تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الخطاب العدائي تجاه إيران من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، خاصة بعد أن قامت إيران بإجراء بعض التجارب الصاروخية، ووصل الأمر إلى تلميح أمريكا بالسعي إلى طرد المليشيات المدعومة إيرانيًا من سوريا، في الوقت الذي تقوم فيه بفرض العديد من الغرامات على المنظمات التي تتعاون مع حزب الله، وقد صرح بدوره الكيان الصهيوني على لسان رئيس وزرائه بأن إيران تمثل أكبر تهديد عليهم اليوم بعد أن أعلنت نشأة حركة النجباء المسلحة بأسلحة استراتيجية لأجل تحرير الجولان.

في الواقع لم تكن هذه المرة الأولى التي يصرح فيها الكيان الصهيوني بأن إيران هي العدو الأول له، فقد سبق وصرح رئيس وزرائه بذلك من قبل أكثر من مرة، وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال بديهي عما تفعله إيران في سوريا كي يجلب لها كل هذا العداء الجلي؟ فبالطبع ليست بضعة تجارب إيرانية صاروخية تقوم كوريا الشمالية بتنفيذ أضعافها في العام الواحد السبب وراء كل هذا العداء الذي ضجت به الصحف مؤخرًا، فدور إيران في سوريا أكبر من هذه التجارب.

القوة المهيمنة في المنطقة

"النظام السوري يشكل الخط الأول في جبهة المقاومة الإسلامية في المنطقة، ويسير في طريق الثورة الإسلامية الإيرانية" قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري.

ليس هذا التصريح الوحيد الذي صدر عن الحرس الثوري الإيراني، بل هناك تصريحات أخرى صدرت عنه وعن غيره من المسؤولين رفيعي المستوى في الشأن الإيراني، وهذا من شأنه أن يدلل على مدى أهمية سوريا بالنسبة لإيران.

قد تنفي إيران خططها التوسعية من وقت لآخر، ولكن لا يمكنها إثبات ذلك لأن أفعالها على الأرض تنافيها تمامًا، فما فعلته في اليمن مؤخرًا ما هو إلا تمدد يهدف إلى محاصرة السعودية من جنوبها، وما تقوم به مليشياتها من التهجير القسري الذي يليه التغيير الديموغرافي لسكان المناطق المفيدة كتلك المحيطة بدمشق، وإحلال سكان جدد ينتمون إلى الطوائف الشيعية، يعتبر دليلاً آخر على أهداف إيران التوسعية في المنطقة.

إيران دولة طموحة تدرك قواعد لعبة الأمم داخل دهاليز النظام الدولي جيدًا، وتحمل مشروعًا توسعيًا، تسعى إلى تمريره عبر مرابط النظام الدولي وثناياه، وتدرك جيدًا الرغبة الأمريكية في الانسحاب من الشرق الأوسط لأجل توجيه الجهود وتركيزها على الشأن الداخلي أولاً، ومن ثم الشأن الآسيوي المتنامي في الوقت الحالي ثانيًا، وتسعى أن تكون ذلك الشرطي البديل الذي يمكنه إدارة شؤون منطقة الشرق الأوسط.

وبمجرد سيطرة إيران الكاملة على سوريا يكون قد اكتمل الهلال الشيعي، من بغداد مرورًا بدمشق إلى بيروت، الأمر الذي سيسهل لها السيطرة على منطقة الخليج فيما بعد، وهذا من شأنه أن يقلل من دور الكيان الصهيوني في المنطقة، الأمر الذي قد يدفعه إلى التصريح العلني بضرورة التعاون مع الدول العربية لصد مثل هذا التوسع.

وجود حزب الله في سوريا يمكنه من اكتساب الخبرة العسكرية في القتال في بيئة جديدة، والدخول في حرب مع أعداء كثر على أكثر من جبهة، بالإضافة إلى الخبرة المميزة التي يحصل عليها من قتاله إلى جانب القوات الروسية الخاصة

الضغط على الكيان الصهيوني

لا تتدخل إيران بصورة مباشرة في الأماكن التي ترغب في السيطرة عليها، وإنما تعتمد بصورة رئيسية على وكلائها المحليين من الميلشيات والفرق الشيعية الموالية لها (يوجد 700 إيراني فقط في سوريا)، وبالتالي فقوة إيران تتمثل في مليشياتها الموجودة في مختلف مناطق الشرق الأوسط.

وجود حزب الله في سوريا يمكّنه من اكتساب الخبرة العسكرية في القتال في بيئة جديدة، والدخول في حرب مع أعداء كثر على أكثر من جبهة، بالإضافة إلى الخبرة المميزة التي يحصل عليها من قتاله إلى جانب القوات الروسية الخاصة.

وباستمرار الصراع في سوريا يبقى النظام الأسدي في حاجة ماسة إليهم، وفي هذه الأثناء يتم نقل أكبر كم ممكن من الأسلحة الاستراتيجية إلى حزب الله في لبنان، والذي بدوره يمثل تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل، وورقة ضغط مستقبلية قوية جدًا، ستمكن إيران من التحرر من التهديدات الإسرائيلية المستمرة لها، وبذلك تتمكن إيران من أن تنال حريتها في شأن برامجها التسليحية.

مخاطر تحدق من كل جهة

الكيان الصهيوني ينظر إلى إيران على أنها العدو الأول له في الوقت الحالي، ولا يقف مكتوف الأيدي قبالة عمليات نقل الأسلحة المختلفة إلى لبنان

ورغم كل هذه الجهود التي تقوم بها إيران، فالمخاطر تحدق بها من كل جهة، فقوة إيران تتمثل فقط في حزب الله والميلشيات الأخرى، وبمجرد محاصرة تلك المليشيات، ومهاجمتها من قبل التحالف الدولي مثلاً، كحال حركات الجهاد السني، سيتم التخلص من أخطارها وتقويض الدور الإيراني بالكامل في سوريا، كما أن حزب الله سيكون قد استنزف ولن يكون له أثر يذكر في لبنان.

بالإضافة إلى أن الروس يمثلون خطرًا كذلك، لأنهم يريدون بقاء سوريا عملية لهم، أما إيران فتريد بسط سيطرتها على سوريا كاملة، كما أنها تواجه مقاومة شرسة وقوية جدًا من قبل القوى الثورية المختلفة، الأمر الذي دفع الروس أصلاً إلى التدخل العسكري المباشر صيف عام 2015.

كما أن الكيان الصهيوني ينظر إلى إيران على أنها العدو الأول له في الوقت الحالي، ولا يقف مكتوف الأيدي قبالة عمليات نقل الأسلحة المختلفة إلى لبنان، ويوجه من وقت لآخر ضرباته الجوية المختلفة داخل عمق الأراضي السورية.

ولكن هل ستكتفي إسرائيل بضرب القوافل العسكرية فحسب؟ وما الذي تخطط له الولايات المتحدة في مثل هذا الشأن؟ ربما هذا ما سنعرفه في التقرير القادم.