محمد بن نايف ومحمد بن سلمان

في سابقة من نوعها من حيث الكم والكيف أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مساء أمس السبت حزمة من الأوامر الملكية التي تضمنت بعض المفاجآت، حيث شملت إعفاء 9 من كبار الوزراء والمسؤولين وتعيين 23 آخرين بعضهم في أماكن سيادية حساسة.

الأوامر الملكية المفاجئة تضمنت أيضًا إعادة الحوافز والمكافآت التي توقفت منذ عدة أشهر في خطوة وصفها البعض بتلك الأوامر التي أصدرها الراحل عبد الله بن عبد العزيز في 2011، إضافة إلى تقديم أحد الوزراء للمحاسبة بتهم الفساد لأول مرة في تاريخ المملكة.

العديد من التساؤلات فرضت نفسها عقب إعلان تلك الأوامر أبرزها ما يتعلق بتقوية جبهة ولي ولي العهد محمد بن سلمان من خلال تعيين بعض الأسماء منهم نجلي العاهل السعودي وحفيده، إضافة إلى إعفاء أسماء أخرى، فضلاً عن تقليص دور بعض القيادات الأخرى، مما فسره البعض بالخطة التي تحاك لتغيير ولاية العهد خلال الفترة المقبلة.

قرارات ملكية مفاجئة

شملت القرارات الملكية ثلاثة محاور:

المحور الأول: تعيين بعض المسؤولين وهم كالتالي:

- تعيين الأمير منصور بن مقرن بن عبد العزيز نائبًا لأمير منطقة عسير.

- تعيين الأمير عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز بن عياف أمينًا عامًا بمجلس الوزراء بمرتبة وزير.

- تعيين الأمير سعود بن خالد بن فيصل نائبًا لأمير منطقة المدينة المنورة.

- كما تم تعيين الأمير سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز مستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين.

- تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الدولة لشؤون الطاقة بمرتبة وزير (نجل العاهل السعودي).

- تعيين الأمير محمد بن عبد العزيز بن محمد نائبًا لأمير منطقة جازان بمرتبة وزير.

- تعيين الأمير تركي بن هذلول بن عبد العزيز نائبًا لأمير منطقة نجران.

- تعيين الأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز نائبًا لأمير منطقة مكة المكرمة.

- تعيين الأمير فهد بن تركي بن فيصل نائبًا لأمير منطقة القصيم.

- تعيين الأمير محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز نائبًا لأمير منطقة الرياض.

- تعيين الأمير أحمد بن فهد بن سلمان نائبًا لأمير المنطقة الشرقية بالمرتبة الممتازة (حفيد العاهل السعودي).

- تعيين الأمير فهد بن تركي قائدًا للقوات البرية.

- تعيين الدكتور ناصر عبد العزيز الداوود مستشارًا في الديوان الملكي.

- تعيين الدكتور عواد بن صالح العواد رئيسًا للهيئة العامة للثقافة.

- تعيين المهندس إبراهيم عبد الرحمن العمر محافظًا للهيئة العامة للاستثمار.

- تعيين الدكتور ناصر عبد العزيز الداوود مستشارًا في الديوان الملكي.

- تعيين عبد الرحمن بن محمد العاصمي نائبًا لوزير التعليم بالمرتبة الممتازة.

- تعيين المهندس إبراهيم عبد الرحمن العمر محافظًا للهيئة العامة للاستثمار.

- تعيين المهندس طارق الفارس نائبًا لوزارة الشؤون البلدية.

- تعيين المهندس منصور العنزي نائبًا لوزير البيئة والمياه والزراعة.

المحور الثاني: إعفاء مسؤولين وتعيين بدلاً منهم، وهم كالتالي:

- إعفاء الأمير عبد الله بن فيصل بن تركي سفير المملكة لدى الولايات المتحدة، وتعيين الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز سفيرًا لدى الولايات المتحدة (نجل العاهل السعودي).

- إعفاء الأمير سعود بن عبد المحسن بن عبد العزيز من منصبه، وتعيين الأمير عبد العزيز بن سعد بن عبد العزيز أميرًا لمنطقة حائل.

- إعفاء اللواء أحمد حسن عسيري، قائد القوات البرية من منصبه وتعيينه نائبًا لرئيس الاستخبارات السعودية.

- إعفاء محمد بن إبراهيم السويل من منصبه، وتعيين المهندس عبد الله بن عامر السواحة وزيرًا للاتصالات وتقنية المعلومات.

- إعفاء رئيس الهيئة العامة للرياضة ورئيس مجلس إدارتها الأمير عبد الله بن مساعد من منصبه.

- إعفاء الدكتور عادل الطريفي من منصبه وتعيين الدكتور عواد بن صالح العواد وزيرًا للثقافة والإعلام.

- إعفاء خالد بن عبد الله العرج من منصبه، ويكلف عصام بن سعيد بالقيام بعمل وزير الخدمة المدنية.

المحور الثالث: قرارات أخرى، وشملت:

- إعادة جميع المزايا المالية التي اقتطعت في إطار إجراءات التقشف إلى موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين.

- تقديم الاختبارات قبل شهر رمضان المبارك مراعاة لظروف الطلاب والطالبات.

- صرف راتب شهرين لجميع المشاركين في الصفوف الأمامية بعاصفة الحزم.

- تشكيل لجنة وزارية للتحقيق مع معالي خالد العرج فيما ارتكبه من تجاوزات.

حزمة من الأوامر الملكية وصفت بـ"التاريخية" وقعها العاهل السعودي أمس

تقوية جبهة محمد بن سلمان

في قراءة سريعة لدلالات بعض الأوامر الملكية يلاحظ أن هناك توجه نحو تقوية جبهة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على حساب ولي العهد الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية، لا سيما بعدما أثير في الآونة الأخيرة بشأن دعم واشنطن للأخير كونه الحليف الجديد بدلاً من ابن سلمان، وذلك في أعقاب تكريم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لوزير الداخلية بمنحه ميدالية "جورج تينت" التي تقدمها الوكالة للعمل الاستخباراتي المميز في مجال مكافحة الإرهاب فبراير الماضي.

ومنذ هذه اللحظة بدأ الإعداد لإعادة ثقة الأمريكان بولي ولي العهد من خلال عدد من الاستراتيجيات لعل أبرزها مغازلة واشنطن ببعض التوجهات الإصلاحية الليبرالية ومحاولة طمأنة البيت الأبيض حيال مسألة التشدد الديني داخل المملكة ومحاربة التطرف والإرهاب، فضلاً عن زيارته الأخيرة للولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب، ومن ثم بدأ تصعيده مرة أخرى في الوقت الذي غاب فيه ابن نايف عن الأضواء بصورة كبيرة.

ورغم نجاح محمد بن سلمان في استعادة جزء كبير من مكانته لدى الأمريكان فإن هذا لم يكن كافيًا لدى الديوان الملكي، ومن ثم كان لا بد من تقوية جبهته بصورة تضمن استمراره في طريقه نحو الولاية، وهو ما أشار إليه البعض تعليقًا على الأوامر الجديدة التي صدرت بالأمس.

هناك محاور ثلاث تمثل العصب الرئيسي داخل المملكة، ومن يسيطر عليها فبنسبة كبيرة يفرض هيمنته على الوضع العام داخل الدولة: الأمن، النفط، الدعم الدولي لاسيما الأمريكي، وأي خلل بأي من تلك المحاور يمثل تهديدًا لمستقبل الحاكم، وهو ما كشفت عنه حركة التعيينات والإقالات التي صدرت بالأمس.

هناك توجه نحو تقوية جبهة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على حساب ولي العهد الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية وهو ما كشفت عنه دلالات الأوامر الملكية الأخيرة

الأمن..  قرار العاهل السعودي إنشاء مجلس للأمن الوطني يكون مرتبطًا بالديوان الملكي، مما يعني سحب الصلاحيات الأمنية تدريجيًا من قبضة الأمير محمد بن نايف، ولي العهد ووزير الداخلية، ومن ثم إحكام السيطرة على الشق الأمني.

كذلك تعيين اللواء أحمد حسن عسيري وزير الدفاع والمتحدث باسم قوات التحالف العربي المشارك في حرب اليمن، المعروف عنه علاقته القوية بالأمير محمد بن سلمان، وأحد أبرز رجالاته داخل المملكة، نائبًا لرئيس الاستخبارات السعودية، مما يعني سيطرة شبه كاملة على منظومة الأمن الداخلي إضافة إلى الأمن الخارجي عبر جهاز الاستخبارات.

النفط.. تعيين الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز، نجل العاهل السعودي، وزيرًا لشؤون الطاقة والمعادن، مما يعني سيطرته الكاملة على مخرجات النفط الذي يمثل العصب الأساسي للاقتصاد السعودي، ومن ثم إحكام السيطرة على الشق الاقتصادي.

الدعم الدولي.. تعيين الأمير خالد بن سلمان، نجل العاهل السعودي، سفيرًا للمملكة في الولايات المتحدة خلفًا للأمير عبد الله بن فيصل بن تركي، مما يعني السيطرة على قنوات التواصل مع واشنطن، ما يضمن بقاء محمد ابن سلمان في الصورة ومناهضة أي محاولات تهدف لإزاحته.

إضافة إلى ذلك هناك ملاحظة عامة تتعلق بتعيين عدد من أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في بعض المناصب الجديدة، سواء وزراء أو أمراء مناطق، مما يشير إلى محاولة تمكين واضحة تلقي بظلالها مستقبلاً في ترسيخ حكم العزيزيين بما فيه دعم وتأييد محمد بن سلمان.

إحكام العاهل السعودي القبضة على مثلث الأمن والاقتصاد والدعم الأمريكي لا شك يحتاج إلى دعم شعبي وتأييد عسكري يؤازر هذه الخطوات ولا يسيئ تفسيرها بما يثير البلبلة داخل المملكة، فماذا قدم سلمان لمواطنيه وجنوده للحصول على هذا الدعم؟

جاء تعيين الأمير خالد بن سلمان، نجل العاهل السعودي، سفيرًا للمملكة في الولايات المتحدة، في محاولة لإحكام السيطرة على قنوات التواصل مع واشنطن

تعيين اللواء أحمد عسيري نائبًا للاستخبارات السعودية

استراتيجيات التأييد الشعبي

في الوقت الذي تضمنت فيه الأوامر الملكية قرارات من شأنها إحكام السيطرة على محاور الدولة لتقوية جبهة محمد بن سلمان، تضمنت أيضًا بعض المراسيم الأخرى التي ألقت بظلال إيجابية على المواطنين والجنود.

أولاً: المنح المادية.. حيث أصدر الملك سلمان ضمن قراراته أمس مرسومًا بإعادة جميع البدلات والمزايا المالية والمكافآت إلى موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين والتي كانت قد استُقطعت سابقًا في إطار الإجراءات التقشفية في المملكة.

ثانيًا: مكافحة الفساد.. لأول مرة في تاريخ المملكة يتم إعفاء وزير من منصبه وتقديمه للمحاكمة بتهم تتعلق بالفساد، وهو ما رآه البعض رسالة قوية للفاسدين وجرس إنذار لهم، حيث أصدر العاهل السعودي مرسومًا بتشكيل لجنة وزارية للتحقيق مع  خالد العرج، وزير الخدمة المدنية المقال، فيما ارتكبه من تجاوزات تتعلق بتعيين نجله بالمخالفة للقانون.

وكانت هيئة مكافحة الفساد السعودية "نزاهة"، قد كشفت في بيان لها عن نتائج التحقيق في قضية تعيين ابن الوزير، إذ أكدت وجود مخالفات تعاقد في القضية، وتداول السعوديون مستند تعيين ابن وزير الخدمة المدنية السعودي خالد العرج على الشبكات الاجتماعية، إذ ذكر مغردون أنه حاصل على الشهادة الثانوية، ويعمل في وزارة الشؤون البلدية بوظيفة مدير مشاريع، وبراتب يتجاوز 21 ألف ريال، مطالبين بإعفاء وزير الخدمة المدنية.

ثالثًا: طمأنة الجنود.. أثار البعض في الآونة الأخيرة تذمر بعض الجنود والضباط المشاركين في قوات التحالف الذي تقوده السعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن بسبب طول مدة الحرب وسقوط العشرات منهم في مواجهات مع قوات الحوثي المدعوة إيرانيًا في مناطق عدة باليمن، وهو ما كان يتطلب من الديوان الملكي السعودي التعامل معه.

وقد تضمنت الأوامر الملكية قرارًا بصرف راتب شهرين مكافأة للمشاركين الفعليين في الصفوف الأمامية لعمليتي (عاصفة الحزم وإعادة الأمل) من منسوبي وزارات (الداخلية، الدفاع، الحرس الوطني ) ورئاسة الاستخبارات العامة.

ردود فعل متباينة شهدتها تلك الأوامر الملكية ما بين الدعم والرفض خاصة فيما يتعلق بمخطط تمكين محمد بن سلمان على حساب ولي العهد محمد بن نايف، وهو ما قد يمثل تهديدًا للعرش الملكي داخل المملكة كما يرى البعض، إلا أن آخرين قللوا من قيمة هذه المحاولات ملفتين إلى أن ابن نايف ليس الأمير مقرن بن عبد العزيز، والذي تنازل عن منصبه في أبريل عام 2015، كولي للعهد لإفساح المجال أمام محمد بن سلمان.