حسن روحاني يحرز 57% في الانتخابات الإيرانية

أظهرت النتائج الأولية للانتخابات الإيرانية أن الرئيس حسن روحاني يتقدم على منافسه إبراهيم رئيسي بفارق كبير، وحسب ما أصدرته وزارة الداخلية فإن روحاني حصل على 22 مليون صوت أي ما نسبته 57% مقابل 15 مليون صوت لإبراهيم رئيسي أي ما نسبته 39% و455 ألف صوت لمصطفي مير سلي، و210 ألف لمصطفى هاشمي علي، وذلك بعد فرز نحو 40 مليون صوت منها 38 مليون صوت واقعي، وحسب ما أعلنت وزارة الداخلية فإن عدد المشاركين في الاقتراع تجاوز 40 مليونًا وهو ما يعني أن نسبة المشاركة تجاوزت 70%.

وعلى الرغم من أن النتائج الأولية تشير إلى فوز روحاني بجولة رئاسية ثانية في الانتخابات، فإن النتيجة لم تعلن بعد، إذ من المقرر أن يخرج وزير الداخلية ويعلن النتيجة بعد ظهر اليوم السبت 20 من مايو/ أيار، في الأثناء حذرت الداخلية الإيرانية المرشحين وأعضاء حملاتهم الانتخابية من إعلان أي نتائج غير رسمية.

مشاركة كثيفة في الانتخابات

بدأ الإيرانيون يومهم الانتخابي أمس الجمعة منذ الساعة الثامنة صباحًا لاختيار مرشحهم الرئاسي من أربعة مرشحين بينهم الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني، وتوزعت صناديق الاقتراع على أكثر من 55 دائرة محلية داخلية و279 ألف دائرة موزعة في 103 بلدات، وتولى 160 ألف عنصر أمن مهمة ضمان سير العملية الانتخابية في البلاد، في 63 ألف مركز انتخابي يضم 130 ألف صندوق اقتراع، تحت إشراف 71 ألف مراقب، حسب ما أعلن وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي.

وبعدما كان من المفترض أن تغلق صناديق الاقتراع في الساعة السادسة مساءً، مددت وزارة الداخلية الاقتراع لساعتين وعادت ومددته ساعتين إضافيتين، من جانبها عزت وزارة الداخلية تمديد فترة الاقتراع إلى ارتفاع نسبة المشاركة واستمرار توافد الناخبين إلى مراكز الاقتراع، وحسب ما أعلنته العديد من المواقع، فإن عدد الناخبين بلغ 20 مليونًا حتى الساعة 6 مساءً، فيما يتجاوز عدد من يحق لهم الاقتراع نحو 56 مليونًا، ويوجد 2.5 مليون إيراني مقيم في الخارج.

حسب النتائج غير الرسمية فإن روحاني فاز بولاية ثانية بعد حصوله على 22 مليون صوت أي ما نسبته 57%

أدلى المرشد الأعلى خامنئي بصوته منذ ساعات الصباح الأولى ولم يصرح بدعمه لأي المرشحين، فيما اكتفى بدعوة الشعب في تصريحات مقتضبة للنزول والاقتراع وعدم تأجيل النزول للمساء، معتبرًا أن المشاركة الشعبية في إيران هي التي تتسبب بنجاح الاستحقاقات الانتخابية، وتتزامن الانتخابات الرئاسية مع انتخابات البلدية، حيث سيدلي الإيرانيون بأصواتهم لصالح انتخاب أعضاء مجالس البلديات في المدن والقرى وهي المجالس التي تختار عمدة كل مدينة.

يُشار أن المرشح الفائز يجب أن يحصل على 50% من الأصوات وفي حال عدم حصول أحد المرشحين على هذه النسبة من الأصوات، تشهد الانتخابات دورة ثانية في 26 من مايو/ أيار الحالي، إلا أن هذا سيعد سابقة في إيران، إذ إن جميع الرؤساء السابقين تم انتخابهم في الدورة الأولى، ويتمثل التحدي الأهم في المدن الكبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان لمعرفة ما إذا كان المعتدلون سيتمكّنون من انتزاعها من المحافظين.

تدعو الجبهة المعتدلة التي تضم روحاني إلى الانفتاح وتطبيق المزيد من الحريات، وترتكز على الاتفاق النووي كأبرز الإنجازات

انتهى الاستحقاق الرئاسي بين جبهتين إحداهما معتدلة والأخرى محافظة، حيث ضمت الجبهة المعتدلة كل من الرئيس روحاني ونائبه الإصلاحي إسحاق جهانغريي والوزير السابق هاشمي طبا، فيما كان في الطرف المقابل من الجبهة المحافظة كل من سادن الرضوية وإبراهيم رئيسي وعمدة طهران محمد باقر قاليباف وممثل حزب مؤتلفة الإسلامي مصطفى مير سليم، إلا أن الانسحابات أفرزت بقاء روحاني مقابل رئيسي وجهًا لوجه في النهاية.

وأصبحت المنافسة الراهنة تدور بين شخصية معتدلة مدعومة من الإصلاحيين وتدعو للانفتاح وتطبيق المزيد من الحريات، وترتكز على الاتفاق النووي كأبرز الإنجازات، وشخصية ثانية محافظة متشددة ترى في مشاكل الاقتصاد مفتاحًا للوصول إلى القصر الرئاسي، وترتكز في خطابها على مقومات الداخل لبناء ما يسمى بالاقتصاد المقاوم، كما تدعو للابتعاد عن الغرب وعدم الالتصاق به.

مرشح الرئاسة الإيرانية إبراهيم رئيسي

يُذكر أن رئيسي يعد رجل قضائي، تسلم مناصب عديدة مهمة في السلطة القضائية، كما أنه رجل دين يحظى بمحبة واحترام المرشد الأعلى علي خامنئي، ويتولى منصبًا دينيًا في أهم المراقد الشيعية، فهو المسؤول عن مرقد الإمام الرضا، المكان الذي يقصده عدد كبير من الإيرانيين، سواء المتدينين المحافظين منهم، أو حتى من يُحسبون على فئات وتيارات أخرى، ويحظى رئيسي بدعم عدد كبير من رجال دين الحوزة العلمية، ويُجمع عليه المتشددون، وحتى المنتمين لأحزاب تنضوي تحت لواء التيار المحافظ، ووقف إلى جانبه الأمين السابق لمجلس الأمن القومي الأعلى سعيد جليلي.

ترتكز الجبهة المحافظة برئاسة إبراهيم رئيسي في خطابها على مقومات الداخل لبناء ما يسمى بالاقتصاد المقاوم، كما تدعو للابتعاد عن الغرب وعدم الالتصاق به

أما الدبلوماسي حسن روحاني فهو بالإضافة إلى اعتماده على فئة الشباب، يحظى بدعم شخصيات مهمة، كالرئيس السابق محمد خاتمي، الذي دعا الجميع للنزول إلى صناديق الاقتراع للتجديد لخطاب الأمل، كما قال.

كما أعلن حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، حسن الخميني، دعم روحاني بشكل علني، بالإضافة لآخرين غيرهم، كما أن روحاني معروف بعدائه للحرس الثوري الذي يتدخل في الاقتصاد، ودعا في أحد خطاباته في الأمس الحرس الثوري والباسيج لعدم التدخّل في هذه العملية، حسبما نقلت وكالة العمال الإيرانية عن روحاني خلال خطاب ضمن الحملة الانتخابية في مدينة مشهد.

روحاني رئيسًا لولاية ثانية وتحديات صعبة أمامه

بعد النتائج شبه النهائية التي أعلنتها أكثر من جهة بات من المنتظر إعلان فوز روحاني لولاية ثانية، وهذا سيتيح له مواصلة تطبيق سياسة الانفتاح على العالم التي بدأها بالاتفاق النووي التاريخي المبرم مع الدول العظمى في تموز/ يوليو 2015 خلال ولايته الأولى، كما سيكون أمامه ملفات اقتصادية كبرى، حيث يواجه الاقتصاد الإيراني العديد من المشاكل على الرغم من الإنجازات التي حققتها حكومته منذ العام 2013.

ففي خطاباته بالحملة الانتخابية ركز روحاني على الإنجازات التي تحققت منذ انتخابه في العام 2013 وذكر محاسن السياسات التي اتبعها لإنهاء عزلة البلاد وخلق مجتمع أكثر تحررًا، والاتفاق النووي مع الدول الكبرى.

حيث تمكنت حكومته في فترة حكمها البلاد من خفض التضخم من 40% إلى أقل من 10%، وخفضت نسبة البطالة إلى 12% وأنهت العقوبات الدولية بالتوصل إلى اتفاق نووي مع القوى العالمية الكبرى، وعادت مبيعات النفط الإيراني للانتعاش مجددًا وتسعى لإيصالها إلى 4 مليون برميل نفط يوميًا كما كان الوضع قبل فرض العقوبات الدولية، وعقدت الحكومة العديد من الصفقات التجارية كتجديد أسطول الطائرات المدنية بشراء عشرات الطائرات من "إيرباص" و"بوينغ" وعقد اتفاقات تجارية مع دول عديدة من بينها تركيا روسيا والصين بالإضافة إلى جذب استثمارات أجنبية إلى البلاد بشكل محدود.

إحجام البنوك الأوروبية عن التعامل مع طهران بسبب العقوبات الأمريكية عليها يمثل مشكلة سياسية واقتصادية لحكومة الرئيس حسن روحاني

إلا أن هذه الإصلاحات لا تزال تعترضها الكثير من المنغصات، إذ لا يزال الركود يسيطر على الاقتصاد الإيراني على الرغم من رفع العقوبات، والسبب يعود إلى أن الشركات والمؤسسات الأجنبية ما زالت متخوفة من استمرار العقوبات الأمريكية على إيران، وهو ما يحجب إيران عن تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها بشكل كبير ودخول الشركات والمؤسسات المالية الكبرى.

ولم يقف روحاني عند ذكر إنجازاته، بل انتقد الحرس الثوري الإيراني والدور الرجعي الذي تقوم به المؤسسة على الاقتصاد والانتكاسات التي لحقت بالاقتصاد الوطني الناجمة عن بسط الحرس سيطرته على كثير من القطاعات المهمة في البلاد.

فرغم جهود الحكومة وتأملاتها بتدفق الاستثمارات بعد رفع العقوبات، فإن سيطرة مؤسسة الحرس الثوري على معظم الشركات المالية والمصارف في إيران شكلت عائقًا كبيرًا أمام تعامل المؤسسات والدول مع طهران، وهذا ما شكل انتكاسة كبيرة لحكومة روحاني في الفترة الماضية وظهر أن رفع العقوبات لم تستفد إيران منه كثيرًا، وعرقل عقد صفقات تجارية كبيرة مع الخارج.

تمكنت حكومة روحاني في فترة حكمها منذ 2013 خفض التضخم من 40% إلى أقل من 10%

وحسب مراقبين فإن إحجام البنوك الأوروبية عن التعامل مع طهران يمثل مشكلة سياسية واقتصادية لحكومة الرئيس حسن روحاني لأن منتقديه المحافظين في البرلمان شكوا من أن الاتفاق النووي لا يقدم لإيران المزايا المرجوة.

الخلاف بين روحاني ومن يؤيده مع الحرس الثوري الإيراني ومؤيديه لا يعد جديدًا في الملف الاقتصادي، على الرغم من اتفاقهما على المسائل الخارجية، ففي الوقت الذي يرى الحرس الثوري أنه داعم رئيسي للحكومة في حل المشكلات المعيشية للمواطنين ومؤسساته جاهزة لتعبئة قدراتها لمساعدة الحكومة، يرى روحاني أنه من الضروري أن تكف المؤسسة العسكرية يدها عن مشاريع الاقتصاد ويتم فتح الباب أمام الشركات الأجنبية للدخول إلى الأسواق والاستثمار للمساهمة في رفع النمو الاقتصادي والتخلص من المشاكل التي يعاني منها المجتمع من فقر وبطالة وفساد.

أما مؤيدو الحرس الثوري فيرون أن الدور الاقتصادي الذي تقوم به هذه المؤسسة كفيل بإبعاد تهديد الأجانب عن البلاد، ورفع معدلات الإنتاج المحلي بهدف الاكتفاء الذاتي، ويتبنى الحرس الثوري نظرية الاقتصاد الممانع التي دعا إليها خامنئي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص الواردات مقابل رفع الصادرات.

لذا يواجه الرئيس حسن روحاني إلى جانب التحديات الاقتصادية إعادة صياغة علاقته مع الحرس الثوري بعد فشله في إبعادها عن الملفات الاقتصادية في البلاد في الفترة الرئاسية الأولى، ومن المتوقع في الفترة الرئاسية الثانية أن يذهب روحاني في خيار التعاون مع الحرس الثوري لتنمية الاقتصاد المحلي، ويوازن بين إرادة الانفتاح نحو العالم ورغبة المحافظين بالانغلاق وتطبيق الاقتصاد المقاوم.