هذا المقال لا يهدف لتشخيص حالة مرضية معينة أو تقديم علاج ما، فذلك دور الأطباء.

ترجمة وتحرير نون بوست

ما هو الثمن الذي يجب أن ندفعه مقابل ولوجنا إلى حساباتنا على مواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات متأخرة من الليل؟

وفقا لجملة من الدراسات أجراها المعهد الأمريكي للجلطات والاضطرابات العصبية، فإن حوالي 60 مليون أمريكي يعانون من اضطرابات النوم. وعلى الرغم من أن هناك عدة أسباب قد تكون وراء مشكلة قلة النوم لدى العديد من الأشخاص، إلا أن الباحثين ركزوا اهتمامهم  على تحديد علاقة ظاهرة تصفح مواقع التواصل الاجتماعي خلال الليل واستعمال الهواتف الجوالة في السرير باضطرابات النوم، وتأثير ذلك على جودة وساعات النوم التي نحظى بها.

"لنتفقد الهاتف مرة أخرى فقط، مرة واحدة ثم ننام". وقد أكدت السيدة كيرن أن ذلك كان بمثابة خطأ جسيم ارتكبته عن غير قصد، إذ أن قرارها بإلقاء نظرة أخيرة على حسابها على تويتر وفيسبوك، يجعلها في معظم الأوقات حبيسة سيل من الأخبار والمنشورات

في واقع الأمر، لطالما مثل الخلود للنوم في وقت باكر تحديا كبيرا بالنسبة للسيدة كيرن ويتست، التي تعيش في مدينة ميشيغان، حيث تشكو السيدة ويتست من اضطرابات النوم. ففي بعض الأوقات، تجلس كيرن لساعات طويلة في سريرها، دون أن يغمض لها جفن، وتضطر لاستعمال الحبوب المنومة حتى تخلصها من معاناتها. في البداية، اعتقدت هذه السيدة أن استعمالها للهاتف أثناء الليل ليس بالأمر الخطير. في المقابل،  وفي كل مرة كانت كيرن تحاول الخلود إلى النوم أصبحت تواجه صعوبة كبيرة في تجنب الاطلاع على حسابها على فيسبوك وإنستغرام، وكأن الأمر أصبح نوعا من الإدمان.

وفي هذا الإطار، أوضحت كيرن أنه في كل ليلة، تحدثها نفسها قائلة: "لنتفقد الهاتف مرة أخرى فقط، مرة واحدة ثم ننام". وقد أكدت السيدة كيرن أن ذلك كان بمثابة خطأ جسيم ارتكبته عن غير قصد، إذ أن قرارها بإلقاء نظرة أخيرة على حسابها على تويتر وفيسبوك، يجعلها في معظم الأوقات حبيسة سيل من الأخبار والمنشورات.

وبالتالي،  تقضي وقتا طويلا في متابعة عدة مواضيع قد تكون، في الغالب، مرهقة للعينين ومثيرة للتوتر، مما ينجر عنه فقدانها لساعات من النوم الثمينة التي لا يمكن تعويضها لاحقا. في الحقيقة، تطرح هذه التجربة المريرة التي عاشتها السيدة كيرن العديد من التساؤلات ، على غرار "هل أصبحت عاداتنا في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي سببا في معاناتنا من اضطرابات النوم"؟ يبدو أن الإجابة هي نعم.

نشرت المجلة الصحية الصادرة عن جامعة هارفارد تقريرا، أقرت من خلاله أن التعرض لضوء شاشة الهاتف أثناء الليل يربك الساعة البيولوجية للإنسان

وفي هذا السياق، نشرت المجلة الصحية الصادرة عن جامعة هارفارد تقريرا، أقرت من خلاله أن التعرض لضوء شاشة الهاتف أثناء الليل يربك الساعة البيولوجية للإنسان، ويسبب مضاعفات صحية. ونتيجة لذلك، يصبح الإنسان عرضة للعديد من المشاكل، حيث يجد صعوبة في الحصول على قسط عميق ومريح من النوم.  

في  واقع الأمر، يصدر عن الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ضوء أزرق، يعمل على الحد من نسبة إنتاج الجسم لهرمونات النوم والاسترخاء التي تعرف "بالميلاتونين". فضلا عن ذلك، ترسل هذه الأجهزة إشارات لجسدنا حتى يبقى في حالة الاستيقاظ والنشاط. وفي هذا الصدد، حذر العلماء من أن أقل بصيص من هذا الضوء الأزرق قد يكون كافيا لإرباك الساعة البيولوجية للإنسان.

من جهة أخرى، أصدرت مجلة الجمعية العلمية الأمريكية، مؤخرا، دراسة؛ كشفت من خلالها أن الأشخاص الذين يقضون وقتا طويلا في استخدام هواتفهم الذكية في السرير يشتكون في الغالب من اضطرابات النوم، حيث ينامون لوقت قصير ولا يحظون بالراحة الكافية. وفي الأثناء، يتسلل حوالي ربع هؤلاء المدمنين على استخدام الهاتف قبل النوم إلى مواقع التواصل الاجتماعي للاطلاع على ٱخر التحديثات في منتصف الليل. خلافا لذلك، وفي حال حاولنا الاستغناء عن عادة تصفح مواقع التواصل الاجتماعي في الليل، قد نصبح أكثر يقظة، وهو التأثير العكسي لما نطمح له.

ثلث الشباب يبقون مستيقظين خلال الليل بسبب المضايقات التي يتعرضون لها على منصات التواصل الاجتماعي، أو لأنهم يريدون مواصلة إرسال وتلقي الرسائل

من جانب آخر، لا يعتبر الضوء الأزرق المنبعث من شاشة الهاتف الأمر الوحيد الذي قد يؤثر على ساعات وجودة نومنا. فقد اكتشف باحثون من جامعة كارديف في المملكة المتحدة، أن أكثر من ثلث الشباب يبقون مستيقظين خلال الليل بسبب المضايقات التي يتعرضون لها على منصات التواصل الاجتماعي، أو لأنهم يريدون مواصلة إرسال وتلقي الرسائل.

 ومن هذا المنطلق، أصبحت غرف النوم بمثابة مكان للتواصل الاجتماعي والتحدث مع الآخرين، وليس للاسترخاء والتمتع بقسط وافر من النوم. وفي الأثناء، لاحظ الباحثون أن الأشخاص الذين يواظبون على الإجابة على الرسائل والتعليقات التي تتواتر في مواقع التواصل الاجتماعي، هم معرضون أكثر بثلاثة مرات، للشعور بالإرهاق والاكتئاب في اليوم الموالي، مقارنة بالأشخاص الذين لا يستعملون هواتفهم أثناء الليل.

وقد بينت نتائج الدراسة التي أصدرتها مجلة الجمعية العلمية الأمريكية أن هناك تأثيرات مؤكدة وخطيرة لاستعمال شبكات التواصل الاجتماعي خلال وقت النوم، خاصة وأن ذلك قد يؤدي لزيادة الشعور بالإرهاق والكآبة. وفي ظل تزايد الضغوط الاجتماعية ورغبة الكثيرين في متابعة كل ما يدور في هذه المواقع طوال الوقت، ارتفع عدد مستخدمي هذه المواقع في الليل، وقد ترتب عن ذلك تواتر مشاكل النوم لدى كل الفئات العمرية.

وفي هذا الصدد، صرحت السيدة ماريسا، التي تقطن في العاصمة واشنطن، قائلة: "أواجه صعوبة في الخلود للنوم، إذ أن هاتفي يواصل إصدار الأصوات في كل مرة أتلقى فيها إشعارا من مواقع التواصل الاجتماعي أو بريدا إلكترونيا خلال الليل. أنا أستعمل هاتفي كمنبه، لذلك لا أستطيع إغلاق الهاتف بالكامل".

من ناحية أخرى، أقرت ماريسا بأنها أصبحت دائمة الاستيقاظ خلال الليل، حيث تواجه صعوبة كبيرة في النوم، خاصة بعد يوم يطغى عليه الشعور بالإجهاد والتوتر. ففي معظم الأوقات، تجد ماريسا نفسها داخل دوامة مفرغة من السهر لوقت متأخر ثم الاستيقاظ في وقت متأخر، وهكذا دواليك.

وفي الأثناء، بينت ماريسا أن الاستيقاظ عدة مرات خلال الليل لتفقد الإشعارات التي تصلها كان له تأثير سلبي على صحتها بشكل عام. وفي هذا الصدد، أوضحت ماريسا، "أصبحت أعاني من الصداع وتشوش الرؤية، كما أصبحت أشكو من هشاشة نفسية وسرعة الغضب وتقلب المزاج، فضلا عن أنني أفقد طاقتي بسرعة كبيرة".

ونتيجة لذلك، وحتى تتمكن من استعادة قدرتها على النوم بشكل جيد، قررت ماريسا إغلاق كل تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي على هاتفها. وفي هذا السياق، قالت ماريسا، "لقد قمت بحذف تطبيق فيسبوك وتويتر. فضلا عن ذلك، أبذل قصارى جهدي حتى أحافظ على الأضواء مطفأة وهاتفي بعيدا عني في غرفة أخرى أثناء الليل، حتى لو استوجب الأمر أن أجلس وأحدق في السقف. آمل أن يساعدني ذلك في التخلص من عادتي السيئة وخاصة استعمال الهاتف في السرير في وقت النوم".

انخراط الشباب في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي ارتبط مباشرة بحاجتهم إلى وقت أكثر للاسترخاء والخلود إلى النوم

من ناحية أخرى، أجرت مجلة صحة المراهقين في أمريكا دراسة، تطرقت من خلالها إلى عادات النوم لدى حوالي 146 مراهقا. وقد ركزت الدراسة على سلوكهم خلال الساعة القليلة التي تسبق توجههم إلى السرير، وطبيعة سلوكهم عندما يكونون في المدرسة أو في العطلة. وفي الأثناء، قارن الباحثون بين عدد الساعات التي يقضيها المراهقون على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء الدراسة وخلال العطلة. وقد اكتشفوا أنه وعلى الرغم من أن المراهقين تختلف أنشطتهم قبل الذهاب إلى السرير، إلا أن انخراطهم في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي ارتبط مباشرة بحاجتهم إلى وقت أكثر للاسترخاء والخلود إلى النوم.

بعبارة أخرى، يؤدي استعمال شبكات التواصل الاجتماعي مع اقتراب موعد النوم، إلى الحاجة إلى المزيد من الوقت للخلود للنوم بعد إطفاء الأضواء وإنهاء كل الأنشطة. وبالتالي، يمكن القول أن هذا السلوك يعد التفسير الوحيد للمشاكل التي يواجهها المراهقون، باعتبار أنهم واجهوا الصعوبات ذاتها أثناء العطلة، على الرغم من أنهم لا يعانون من ضغط الواجبات المنزلية وضرورة الاستيقاظ باكرا للذهاب إلى المدرسة.

تشكو السيدة آشلي غودسميث التي تعيش في كاليفورنيا من اضطرابات النوم طيلة التي رافقتها طيلة العشر سنوات الماضية. فقد واجهت غودسميث صعوبة في الالتزام بأوقات نوم ثابتة ومنتظمة، حتى تحظى بساعات نوم كافية وتستيقظ  في كامل نشاطها. وفي هذا الصدد، أوردت آشلي غودسميث، أنه "دون وعي مني أجد نفسي مستغرقة في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي لساعات طويلة من الليل، خاصة عندما لا أكون مجبرة على الاستيقاظ باكرا في اليوم الموالي للذهاب للعمل".

وأضافت غودسميث، أنه "في مثل هذه الحالة، غالبا ما أتمدد على الأريكة أو أستلقي على السرير لساعات طويلة، لا أقوم بأي شيء نافع خلالها سوى متابعة المزيد والمزيد من المواضيع والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. والغريب في الأمر أنني أشعر بالتعب وأن الوقت قد حان للنوم، ولكن لسبب ما أقرر مواصلة ذلك دون هدف محدد، وبالتالي لا أخلد للنوم إلا في ساعات متأخرة من الليل".

تثبت هذه الدراسات وجود علاقة بين العادات التي دأبنا عليها في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ومشاكل النوم، والاضطرابات التي نعاني منها في الليل، وما ينتج عنها من تأثيرات صحية وسلوكية سلبية في النهار

في واقع الأمر، تثبت هذه الدراسات وجود علاقة بين العادات التي دأبنا عليها في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، ومشاكل النوم، والاضطرابات التي نعاني منها في الليل، وما ينتج عنها من تأثيرات صحية وسلوكية سلبية في النهار. في المقابل، نحن بحاجة إلى المزيد من البحث والدراسات لتقديم أدلة أخرى أكثر شمولية ووضوح، حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على نومنا وساعتنا البيولوجية.

في الوقت الراهن، وفي حال أردتم أن تتمتعوا بنوم هانئ ولساعات طويلة، بغية الشعور بالراحة والانتعاش في اليوم الموالي، ينصح الخبراء بالامتناع عن الدخول لمواقع التواصل الاجتماعي، واستعمال الهاتف الذكي، ساعة كاملة على الأقل قبل الذهاب إلى السرير. وقد يكون الوضع أفضل إذا تركتم الهاتف في وضعية الشحن في غرفة أخرى منفصلة. وفي الأثناء، لا بد من ضبط النفس وتجاهل كل الإغراءات التي قد تدفعكم للإعجاب بمقطع فيديو أو صور طريفة ومشاهدتها والتعليق عليها، نظرا لأن الخلود للنوم والتمتع بساعات نوم كافية تعتبر أولوية قصوى، على حد تعبير الخبراء.

المصدر: بايست