رئيس الوزراء الحاليّ العثماني والسابق بنكيران

يعتبر المغرب من أكثر البلدان العربية استقرارًا ونموًا، ولقد استطاع أن يخرج من عاصفة الربيع العربي بأقل الأضرار، بل يمكن القول إنه البلد الوحيد الذي قطف ثمار الربيع دون أن تمسه رياح الخريف التي أعقبت نسائم الربيع العربي.

النموذج المغربي دفع  أحد أبرز الداعمين والمنظرين للربيع العربي إلى الدعوة لمنح جائزة نوبل للعاهل المغربي الملك محمد السادس، نظرًا لما أظهر من حنكة ومرونة وذكاء في تعامله مع رياح الربيع العربي القادمة من أرض الياسمين.

كان إسلاميو المغرب هم الرابح الأكبر من الربيع العربي، حيث استطاعوا أن يكتسبوا ثقة الناخب المغربي وأن يساهموا في تجنيب المغرب المآلات التي وصلت إليها بعض الدول التي أصابتها رياح الربيع العاتية

لقد كان إسلاميو المغرب هم الرابح الأكبر من الربيع العربي، حيث استطاعوا أن يكتسبوا ثقة الناخب المغربي وأن يساهموا في تجنيب المغرب المآلات التي وصلت إليها بعض الدول التي أصابتها رياح الربيع العاتية، وذلك يرجع إلى فهمهم العميق وتفاعلهم الإيجابي والسلس مع كل مرحلة بما يقتضيها الواقع من حكمة وتنازل وبُعد نظر.

في سلسلة مقالات سأتناول مع قراء موقع نون بوست قراءتي كمهتم بهذه التجربة، أنظر إليها بمنظار مختلف وأحاول مقارنتها بمثيلاتها في العالم العربي، وأستقرئ مستقبلها في ظل التطورات الحاصلة ،لا أدعي في قراءاتي هذه الإحاطة بكل حيثيات هذه التجربة التي تستحق أن يكتب عنها وأن تقتدي بها مثيلاتها في العالم العربي.

نشأة الحركة الإسلامية في المغرب

بدأت الحركة الإسلامية في المغرب باكرًا، حيث كان أبرز رموز الحركة الوطنية في المغرب ينتمون للحركة الإسلامية بشموليتها كعلال الفاسي  والدكتور المهدى بن عبود وعبد الله كنون وغيرهم من الرموز الوطنية المغربية التي ساهمت في مقاومة المستعمر الفرنسي ووضع الخطوط العريضة لمستقبل المغرب ما بعد الاستعمار، انتماء هؤلاء للحركة الإسلامية ليس انتماءً حركيًا وإنما هو انتماء لروح الإسلام وثقافته، فقد كان هؤلاء الرموز علماءً ومرشدين دينيين وملهمين لمن سيأتى بعدهم حاملاً مشعل الحركة الإسلامية بمفهموها الحركي والسياسي.

أول تجربة لحركات الإسلام السياسي في المغرب مع الشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع في أواخر الستينيات القرن الماضي

كانت أول تجربة لحركات الإسلام السياسي في المغرب مع الشبيبة الإسلامية التي أسسها عبد الكريم مطيع في أواخر الستينيات القرن الماضي، حيث كان المد القومي واليساري في أوجه في العالم العربي، بينما كان مد الإسلام السياسي لا يزال محصورًا في حركات دعوية ومبادرات شخصية تستمد فكرها من أبجديات حركة الإخوان المسلمين في مصر وقبلها الحركة الوهابية في الجزيرة العربية.

كانت الشبيبة الإسلامية حركة سرية ربطتها علاقات غير ودية مع السلطة رغم أن هناك روايات تقول إن النظام استخدمها في ضرب خصومه في تلك الفترة الحرجة من تاريخ المغرب الحديث خصوصًا الحركات اليسارية التي كانت تنتشر في أوساط الشباب كانتشار النار في الهشيم.

بحسب موقع حركة الشبيبة الإسلامية، فقد "اتسع نطاق الخلايا المنظمة حركيًا إلى جميع مدن المغرب وقراه خلال أقل من ثلاث سنوات على ثلاث شعب: شعبة الأساتذة وشعبة العمال وشعبة الطلبة، كما نجحت في تكوين طائفة مباركة من الوعاظ، بثتهم في مختلف مدن المغرب وقراه، وفي تأسيس جناح نسوي."

لقد شكل تاريخ 18من دسمبر 1975منعطفًا خطيرًا في تاريخ الشبيبة الإسلامية، حيث اتهمت قيادتها بالمشاركة في اغتيال المناضل اليساري عمر بن جلون أحد أبرز رموز اليسار في تاريخ المغرب الحديث، وتم القبض على بعض قيادات الشبيبة الإسلامية فيما تمكن عبد الكريم مطيع من الخروج خارج المملكة ليبقى عقودًا متنقلاً بين المنافي.

خرج بعض الشباب المتحمسين للفكر الإسلامي المعتدل على عباءة الشيخ عبد الكريم مطيع الذي كان يدير التنظيم من خارج المملكة وكان لا يُخفي عداءه للسلطة، مما دفع قيادات شبابية إلى الخروج عليه وكان من أبرزهم عبد الإله بنكيران

بعد تجربة الشبيبة الإسلامية التي لم تستمر طويلاً خرج بعض الشباب المتحمسين للفكر الإسلامي المعتدل على عباءة الشيخ عبد الكريم مطيع الذي كان يدير التنظيم من خارج المملكة وكان لا يُخفي عداءه للسلطة، مما دفع قيادات شبابية إلى الخروج عليه وكان من أبرزهم عبد الإله بنكيران، محمد يتيم، شاهين إدريس، العمراني علال، عبد اللطيف عدنان، العربي عبد السلام، عمر السامي، وأسست هذه المجموعة ما يسمى بالجماعة الإسلامية التي ستتحول فيما بعد إلى حركة التجديد والإصلاح.

في المقال القادم سأتطرق إلى باقي مراحل نشأة الحركة الإسلامية في المغرب وأبرز المراجعات التي قامت منذ ولادتها وحتى بلوغها سن الرشد.