ما أشبه الليلة بالبارحة، حين أغلقت السطات المصرية نحو 14 قناة تابعة للتيارات الإسلامية وأنذرت 4 آخرين في يوليو 2013 في أعقاب الانقلاب العسكري، في محاولة منها لإسكات أي صوت من المحتمل أن يكشف الجرائم الحقوقية التي كانت ترتكب في هذا التوقيت.

وبالأمس ذكرت مصادر أمنية أن القاهرة حجبت 21 موقعًا إلكترونيًا بزعم أنها كانت تدعو للتطرف وتشجع على الإرهاب، بعضها يعمل وفق ترخيص مصري ومسجل بالمجلس الأعلى للصحافة، وله كيان وعنوان معروف وطاقم إعلامي يمارس عمله منذ سنوات.

الأمور في مصر تسير من سيئ إلى أسوأ، والمشهد يزداد تعقيدًا، إلا أن الظاهرة الأكثر وضوحًا تتمحور في أن هناك رغبة واضحة لدى النظام الحالي في تفريغ الساحة السياسية والإعلامية إلا من صوت واحد وحزب واحد من أجل الوصول إلى هدف واحد، محذرًا كل من يفكر أن يغرد خارج السرب.

حجب 21 موقعًا

بحسب مصدر في وزارة الداخلية المصرية فإن المواقع المحجوبة بلغ عددها 21 موقعًا وهم: الجزيرة، عربى21، الشعب، الشرق، كلمتي، الحرية بوست، حسم، حماس، إخوان أونلاين، نافذة مصر، بوابة القاهرة، رصد، العرب، الراية، الوطن القطري، تليفزيون قطر، وكالة الأنباء القطرية،  المصريون، مدى مصر، هاف بوست عربي، مصر العربية.

المصدر الأمني أشار إلى أن حجب هذه المواقع جاء بسبب إما انتماؤها لجماعة الإخوان المسلمين أو نشرها لمواد تحث على التطرف والإرهاب، فضلاً عن تمويل بعضها من دولة قطر، وإجراءات الحجب جاءت وفقًا للقانون على حد قوله.

القاهرة تستجيب للسعودية والإمارات

بعد ساعات قليلة من إقدام السلطات في السعودية والإمارات والبحرين بحجب عدد من المواقع القطرية في أعقاب أزمة تصريحات أمير قطر - التي وصفتها السلطات القطرية بأنها "مفبركة" بعد اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية -  وعلى رأسها مواقع قناة الجزيرة وبعض الصحف القطرية الأخرى، سعت القاهرة هي الأخرى للسير على نفس الخطى وإن كانت غير معنية بالأزمة بين الدوحة وجيرانها الخليجيين.

التساؤلات عن سرعة القرار المصري بحجب تلك المواقع دفع بعض الصحفيين للذهاب إلى أن هناك تعليمات جاءت للقاهرة من كل من دبي والرياض للقيام بهذا الإجراء أسوة بهما في محاولة لتضييق الخناق على قطر من خلال محاصرة أذرعها الإعلامية هنا وهناك، أو تصيد الفرصة لتنفيذ ما تم تدبيره ليلاً.

الكاتب الصحفي محمود سلطان، رئيس تحرير جريدة المصريون، إحدى الصحف التي تم حجبها في مصر كتب في تغريدة له على حسابه الشخصي على "فيسبوك" يقول: الإمارات تأمر بحجب موقع "المصريون".

بينما فسر شقيقه جمال رئيس مجلس إدارة الصحيفة هذا الحجب بأنه بسبب انتقاد الصحيفة لموقف الإمارات، حيث كتب على حسابه الشخصي على "تويتر" يقول: "جهة مجهولة تتسبب في حجب شبه كامل لموقع صحيفة المصريون داخل #مصر في الساعات الأخيرة بعد انتقادها لموقف الإمارات".

بحسب الداخلية فإن المواقع التي تم حجبها هي: الجزيرة، عربى21، الشعب، الشرق، كلمتي، الحرية بوست، حسم، حماس، إخوان أونلاين، نافذة مصر، بوابة القاهرة، رصد، العرب، الراية، الوطن القطري، تليفزيون قطر، وكالة الأنباء القطرية، المصريون، مدى مصر، هاف بوست عربي، مصر العربية

إعلام النظام

تصريحات الرئيس المصري السابقة حيال الإعلام وأداء بعض مؤسساته ونوافذة يعكس قلق الرجل مما يثار في بعض الأحيان، وهو ما دفعه للانفعال أكثر من مرة رافضًا توجهات بعض الوسائل الإعلامية التي تغرد خارج السرب قليلاً، متوعدًا لها بلهجة تحمل التهديد حال استمرارها على نهجها الذي تسير عليه.

التصريحات التي جاءت على شاكلة "أنتم تضروا مصر جامد جدًا من غير ما تقصدوا وبكلمكم كمسؤولين عن بلد، مش مجرد رأي عام بس"، "عيب ما يصحش كدا، بحس الناس دي ولا عارفة أي حاجة، المرة الجاية هاشتكيكم للشعب"، "بحس إنه واحد ماسك قدامه مايك بيتكلم فيه وجرنال بيكتب فيه، لا يا جماعة دي دولة هتضيع مننا كده، كده بننشر الجهل بين الناس، وكأن المسائل بتتحل بالمفاتيح، وهذا لا يليق"، لخصت وبشكل قاطع حالة الجفاء الواضحة بين السيسي وبعض وسائل الإعلام المصرية، لكن يبقى السؤال: أي إعلام بالظبط يرغبه السيسي ونظامه؟

"عبد الناصر كان محظوظًا لأن الإعلام كان وراءه" جسدت هذه الكلمات القليلة نوعية الإعلام الذي يريده النظام المصري الحالي، فهو يسعى إلى إعلام مؤمم وصوت واحد ورسالة واحدة تدور جميعها في تأليه الحاكم والعزف على أوتار إنجازاته متوهمًا أنه بذلك يكون إعلاما وطنيًا.

ومن هنا سعت السلطات الحالية إلى محاولة الاقتراب من إعلام عبد الناصر بشتى السبل، حتى وإن كان ذلك على أشلاء حرية التعبير واستقلالية الصحافة، المهم أنه لا يعلو صوت فوق صوت المعركة، والمعركة هي النظام وحده.

https://www.youtube.com/watch?time_continue=1&v=Yo4GEqbioqA

الإعلام تحت المقصلة

يعاني الإعلام في مصر في الفترة الأخيرة من ممارسات سلطوية قاسية تسعى إلى تفريغه من كل ما ليس على هوى النظام، ولا تتوانى السلطات الحالية في استخدام كل الوسائل والأساليب الممكنة التي تسعى من خلالها إلى محاولة فرض الصوت الواحد والنافذة الواحدة.

في تقرير لـ"نون بوست" تطرق إلى التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" لحرية الإعلام، في نسخته 2017، والذي كشف الوضع المأساوي للصحافة في مصر، وذلك من خلال تراجعها في التصنيف لتصل إلى المركز الـ161 من إجمالي 180 دولة شملهم التقرير، لتدخل ضمن القائمة السوداء للدول الأكثر انتهاكًا لحرية الصحافة في العالم.

وتحت عنوان "تكريس الهيمنة واستكمال السيطرة" أطلقت جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات التابعة لنقابة الصحفيين المصرية تقريرها عن أوضاع الحريات في الصحافة المصرية خلال الأشهر الأربع الأولى من 2017.

التقرير رصد تعرض الصحفيين والإعلاميين لما يزيد على 203 انتهاكات خلال الربع الأول من هذا العام، تنوعت بين 93 حالة منع من التغطية، و52 حالة تعدٍ بالقول أو الضرب أو الإصابة، و10 وقائع إتلاف معدات، والقبض على 13 صحفيًا، بعضهم لا يزال قيد الاعتقال حتى الآن.

أما بشأن نوعية الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون، أشار التقرير إلى أن هناك 7 أحكام متنوعة بالحبس، و6 تحقيقات في بلاغات ضد صحفيين، وأحكام بغرامات مالية بحق 14 صحفيًا وإعلاميًا، و5 وقائع مصادرة ومنع مقالات من النشر، وقرار واحد بحظر النشر، فضلاً عن 4 بلاغات من مؤسسات في الدولة.

203 انتهاكات ضد الصحفيين في مصر خلال الربع الأول من 2017

الصحافة تحت مقصلة الأمن في مصر

لماذا الآن؟

بداية لا بد من الإشارة إلى أن تفسير ما حدث بالأمس بشأن حجب هذا الكم غير المسبوق من المواقع الإلكترونية لا يمكن أن يكون بمعزل عن الحملة التي تقودها الداخلية المصرية منذ أيام ضد الشباب المعارضين للنظام الحالي فيما يقرب من 15 محافظة في مختلف أنحاء الجمهورية.

تلك الحملة التي بدأت مع فتح ملف الانتخابات الرئاسية 2018، حيث تم اعتقال عدد من الشباب أعضاء حزب العيش والحرية "تحت التأسيس" التابع للمرشح الرئاسي السابق خالد علي، والذي تم إلقاء القبض عليه أيضًا واحتجازه 24 ساعة داخل قسم الدقي بالجيزة بسبب اتهامه بالقيام بفعل غير لائق خلال مشاركته في إحدى الفعاليات التظاهرية.

وبحسب البعض فإن استجابة القاهرة الفورية للسعودية والإمارات في غلق بعض المواقع سواء القطرية أو غير القطرية لا تتعلق في المقام الأول بمحاولة إرضاء العاصمتين الخليجيتين فحسب، وإلا فلما تم حجب مواقع لا علاقة لها بقطر أو الإخوان كـ"مدى مصر" مثلاً؟

ومن ثم يذهب هؤلاء إلى أن ما حدث كان أمرًا مدبرًا تم الإعداد له جيدًا بحيث يتم استغلال هذا الحدث وتضخيمه بصورة كبيرة من أجل اتخاذ إجراءات مشابهة لكن بصورة أكثر شمولاً وتوسعًا من تلك التي تمت في دبي والرياض، ويعود هذا إلى أمرين:

الأول: تصاعد حالة الاحتقان والسخط الشعبي نتيجة الأوضاع السيئة التي يحياها المصريون في الآونة الأخيرة، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام إلى التجاوب مع هذا الاحتقان وإبداء الرغبة في التحيز ولو قليلاً نحو الشعب، مما يعني تسليط سهام النقد تجاه النظام وسياساته التي أوصلت المصريين إلى تلك الحالة.

هذا التجاوب لم يكن على هوى النظام، ومن ثم كان لا بد من إجراء سريع لوقف هذه الممارسات الإعلامية التي تحرج السلطات أمام الشعب وترفع من منسوب السخط ضدها، لذا جاءت تلك القرارات التي تسعى إلى تقليم أظافر وسائل الإعلام التي تفكر في العزف منفردة خارج الكورال الوطني الذي اختاره النظام لنفسه، باختصار هي رسالة إنذار لكنها شديدة اللهجة.

الثاني: محاولة السلطات الحاكمة إخماد أي صوت من الممكن أن يحرجها أمام الشعب من جانب أو العالم من جانب آخر حين تقدم على اتخاذ بعض الإجراءات التي يعد لها داخل المطبخ السياسي منذ فترة والتي يتوقع النظام رفضًا شعبيًا لها، وفي مقدمتها مسألة تيران وصنافير، زيادة رقعة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن القرارات الاقتصادية القاسية التي تنتوي الحكومة اتخاذها خلال الفترة القادمة وأبرزها زيادة أسعار المحروقات والكهرباء وغير ذلك من الإجراءات التي تزيد من إرهاق المواطنين.

ذهب هؤلاء إلى أن ما حدث كان أمرًا مدبرًا تم الإعداد له جيدًا بحيث يتم استغلال هذا الحدث وتضخيمه بصورة كبيرة من أجل اتخاذ إجراءات مشابهة لكن بصورة أكثر شمولاً وتوسعًا

الكوميديا السوداء

على الرغم مما تعانيه أجواء المشهد من ضبابية وغموض جراء تلك السياسات التي تجهض حريات الإعلام بصورة كبيرة، وتعيد المصريين إلى عصر الستينات وما قبله، إلا أن رواد التواصل الاجتماعي تعاملوا مع الموقف بسخرية وتهكم أقرب للكوميديا السوداء.

الكاتب الصحفي سليم عزوز كتب على حسابه على "تويتر" يقول ساخرًا: "وبعد حجب المواقع.. واعتقال النشطاء.. وحبس خالد على.. المرحلة الجاية السيسي يملى حجره حجارة وينزل يجرى وراء المصريين في الشوارع"!

بينما آخر تعجب من تزامن الحجب في كل من مصر والسعودية والإمارات:

https://twitter.com/malahmad11/status/867579859249319936

وثالث يرى أن حجب المواقع بات ظاهرة عربية:

بينما كتب الحقوقي جمال عيد مغردًا يقول:

ومن ثم تسير القاهرة والعواصم العربية وفق تلك الإجراءات المتبعة إلى ما يشبه النظام الكوري الشمالي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحاكم، لامجال للأصوات المعارضة، ولا وجود للنوافذ التي تسير على عكس هوى النظام، إلا أن مثل هذه السياسات سلاح ذو حدين، وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.