69 عامًا مرت على نكبة الفلسطينيين عام 1948، ولا يزالون حتى هذه اللحظة يتشربون مرارة أحداثها دون أي أمل يلوح بالأفق أمام أعينهم لإنهاء معاناتهم وعودتهم لبيوتهم وقراهم التي هجروا منها قصرًا بفعل آلة البطش الإسرائيلية القاسية. 

في كل ذكرى يُحيي فيها فلسطينيو الداخل والخارج نكبتهم، وما تحمله من ذكريات صعبة وقاسية تعشش في عقولهم وقلوبهم، ورفضت طول السنوات محوها، يراودهم تساؤلات تلازمهم منذ العام 48، "متى ستنتهي معاناتنا؟ وهل قدرنا أن نبقى لاجئين لآخر يوم في أعمارنا ونورثها لأولادنا"؟

معاناة اللاجئين الفلسطينيين تتفاقم يومًا بعد يومٍ وعامًا بعد آخر، فلا المهجرين لغزة قادرين على العيش في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق وتآمر القريب والبعيد على هذه البقعة الجغرافية الصغيرة، ولا من يعيش ويحمل صفة لاجئ في الدول العربية قادر على التعايش مع الحروب الدائرة والنزاعات التي لم تحترم حقه وإنسانيته.

نكبة مستمرة.. وحلول سياسية غائبة  

طول السنوات الـ69 الماضية، تغنى الفلسطينيون بأنه كلما طال التهجير والإبعاد والقهر، كان فجر العودة والحرية يقترب أكثر فأكثر، إلا أن تلك الآمال البيضاء قد تبدو بعيدة بعض الشيء على أرض الواقع، في ظل وجود سلطة فلسطينية يترأسها محمود عباس، والتي حتى اللحظة فشلت في تحويل هذا الحلم لواقع. 

وهنا يقول حسن خريشة، النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني بأن "السلطة الفلسطينية السبب الرئيسي وراء تفاقم معاناة الفلسطينيين في الداخل والخارج، بسبب سياستها الخاطئة والفاشلة في التعامل مع المتطلبات والقضايا الفلسطينية الجوهرية، وأي حل سياسي بات مرتبط فيها وبوجودها". 

ويؤكد خريشة في حديث خاص لـ"نون بوست"، أن الأمل بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين وإعادتهم لقراهم وبيوتهم وأحيائهم التي هجروا منها قسرًا بفعل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية والوحشية والمجازر التي أتركبت في أيما النكبة، بات بعيدًا للغاية". 

ويضيف: "لا يمكن في الفترة الحالية إيجاد أي حل سياسي طالما السلطة الفلسطينية موجودة على الساحة"، مشيرًا إلى أن السلطة رضخت لاتفاق أوسلو والآن تتحمل نتيجة هذا التنازل الخطير الذي أضر بالقضية والمشروع الوطني الفلسطيني". 

ويتابع النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي: "العالم كله ينظر إلى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، محليًا وعربيًا ودوليًا، وهذه العقبة الأكبر أمام تحقيق أي حل سياسي في ظل إدارة فلسطينية فاشلة".

لن يكون هناك أي حل سياسي عادل للفلسطينيين، طالما وجدت السلطة وكان دورها "سلبي" في التعامل مع القضايا المهمة والجوهرية مثل اللاجئين، الذين يحيون نكبتهم الـ69 على التوالي

ويؤكد خريشة أنه لن يكون هناك أي حل سياسي عادل للفلسطينيين، طالما وجدت السلطة وكان دورها "سلبي" في التعامل مع القضايا المهمة والجوهرية مثل اللاجئين، الذين يحيون نكبتهم الـ69 على التوالي، ودون أي حلول في الأفق حتى هذه اللحظة. 

وختم خريشة حديثه لـ" نون بوست"، بالقول بأن "الحلول السياسية يجب أولًا أن تمر عبر قيادة محنكة ولا تخضع للضغوطات والابتزازات الخارجية، وتتخذ قرارها بناءً على التوافق الداخلي ومصلحة الفلسطينيين، ودون ذلك سنبقى دون حلول وقضايانا الجوهرية ستبقى معلقة لعشرات السنوات المقبلة". 

وكان الـ15 من مايو / أيار عام 1948 يومًا استثنائيًا بالنسبة للفلسطينيين والعرب عمومًا، فقد شهد ثلاثة أحداث كبرى هي: زوال اسم فلسطين عن الخارطة السياسية والجغرافية، قيام دولة ما يعرف بدولة "إسرائيل"، وبدء الحرب العربية - الصهيونية الأولى. 

وتسببت نكبة عام 1948 في تحويل مئات آلاف الفلسطينيين إلى لاجئين وعشرات الآلاف إلى مهجرين في وطنهم ممن يرون بلداتهم وأراضيهم، وأحيانا منازلهم، وهم يحرمون منها، فيما تواصل "إسرائيل" اعتبارهم "حاضرين غائبين" بذريعة أنهم "تركوا ديارهم" فباتت ملكا للدولة، لكنهم مصممون على مواصلة النضال حتى استعادة حقوق نهبت وسلبت منهم عنوة. 

وفي هذا اليوم، يتحرك الفلسطينيون من كل فئاتهم العمرية في أماكن وجودهم داخل "إسرائيل"، وفي الضفة وغزة، وفي مناطق انتشارهم في العالم، لإحياء ذكرى ما بات يعرف بـ"نكبة فلسطين". 

وفى المقابل يحتفل الإسرائيليون بعيد الاستقلال الـ69 لقيام "الدولة اليهودية" الوحيدة في العالم، بعد إعلان دافيد بن جوريون رئيس الحكومة الأول إقامة "دولة إسرائيل" على الأراضي الفلسطينية.

 

خطر يحيط بالقضايا الفلسطينية

القيادي البارز في حركة حماس في قطاع غزة، إسماعيل رضوان، اتهم السلطة الفلسطينية بشكل مباشر بالتقصير في حل قضية اللاجئين الفلسطينيين، طول الـ22 عامًا الماضية التي قضاها في المفاوضات السرية والعلنية مع الجانب الإسرائيلي. 

ويقول رضوان في تصريح لـ"نون بوست": "يبدو أن السلطة الفلسطينية باتت تتناسى بشكل متعمد قضية اللاجئين، في ظل التسريبات الخطيرة التي تخرج بتنازل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن هذا الحق الثابت، في مشروع التسوية الجديدة مع الاحتلال الإسرائيلي بإشراف الإدارة الأمريكية الجديدة. 

موقف السلطة السياسي الضعيف جعل قضية اللاجئين من أعقد وأصعب القضايا

ويوضح رضوان بأن موقف السلطة السياسي الضعيف جعل قضية اللاجئين من أعقد وأصعب القضايا، وباتت الحلول المطروحة من قبل الدول العربية والغرب "سلبية" ولا تتماشى مع المطالب الفلسطينية بالعودة ورفض التوطين أو فكرة الوطن البديل. 

ويشير القيادي في حركة حماس إلى أن العالم أجمع يعترف بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي بفشلها في إحراز أي تقدم بملف اللاجئين منذ أكثر من 69 عامًا وحتى اللحظة، يبقى هذا الملف حبيس درجه ومعلق دون أي حراك سياسي جاد وواضح.

 

أكبر شعب لاجئ

ويستحق الشعب الفلسطيني لقب "أكبر شعب لاجئ" في العالم، فهو لم يهجّر فقط من بلاده إلى بلد أكثر أمنًا يعيش فيه بسلام، ولكنه هُجّر حتى من مكان لجوئه، حتى تحول اللجوء إلى خبزه اليومي. 

فبداية المرارة التي يتجرعها الفلسطينيون منذ 69 عامًا كانت مع نكبة عام 1948، ويستذكر الشعب الفلسطيني ما تعرض له من إرهاب دولة منظم مارسه الاحتلال الإسرائيلي، وما ارتكبته عصاباته المسلحة من جرائم حرب بشعة، وما نفذته من عمليات تطهير عرقي بهدف إرهاب المواطنين الفلسطينيين، وإرغامهم على مغادرة أراضيهم، واغتصاب أرضهم وممتلكاتهم بأبشع أشكال الاحتلال العسكري والاستيطاني في التاريخ المعاصر، مما أسفر عن تشريد الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني في أصقاع الأرض، عانوا فيها أشد أنواع العذاب النفسي والجسدي. 

وفق معطيات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني اليوم فقد دمر الاحتلال في النكبة 531 قرية ومدينة فلسطينية، وارتكب أكثر من 70 مذبحة ومجزرة راح ضحيتها ما يزيد على 15 ألف فلسطيني

فمنذ تشريد نحو 800 ألف فلسطيني أعزل من وطنهم، من بين 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في 1300 قرية ومدينة في فلسطين التاريخية في حينه، لا يُرى أفق للعودة، بل زاد الاحتلال في إمعانه وسيطرته حتى على ثروات الفلسطينيين. 

ووفق معطيات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني اليوم فقد دمر الاحتلال في النكبة 531 قرية ومدينة فلسطينية، وارتكب أكثر من 70 مذبحة ومجزرة راح ضحيتها ما يزيد على 15 ألف فلسطيني. 

وتتزامن ذكرى النكبة هذا العام مع إضراب أكثر من 1700 أسير فلسطيني عن الطعام في السجون الإسرائيلية، لانتزاع حقوقهم من مصلحة السجون الإسرائيلية، فيما أطلق عليه إضراب الحرية والكرامة، ويعتبر إضراب الكرامة أحد أكبر الإضرابات منذ النكبة.  

ولم تستثن الظروف الكارثية الفلسطينيين في الشتات، إذ لا زال من بقي من اللاجئين الفلسطينيين في سورية تحت الحصار في المخيمات أو تم تهجيره إلى مكان آخر، هذا في حال بقي حيًا، فيما يعتقل النظام السوري 1183 لاجئًا فلسطينيًا في سجونه. 

وفي لبنان يعاني اللاجئون مر العيش، فرغم اعتيادهم على الحرمان من الحقوق الأساسية في لبنان منذ لجوئهم، واجههم هذه المرة "التحدي الأمني"، كما أسمته العديد من الجهات في لبنان، إذ اندلعت مواجهات مسلحة في كل من مخيم عين الحلوة وبرج البراجنة امتدت لأيام واستخدمت فيها القذائف أحيانًا، مما شكل خطرًا على حياة اللاجئين هناك. 

ورغم كل الظروف، لا يزال الفلسطينيون يؤمنون بعودتهم وحقهم في هذه الأرض، ويصرون على نقل الرسالة من جيل إلى جيل ليحفظ الرواية ويصون العهد.