الأخرى، واعتبرت رفع العلم الكردي في مدينة تزخر بالقوميات والأديان محاولة للتفرد بإدارة المدينة، ونقض للدستور والمواثيق؛ بأن كركوك محافظة عراقية تتبع للعراق وليس لأي مكون فيها، وهي ليست تابعة لإقليم كردستان العراق بل من المناطق المتنازع عليها.

التعنت الكردي في عدم إنزال العلم سيدفع إلى تشنج أكثر بين مكونات المحافظة وقد تنتقل إلى فتنة بين السكان لن تكون لصالح أحد وستكون نتيجتها صفرية. يُذكر أن حزب الاتحاد الكردستاني بزعامة جلال الطالباني هو من بادر في الأيام الماضية برفع العلم الكردي على مباني المؤسسات الرسمية، بأمر من محافظ كركوك نجم الدين كريم. 

إلا أن الأمر لم يمر هكذا في مدينة يقطنها خليط من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين، حيث اعترضت المكونات الأخرى على هذه الخطوة، فرفع التركمان عشرات الأعلام التركمانية الزرقاء في الطرق والأسواق وعلى مداخل المحافظة، ومن ثم جاء رد العرب برفع العلم العراقي، ولم يقتصر الأمر على العلم فقط بل تعداه إلى تراشق الاتهامات وعبارات التخوين بين المكونات القومية في المحافظة. 

التعنت الكردي في عدم إنزال العلم سيدفع إلى تشنج أكثر بين مكونات المحافظة وقد يصل إلى الفتنة بين السكان

حيث يرى التركمان أن الأكراد يحاولون التفرد بإدارة المحافظة وإقصاء بقية المكونات، وتخريب التعايش السلمي والانسجام بين المجموعات العرقية والدينية في المدينة، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة، فكركوك تقع ضمن صلاحيات الحكومة المركزية في بغداد.

 

ووصف مراقبون رفع العلم الكردي على المبانى الرسمية بأنه غير دستوري، وهو نفس الرد الذي ردت فيه بغداد ببيان رسمي صادر من مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي، على رفع العلم، وجاء في البيان أن "الحكومة ترفض جميع المواقف الأحادية في هذا الجانب والدستور أوضح صلاحيات الحكومات المحلية في المحافظات التي لا ترتبط بإقليم، وكركوك واحدة من هذه المحافظات، لهذا لا يجوز رفع أعلام أخرى عليها غير العلم العراقي"، أما محافظ كركوك نجم الدين كريم، دافع عن رفع العالم وقال إنه رُفع في أثناء زيارة البرزاني لأنقرة أواخر الشهر الماضي.

محللون رأوا أن المشهد في المدينة مشحون ويجب ضبط المسألة ومنع استثمار أحد هذه الأزمة لإشعال فتنة، فالمدينة لا يمكن لأحد أن ينتزعها ومحاولة رفع الأعلام والشعارات لكل مكون لن يفيد النسيج الموجود في المدينة، فالمدينة للجميع ولا يجب لأي مكون أن يفكر بأنها مدينته وأن على كل مكون أن يتعامل مع الآخرين كشركاء لا كتابعين. 

مدينة كركوك ذات أهمية كبيرة لكل من المكونات القومية الثلاث بدلالتها التاريخية لكل منهم

تعد مدينة كركوك بسكانها البالغ عددهم نحو مليون ونصف مليون نسمة ذات قوميات أربعة هي العرب والكرد والآشوريين والتركمان، بالإضافة إلى 7 أديان هي الإسلام والمسيحية والصابئية والإيزيدية والكاكائية والزرادشتية والشبك، وهو ما يجعلها مدينة ذات ثقافات غنية وتزخر بالعادات والتقاليد. 

وهي أيضًا ذات أهمية كبيرة لكل من المكونات القومية الثلاث بدلالتها التاريخية لكل منهم، فالأكراد يعتبرونها "قدس أكراد" والتركمان يطلقون عليها "روح الأجداد" وأنها مدينتهم الأولى، أما العرب فيطلقون عليها "بلد أهل الضاد" أو مدينة سعد بن أبي وقاص، إشارة إلى فتحها على يد العرب عام 656 وطرد الفرس منها. 

حلم الأكراد بالانفصال

رفع العلم الكردي في كركوك والتصريحات التي أطلقها مسؤولون عن قرارات جديدة سيتم اتخاذها لاحقًا، لا يمكن قراءتها في إطار منفصل عّما كان يحدث سابقًا من رفض قوات البشمركة الكردية الانسحاب من المناطق التي حررتها من داعش وادعائها بأحقيتها بها وتعزيز وجودها هناك، بالإضافة إلى فتح باب الاستثمار أمام العديد من الشركات الدولية من الصين وروسيا للاستثمار في مجالات الطاقة، وأخيرًا تصريحات رئيس وزراء الإقليم نجيرفان البرزاني عن أن موعد تنظيم الاستفتاء العام سيكون قبل نهاية العام الحالي. 

مشروع الاستقلال مدعوم من قبل الأحزاب الكردية وأكبرها الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني، بينما هناك أحزاب أخرى ترى ضرورة حسم العديد من القضايا والملفات قبل الخوض في استفتاء الاستقلال، ومن بين تلك القضايا المناطق المتنازع عليها، وتحقيق تفاهم مع الحكومة المركزية في بغداد وإقليميًا في إيران وتركيا، فالبلدان قلقان من تبعات هكذا خطوة خوفًا من مطالبة الأكراد داخل تينك الدولتين من الانفصال. 

استقلال كردستان العراق يعد تعديلاً للخرائط في المنطقة وله تداعيات إقليمية كبيرة على المنطقة 

يعد استقلال كردستان العراق تعديلاً للخرائط في المنطقة وله تداعيات إقليمية كبيرة على المنطقة، كما أن الخطوة ليس بالضرورة أن يكتب لها النجاح، فهناك تجارب حول العالم لم تنجح في مشروع انفصالها وأقربها تجربة دولة شمال قبرص، التي تعترف بها تركيا وخمس دول أخرى فقط، بينما لا تحظى باعتراف الأمم المتحدة والدول الكبرى وتعتمد على الدعم التركي في بقائها بشكل أساسي.

بالنسبة للحكومة العراقية فهي رافضة بشكل قطعي لأي خطوة نحو الانفصال وتسعى إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقًا قبل 10 يونيو/ حزيران 2014 تاريخ استيلاء داعش على الموصل، وبعدها سيكون هناك إجراءات أخرى. وفي النهاية فإنه في ظل ما يشهده الملف الكردي سواء في داخل العراق أو إقليميًا وحتى دوليًا فإن الذهاب بالاستقلال دون حسم لملفات شائكة ستكون العملية محفوفة بالمخاطر وقد تؤدي إلى ارتكاسات كثيرة تعود بالضرر على الإقليم والعراق.