مع كل الإجراءات التي اتخذتها دول الخليج العربي للتخفيف من حدة تأثير هبوط أسعار النفط على نسب النمو، إلا أن تقرير البنك الدولي لاقتصادات الدول الخليجية ربما جاء صادمًا لها، إلا دولة قطر، فماذا وراء هذا وما تأثير التباطؤ الاقتصادي على المواطن؟

تباطؤ اقتصادات دول الخليج إلا قطر 

توقع البنك الدولي أن يتباطأ نمو اقتصادات الدول الخليجية إلا قطر في العام 2017 بالمقارنة مع العام 2016 وذلك بسبب انخفاض إنتاج النفط الذي أقرته منظمة أوبك لامتصاص الفائض من الأسواق وتحسين الأسعار، إذ قدر البنك أن نمو الاقتصاد السعودي وهو أكبر اقتصادات الخليج سيتباطأ بمقدار 0.6% في عام 2017 من نمو مقدر بـ1.4% في 2016، وتوقع التقرير الذي صدر أمس الإثنين أن يستعيد الاقتصاد السعودي عافيته وينمو إلى 2% في العام 2018 و2.1% في 2019.

سبب تباطؤ اقتصادات الخليج هو انخفاض إنتاج النفط بعد اتفاق أوبك القاضي بتخفيض الإنتاج لامتصاص الفائض في الأسواق العالمية وتحسين الأسعار 

السعودية أصدرت ميزانية 2017 على أمل أن تكون داعمًا لمسيرة التنمية الاقتصادية في البلاد تحت رؤية 2030 حيث رفعت من مستوى الإنفاق المالي عن العام الفائت حيث جاءت ميزانية العام 2017 عند 890 مليار ريال وهي أعلى بنسبة 8% من حجم الإنفاق للسنة المالية 2016 التي بلغت 825 مليار ريال.

ومع تزايد الإنفاق في السعودية إلا أن توقعات البنك الدولي جاءت بتباطؤ الاقتصاد السعودي، والسبب الجوهري هو انخفاض إنتاج النفط حسب اتفاق أوبك الساري بداية العام الحالي، والذي أدى لتقلص الإيرادات النفطية على البلاد وبالتالي تراجع وتيرة صرف الدولة على المشاريع الجديدة وإيقاف بعض المشاريع القديمة وتخفيض الرواتب والبدلات والمكافآت.

تباطؤ النمو يؤثر على إقامة مشاريع جديدة والمستوى المعيشي للمواطن

ونتيجة انخفاض الإنتاج وأسعار النفط اتخذت الحكومات الخليجية إجراءات معينة تقوم على التقشف لضبط الإنفاق ومراجعة المشاريع القائمة والجديدة، وعلى المدى المتوسط إلى تحقيق ميزانية متوازنة من خلال تعزيز الإيرادات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق والعمل على تحقيق الانضباط المالي.

الاقتصاد القطري سينمو  إلى 3.3% في 2017 من 2.9% في 2016 بدعم من تنفيذ مشاريع كأس العالم المقدرة بقيمة 200 مليار دولار

وتوقع البنك الدولي أن يحد خفض إنتاج النفط، الذي قررته أوبك، معدل النمو في الإمارات العام الحالي إلى 2% من 2.3% في 2016، في حين من المتوقع أن ينتعش النمو قليلاً إلى 2.5 و3.2% في عامي 2018 و2019، وفي الكويت، من المتوقع أن تؤدي تخفيضات إنتاج النفط المقرة من أوبك إلى تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في الكويت إلى 2.5% في 2017، علمًا أن الناتج المحلي في الكويت نما بمقدار 3% في 2016، بحسب تقديرات البنك الدولي نفسه.

أما فيما يتعلق بقطر، فتوقع البنك الدولي أن يتسارع نمو اقتصاد قطر إلى 3.3% في 2017 من 2.9% في 2016 بدعم من تنفيذ مشاريع بقيمة 200 مليار دولار، لتحديث مرافق البنية التحتية قبل استضافة كأس العالم لكرة القدم وأيضًا بدء إنتاج مشروع برزان للغاز بطاقة 1.4 مليار قدم مكعب يوميًا في العام الحالي. 

أثر تباطؤ النمو على المواطن

أثر تباطؤ الاقتصاد على المواطن بشكل واضح خلال السنوات الماضية منذ بدء انخفاض أسعار النفط، ويبدو أنه مستمر في السنة الحالية، المواطن في واقع الحال غير آبه بمعدلات النمو وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد، بقدر ما هو مهتم بكيف ستنعكس هذه الأرقام على مستوى معيشته وفيما إذا ستؤدي إلى مفاقمة معدلات البطالة والفقر وارتفاع الأسعار.

تقتضي استقرار مستوى معيشة المواطن، على تحسن العديد من المؤشرات الاقتصادية، القائمة على تأمين الحاجيات الأساسية من مأكل ومشرب بأسعار مناسبة تتناسب مع مدخوله الشهري، والحاجيات الكمالية، سواءً كان إنتاج تلك الأشياء محليًا أو من خلال استيرادها من الخارج، والحفاظ على نسبة محددة من أسعار السلع والخدمات (معدل التضخم) وتوظيف العاطل عن العمل، والصرف على الفقير، والقيام بمشاريع في مختلف التخصصات مثل تعبيد الشوارع وبناء الجسور ومد السكك الحديدية والاتصالات ومشاريع تنموية أخرى تسهم في تسهيل معيشة المواطن، سواء كانت الدولة هي صاحبة تلك المشاريع أو القطاع الخاص.

انخفاض إيرادات النفط سيؤدي إلى عدم القيام بمشاريع جديدة من قبل الدولة أو طرح مناقصات للقطاع الخاص

وكلما ارتفعت تلك المؤشرات الاقتصادية أسهمت في استقرار أكثر لمعيشة المواطن بشكل عام، وحتى تستطيع الحكومة الوفاء بالتزامات السكان الحاليين والنمو السكاني ومتطلبات الحياة المتجددة من الرفاهيات، عليها السعي لتحقيق معدلات نمو مرتفعة، من خلال القيام بمشاريع جديدة كفيلة بخلق المزيد من الوظائف أو التوسع في الإنتاج - أيًا كان - من خلال إيجاد أسواق جديدة لتحقيق فوائض مالية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها.      

أحد المشاريع التي تعمل قطر على إنشائها لاستضافة كأس العالم 

لا شك أن تحسين الوضع الاقتصادي يتطلب نموًا في الناتج المحلي الإجمالي، الذي يقيس إجمالي ما أنتجته الدول خلال العام، وبما أن السعودية ودول الخليج الأخرى لديها إنتاج نفطي ضخم، يفوق الإنتاج غير النفطي. فإن النمو سيعتمد ويتأثر بالمحصلة على كمية الإنتاج وأسعار النفط العالمية، فبالقدر الذي يكون فيه إنتاج سعر النفط مرتفعًا بالقدر الذي تحصل الدولة على المزيد من الأموال وتسهم في الصرف على المشاريع الجديدة والتوظيف والصرف على الالتزمات الاجتماعية وغير ذلك.

والعكس صحيح، فمتى انخفضت إيرادات النفط سيؤدي إلى عدم قيام الدولة بمشاريع جديدة أو طرح مناقصات للقطاع الخاص وبالتالي عدم توظيف أشخاص وارتفاع معدل البطالة، وعدم رفع الرواتب وصرف البدلات والمكافآت، بل تقوم بالاقتطاع من الرواتب وتلغي العلاوات وما شابهها ـ وتفرض المزيد من الضرائب على الدخل الفردي وعلى إنتاج الشركات، فينخفض استهلاك المواطنين في الأسواق، وتتأثر الحركة التجارية سلبًا، قد يؤدي استمرار هذا الحال إلى إفلاس شركات وفصل موظفين. 

لذلك فإن التباطؤ المتوقع في دول الخليج لهذا العام سيقود إلى البقاء على سياسات التقشف المتبعة، وإقرار الضرائب المتفق عليها في مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها ضريبة القيمة المضافة، ودراسة المزيد من فرض الضرائب ربما من بينها ضريبة الدخل، وكل هذا سيؤثر على دخل المواطن هناك وسيؤثر أيضًا على أسعار السلع والخدمات وبالتالي على مستوى معيشته، كما سيؤثر أيضًا على حركة الأسواق التجارية والتوظيف.

متى ما كان هناك تباطؤًا في معدلات النمو سيكون هناك ركودًا في الأسواق

أما في قطر فسبب ارتفاع النمو فيها، يعود إلى الميزانية المرصودة منذ الفوز باستضافتها لكأس العالم، وفي هذا مشاريع جديدة تقوم بإنشائها استعدادًا لاستقبال البطولة، إذ تصرف الدولة هناك نحو 200 مليار دولار على البنية التحتية الخاصة بهذه الرياضة، وهو أيضًا ما اقترحه ترامب في الولايات المتحدة لرفع معدلات النمو والخروج من الركود في الأسواق، عبر إنفاق ترليون دولار على مشاريع البنية التحتية التي ستوفر العمل وتخلق المزيد من الفرص الوظيفية.

لذا فإنه متى كان هناك تباطؤًا في معدلات النمو سيكون هناك ركودًا في الأسواق، وفي حال استمر الركود ستضطر الدولة إلى معالجة الركود بالتقشف، العدو اللدود للمواطن، وبات كل مواطن عربي يعرف ماذا تعني هذه الكلمة بالنسبة لمستوى معيشته.