منطقة جبل طارق

على عكس ما يتوقع البعض فإن خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي رسميًا لن يمر هكذا مرور الكرام بسلاسة ويسر، إذ إن هناك العديد من القنابل الموقوتة التي توشك على الانفجار عقب تفعيل خطوات البريكست.

في هذه الحلقة نتناول إحدى هذه القنابل والمتعلقة بحياة ما يقرب من 30 ألف مواطن من سكان منطقة جبل طارق، ممن يعانون من أزمة هوية، ما بين مطرقة الانتماء إلى إسبانيا جغرافيًا، وسندان الميل لبريطانيا سياسيًا وثقافيًا.

العديد من التساؤلات باتت تفرض نفسها جراء الصراع بين لندن ومدريد على هذه المنطقة، إلا أن السؤال الأكثر حضورًا على أذهان وألسنة سكان تلك البقعة المتوغلة في مياه البحر الأبيض المتوسط، هو إلى أي الفريقين يكون الانتماء.. إسبانيا أم بريطانيا؟

الصخرة

تعد منطقة "جبل طارق" المعروفة بـ"الصخرة" إحدى مناطق الحكم الذاتي التابعة للتاج البريطاني منذ عام 1713، حين استولى عليها البريطانيون ضمن معاهدة "أوتريخت" التي أنهت حرب الخلافة الإسبانية (1701-1713)، والموقعة بين ممثلي فرنسا وإسبانيا من جهة، وممثلي بريطانيا والنمسا من جهة أخرى.

تقع هذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 7 كم2 على قبة صخرية داخل مياه البحر الأبيض المتوسط في أقصى جنوب شرق جزيرة إيبريا الإسبانية، كما أنها تعد المنفذ الأقرب نحو القارة الإفريقية، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى أمير مدينة طنجة طارق بن زياد، في القرن الأول الهجري، ويقطنها ما يقارب 30 ألف نسمة.

وظلت منطقة جبل طارق مستعمرة بريطانية منذ عام 1713 وحتى 1981، حين قررت لندن الخروج من هذه المنطقة وتحويلها من مستعمرة إلى منطقة حكم ذاتي، وهو ما أثار لعاب الإسبان في استعادتها مرة أخرى.

بعد تغير إدارة الحكم في جبل طارق من مستعمرة إلى منطقة حكم ذاتي طالبت مدريد بإعادتها إلى سيادتها مرة أخرى، إلا أن هذا الطلب اصطدم بمضمون اتفاقية "أوتريخت" والذي نص على اشتراط إعادة المنطقة لإسبانيا بتنازل بريطانيا عنها، وهو ما نفته الأخيرة، معلنة أنها لم تتنازل إذ إن الحكم الذاتي لا يعني خروجها من التاج البريطاني.

جدير بالذكر أنه في عام 711 ميلاديًا وتحديدًا في الـ30 من أبريل نجح المسلمون بقيادة طارق بن زياد في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي في فتح هذه المدينة بعد أن عبروا البحر قادمين من المغرب، وقد أطلق عليها فيما بعد منطقة "جبل طارق".

في عام 1150 وفي عهد السلطان عبد المؤمن أحد سلاطين الدولة الموحدية تم وضع حجر الأساس لبناء مدينة محصنة من خلال أسوار وعتاد عسكري وباتت إحدى قلاع مملكة غرناطة حتى عام 1309م حين قامت القوات الإسبانية بغزو المدينة والسيطرة عليها، وظلت تحت الحكم الإسباني حتى عام 1333م.

في عام 1374م نجحت قبيلة بني مرين في إعادة جبل طارق إلى مملكة غرناطة مرة أخرى، إلى أن سقطت في أيدي الإسبان بصورة نهائية عام 1492، ليسدل الستار على 750 عامًا من الحكم الإسلامي لهذه المدينة

وما بين المحاولات الإسبانية بإعادة جبل طارق إلى سيادتها مجددًا والرفض البريطاني والتمسك بأحقيتها في فرض السيادة، يبقى موقف سكان المنطقة هو الفيصل.. فماذا عنه؟

ظلت منطقة جبل طارق مستعمرة بريطانية منذ عام 1713 وحتى 1981، حين قررت لندن الخروج من هذه المنطقة وتحويلها من مستعمرة إلى منطقة حكم ذاتي

ستبقى بريطانية

موقف سكان منطقة جبل طارق أعلنه رئيس الحكومة فابيان بيكاردو في تصريح له نقله موقع "دويتشه فيله" بقوله إن أراضيه ستبقى بريطانية على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

رئيس الحكومة هدد في مقال له نشرته "ديلي إكسبريس" بأي محاولة من جانب إسبانيا لنزع منطقة جبل طارق من انتمائها البريطاني، محذرًا من إقدام مدريد على مثل هذه الخطوة، قائلاً: "إسبانيا تحاول التلاعب بالمجلس الأوروبي لمصالحه السياسية الضيقة، وهذا الجهد يدعمه رئيس المجلس دونالد توسك".

يذكر أن سكان جبل طارق في التصويت الأخير بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صوتوا ضد هذه الخطوة، مبررين ذلك بأنهم كانوا على دراية بأن هذا الخروج سيشجع الإسبان على إعادة طلب استعادة تلك المنطقة، لذا كانوا من أحرص الفئات على بقاء بريطانيا تحت المظلة الأوروبية، ويبدو أن قلق بيكاردو كان في محله، فماذا فعلت أوروبا لدعم إسبانيا في هذا الملف؟

منطقة جبل طارق إحدى مناطق الحكم الذاتي التابعة للتاج البريطاني منذ عام 1713

أوروبا وحق تقرير المصير لإسبانيا

انحاز الاتحاد الأوروبي بدروه إلى موقف إسبانيا على حساب بريطانيا في قضية السيادة على جبل طارق، حيث قدم مقترحًا لإعطاء إسبانيا الكلمة في تقرير مصير تلك المنطقة فور إنهاء إجراءات خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد.

وفي السياق نفسه قدمت المؤسسة الأوروبية مشروع قرار يسمح بمنح إسبانيا حق الاعتراض على أي علاقات تجارية مستقبلية بين جبل طارق وأي دولة أخرى، وهو ما يضع مدريد في موقف القوي فيما يتعلق بهذه المنطقة الحيوية.

ومنذ أن تنازلت إسبانيا عن هذه البقعة الحيوية لبريطانيا منذ ما يقارب 300 عام وهي تحلم بإعادتها لسيادتها مرة أخرى، وقد وجدت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الفرصة الأكثر حظًا نحو تحقيق هذا الحلم، لا سيما أن هذه المنطقة تمثل أهمية اقتصادية وأمنية لإسبانيا بصورة كبيرة، ومن ثم فإن استعادة السيطرة عليها من جديد يخدم مصالح مدريد بشكل محوري.

هذا الدعم الأوروبي لإسبانيا أثار حفيظة دوائر صنع القرار في لندن، وهو ما دفعهم للرد دفاعًا عن حقهم التاريخي في فرض السيطرة والسيادة على المنطقة.. فماذا كان الرد؟

تحلم إسبانيا بإعادة هذه البقعة الحيوية إلى سيادتها منذ أن تنازلت عنها  لبريطانيا منذ ما يقارب 300 عام، ووجدت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الفرصة الأكثر حظًا لتحقيق هذا الحلم

مستمرون في الدعم الصخري

قبيل إنهاء إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي، أصدر مجلس الوزراء البريطاني بيانًا قال فيه إن بريطانيا لن تدخل في أي ترتيبات قد تجعل  بموجبها سكان جبل طارق تحت سيادة دولة أخرى ضد رغباتهم المعرب عنها بحرية وديمقراطية، في إشارة إلى استفتاء عام 2002 عندما صوتت غالبية سكان "الصخرة" بنسبة 99% ضد أي سيادة إسبانية عليهم.

موقف مجلس الوزراء عبر عنه أيضًا وزير الخارجية بوريس جونسون عبر تغريدة له على صفحته على "تويتر" أكد خلالها دعم بلاده لجبل طارق، وأن سيادة بريطانيا عليها لن تتغير، ملفتًا أنه قد آن الآوان لترجمة الالتزام البريطاني تجاه هذه المنطقة إلى عمل واقعي.

الموقف البريطاني الداعم للصخرة يبدو أنه ليس موقفًا رسميًا حكوميًا فحسب، بل هو موقف شعبي سياسي أيضًا، عبر عنه زعيم حزب المحافظين السابق مايكل هوارد،  حين حذر إسبانيا من التوغل على حق بلاده في فرض السيادة على جبل طارق.

هوارد في مقابلة تليفزيونية له مع قناة سكاي نيوز هدد بالتصعيد إلى أقصى درجة حال أي محاولة تنتقص من سيطرة بريطانيا على المنطقة، ملوحًا بإمكانية الدخول في حالة حرب دفاعًا عن حق بلاده، وذلك حين شبه قضية جبل طارق وجزر الفوكلاند، حيث قال: "عندما رفضت الأرجنتين إعادة الجزر شنت بريطانيا حربًا في ذلك الوقت واسترجعتها خلال ثلاثة أيام من يد الإسبان، وكانت رئيسة الوزراء في وقتها سيدة، واليوم رئيسة وزراء بريطانيا سيدة وقادرة على مواجهة الإسبان لفرض الديمقراطية التي أرادها سكان الصخرة البريطانيين الآمنين".

وقد أثارت تصريحات مايكل هوارد حفيظة المسؤولين في إسبانيا، وهو ما دفعهم للتعبير عن الدهشة من جراء ما تحمله هذه التهديدات من دلالات سياسية وأمنية.. فماذا كان رد فعلهم؟

فقد أعصاب غير مبرر

"ليس هناك داعيًا لوجود من يفقد أعصابه في المملكة المتحدة" بهذه الكلمات علق وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس، على تصريحات زعيم حزب المحافظين البريطانيين السابق، والتي لوح خلالها بدخول بلاده حالة حرب مع إسبانيا دفاعًا عن جبل طارق.

داستيس في تصريحات للصحفيين الإسبان قبيل مشاركته في ندوة نظمتها صحيفة اقتصادية إسبانية قال: "أعتقد أن هناك من يفقد أعصابه في المملكة المتحدة، ولا يوجد أساس يدعو إلى ذلك"، وأضاف "لا يجب على الحكومة الإسبانية أن تكرس نفسها للرد على كل واحدة من الملاحظات التي تصدر عن ساسة من الأمس والحاضر بالمملكة المتحدة في هذا الشأن".

أما عن موقف مدريد من هذه التصريحات، أشار وزير الخارجية الإسباني أنه إذا كان هناك شيئًا من جانب الحكومة الإسبانية فإنها تشعر نوعًا ما بالمفاجأة من هذه اللهجة بالمملكة المتحدة، وهو البلد الذي يتميز تقليديًا بالهدوء المفرط، ملفتًا أن استحضار حالات سابقة مثل جزر فوكلاند جرى إخراجه عن السياق.

التراشق السياسي والإعلامي المتبادل بين لندن ومدريد يدفع إلى التساؤل عن قيمة هذه المنطقة التي لا تتجاوز مساحتها 7 آلاف كم2 والتي قد تهدد بنشوب أزمة بين البلدين، فلماذا هذا الصراع والتنافس على هذه البقعة الصغيرة؟

وزير خارجية إسبانيا: "ليس هناك داعيًا لوجود من يفقد أعصابه في المملكة المتحدة"

لماذا هذا التوتر؟

التوتر المزمن الذي تسببه منطقة جبل طارق في العلاقات بين بريطانيا وإسبانيا منذ تنازل الأخيرة عنها عام 1713 يعود إلى ما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية على المستويين الأمني والاقتصادي.

أولا: الأهمية العسكرية الأمنية.. تعد منطقة جبل طارق قاعدة عسكرية جوية وبحرية أساسية تقف وتصلح فيها الغواصات النووية، كذلك تعد قاعدة استخباراتية، وهو ما أشار إليه أليخاندرو ديل فايي الأستاذ في القانون الدولي الخاص في جامعة قادش في تصريحاته لموقع "فرانس24".

أليخاندور أضاف أن هذه المنطقة وإن كانت صغيرة المساحة إلا أنها تشكل بوابة الدخول والخروج الوحيدة المطلة على المتوسط، ومن ثم فهي النافذة الأكثر إقبالاً من قِبل المهاجرين إلى دول أوروبا من المغرب العربي وشمال إفريقيا، لذا فإحكام السيطرة عليها له من الأهمية الاستراتجية ما له، كما أنها نقطة توقف دائمة للبوارج الحربية والغواصات النووية البريطانية وكذلك الأمريكية لدى خروج وعودة الدوريات إلى المتوسط.

مطار جبل طارق والذي يعد قاعدة عسكرية جوية استراتيجية

ثانيًا: الأهمية الاقتصادية.. تسمح هذه المنطقة الحيوية بمراقبة النفط والغاز الطبيعي المستهلك في أوروبا الغربية، إذ إن الغالبية العظمى منه تمر عبر هذا المضيق، إضافة إلى ما تمثله من أهمية استراتيجية فيما يتعلق بكونها النقطة الأقرب لقارة إفريقيا، حيث يفصل بين أقصى نقطة جنوب جبل طارق وحدود إفريقيا 400 متر في البحر فقط.

من هنا ترى إسبانيا أن الوجود البريطاني في هذه المنطقة يمثل تهديدًا واختراقًا لاستقلاليتها، ومن ثم تسعى إلى الفصل بين بريطانيا وهذه المنطقة بأي طريقة، وفي المقابل تتمسك لندن بحقها التاريخي في السيادة على تلك البقعة الاستراتيجية كونها النافذة الوحيد لها إفريقيًا، وهو ما يعطيها الحق في الوجود بهذه المنطقة خاصة بعد خروجها الرسمي من الاتحاد الأوروبي.

وهكذا ليس أمام سكان جبل طارق سوى انتظار ما ستسفر عنه المباحثات المزمع إجراؤها في التاسع والعشرين من أبريل الحالي، حين تنعقد القمة الأوروبية في بروكسيل، وما يمكن أن يتمخض عنها من قرارات ونتائج.