يشكل شهر رمضان موسمًا مربحًا للكثير من التجار وأصحاب المنشآت وبالأخص المتعلقة بإنتاج الأغذية والمشروبات، ويعمد التجار عادة إلى زيادة إنتاجهم بالنسبة للمنتجين وإبقاء المتاجر مفتوحة لساعات أطول في هذا الشهر بالذات لتلبية الطلب المتزايد من قبل المستهلكين، حيث يشير الخبراء أن الطلب يرتفع في هذا الشهر بنسبة 25% عن بقية شهور العام، وهو ما يحفز التجار على زيادة الإنتاج للحاق بالطلب المتزايد. 

إلا أن الأسواق في مختلف البلدان العربي ومع حلول شهر رمضان تشهد حالة من الغليان في الأسعار بشكل لا تتوافق مع دخل المواطن ما يضغط على قدرته الشرائية ويحد من قدرته على شراء حتى حاجاته الأساسية، وهو ما سؤدي إلى انخفاض الطلب وكساد يصيب الأسواق. فما هي حال المواطن والأسواق العربية في رمضان هذا العام؟

أحوال الأسواق العربية ما قبل رمضان 

من أكثر الحبوب التي تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الإنتاج في شهر رمضان، الأرز والعدس نظرًا لزيادة الطلب عليها بشكل كبير في رمضان، ففي مصر يتراوح متوسط استهلاك الأرز الشهري بين 275 - 300 ألف طن بينما استهلاك شهر رمضان يرتفع بنسبة كبيرة تتراوح بين 600 و 700 ألف طن شهريًا وهذا بسبب موائد الرحمن، ومساعدات رمضان الإغاثية للعوائل الفقيرة والمحتاجة فضلا عن ازدياد استهلاك الأسرة في هذا الشهر.

وتتراوح أسعار الأرز في مصر في الفترة الحالية بين 5.6 جنيه و 8 جنيهات للكيلو الواحد، وشهدت مصانع المعكرونة ومضارب الأرز حالة من الانتعاش في الأيام التي سبقت رمضان، حيث تراوحت الطاقة الإنتاجية بين الـ80 - 100% لمختلف المصانع لتسليم احتياجات السوق في شهر رمضان، وأما المعكرونة فإن أسعارها شهدت ثباتًا نسبيًا بفضل ثبات أسعار القمح العالمية، إذ يبلغ كيلو المعكرونة المعبأ 5.7 جنيه وغير المعبأ 6 جنيهات، وقد دفعت استعدادات شهر رمضان المنتجين إلى رفع طاقتهم الإنتاجية لأكثر من 20% لمواجهة الزيادة في الطلب التي تبلغ 100 ألف طن بزيادة 20 ألف طن عن استهلاك الشهر الطبيعي. 

الطلب يرتفع في رمضان بنسبة 25% عن بقية شهور العام، وهو ما يحفز التجار على زيادة الإنتاج للحاق بالطلب المتزايد. 

فيما شهدت أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء في مصر ارتفاعًا كبيرًا مع بداية الشهر الحالي بمقدار 30% للحوم و40% بالنسبة للدواجن مقارنة بشهر أبريل/نيسان الماضي، ويشتكي المصريون من ارتفاع الأسعار بشكل لا تتوافق مع القدرة الشرائية المتآكلة للمواطن ولا مبالاة من قبل الحكومة على مراقبة الأسواق والأسعار. وبحسب رئيس شعبة القصابين باتحاد الغرف التجارية، هيثم عبد الباسط، فإن ارتفاع الأسعار يأتي نتيجة نقض المعروض في السوق من اللحوم الحمراء والبيضاء بالإضافة إلى كثرة الطلب من جانب المواطنين بالتزامن مع التحضير لشهر رمضان، وقيام المجازر بزيادة الأسعار بحجة ارتفاع أسعار الأعلاف في ظل تراجع الدور الرقابي لوزارة التموين، وأرجع رئيس شعبة الدواجن في اتحاد الغرف عبد العزيز السيد إن الأسعار ارتفعت بنحو 40% في المزارع مرجعًا أسباب الارتفاع في أسعار الدواجن لتصاعد أسعار الأعلاف خلال الفترة الماضية.

أما عن أسعار الخضار والفواكه فقد ارتفعت هي الأخرى ما قبل شهر رمضان، فقد سجل سعر الكيلوغرام من الطماطم 10 جنيهات، والبطاطس 5 جنيهات، والكوسا 5 جنيهات، والفاصولياء إلى 13 جنيها، وسعر الليمون وصل إلى 20 جنيهًا للكيلوغرام الواحد، وسط تأكيد المواطنين أن هذه الارتفاعات تعتبر "بروفة" استعدادًا لشهر رمضان الذي ترتفع فيه الأسعار بشكل مضاعف.

استهلاك الأرز في شهر رمضان بمصر يرتفع بنسبة كبيرة تتراوح بين 600 و 700 ألف طن شهريًا من نحو 300 ألف طن في الأشهر العادية 

وفي الجزائر شهدت أسعار السلع الغذائية منذ نحو أسبوع قبل رمضان ارتفاعات ملحوظة، حيث وصل سعر الكيلو غرام من لحم الخروف إلى 1800 دينار (16 دولارًا) وزاد سعر كيلو لحم العجل بنسبة 20%، ولم تسلم اللحوم البيضاء من الارتفاع إذ ارتفعت هي الأخرى من 270 دينارًا إلى 360 دينارًا. وبالنسبة للحبوب والخضار والفواكه التي يكثر الطلب عليها في رمضان فقد ارتفعت أسعارها بنسب تتجاوز 30%. علمًا أنه وفق هذه الأسعار لن يتمكن المواطنين من تأمين نصف الضروريات اليومية خلال رمضان بسبب زيادة الأسعار عن الحد المعقول من القدرة الشرائية لدخل المواطن. 

ويواجه السكان هذه الزيادة بدون تدخل من قبل الحكومة وحسب رئيس الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين بأن الزيادة الحالية التي سبقت رمضان يقف وراءها تجار كبار يحتكرون السلع وأن الأسعار ستستمر في الارتفاع حتى العشرة أيام الأولى من شهر رمضان.

واتجهت أسعار الخضار والفواكه للارتفاع بالمغرب بنسب تتراوح بين 50 - 100% في الأيام التي سبقت رمضان، بالشكل الذي ربطه تجار بارتفاع الطلب في الفترة الأخيرة عن حجم الكميات المعتاد عرضها بالأسواق. وترتفع نفقات الاستهلاك في المغرب بنحو 16.3% في شهر رمضان غير أن 82% من هذه الزيادة ترد إلى المنتجات الغذائية التي ترتفع أسعارها بنحو 37%.

لن يتمكن المواطنين في الجزائر من تأمين نصف الضروريات اليومية خلال رمضان بسبب زيادة الأسعار عن الحد المعقول من القدرة الشرائية للدخل

ومن بين الخضار التي شهدت ارتفاعًا في الأسعار، الطماطم إذ ارتفع سعرها من حوالي ثلاثين سنتًا إلى خمسين سنتاً للكيلوغرام الواحد، وسط ارتفاع أسعار أنواع أخرى من الخضراوات يكثر طلبها أثناء رمضان، مثل البصل الذي قفزت بعض الأنواع منه من خمسين سنتاً إلى دولار واحد للكيلوغرام. كما ارتفعت أيضًا أسعار االفواكه والبيض والأسماك التي تمثل 11.4% في سلة المنتجات الغذائية التي يشتريها المواطنين في رمضان. 

وفي السودان قفزت أسعار السلع بشكل كبير في الأسواق السودانية منذ نحو أسبوع، بالشكل الذي أثر على المواطنين وجعلهم يعزفون عن الشراء رغم إقبال شهر رمضان، إذ قدر تجار الزيادات في الأسعار بأكثر من 300% مقارنة بمستوياتها بداية العام الجاري، وأرجعوا ذلك إلى قلة المعروض وارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه السوداني بنحو كبير. 

ويُرجع محللين انفلات الأسعار إلى تحكم بعض التجار في الأسواق، بينما تنعدم الرقابة من قبل الحكومة على الأسعار، فارتفاع الأسعار غير مرتبط بندرة السلع، خاصة أن الغلاء يبقى أيضًا في المواسم التي تشهد وفرة في السلع. ووفق البيانات الرسمية في الكويت فقد شهدت ارتفاعًا كبيرًا على أساس سنوي قبل شهر رمضان، لتفرض ضغوط معيشية على الوافدين الموجودين في الكويت. 

ترتفع نفقات الاستهلاك في المغرب بنحو 16.3% في شهر رمضان

وقد وصل متوسط الزيادة في الأسعار إلى نحو 60% حسب تقرير صادر عن اتحاد الجمعيات التعاونية في الكويت، وأشار تقرير اتحاد الجمعيات، أن متوسط أسعار كرتونة الخضروات بمختلف أنواعها وصل خلال الشهر الجاري إلى 4.5 دولارات، مقابل دولارين في نفس الفترة من العام الماضي، بزيادة بلغت نسبتها 125%، كذلك سجلت أنواع الفاكهة زيادات بنسبة مماثلة. وقد  أعلنت الحكومة عن تخفيض أسعار 70 سلعة تعاونية بنسبة 20% لمدة 30 يومًا بمناسبة حلول شهر رمضان. وحمل محللين الحكومة في الكويت مسؤولية ارتفاع الأسعار حيث رقابة وزارة التجارة والصناعة على الأسواق والسلع غير كافية. 

وتعاني الكويت منذ فترة من ارتفاع مطرد في تكاليف المعيشة جراء رفع أسعار الننزين ومواد أخرى، وخطط الحكومة لفرض ضريبة القيمة المضافة، وقد دعت هذه الارتفاعات المواطنين وبشكل أكبر الوافدين إلى ترشيد الإنفاق على العديد من السلع والخدمات. 

بلغت الزيادة في الأسعار في أسواق السودان نحو 300% ما قبل شهر رمضان

أما في السعودية فالوضع هناك أفضل حالا من سابقاتها من الدول العربية، إذ أدت إعادة البدلات والمزايا التي كانت تشكل من 30 إلى 40% من الدخول الشهرية لدى الموظفين، إلى إنعاش الأسواق التجارية قبل رمضان حيث زاد الإقبال على شراء السلع في محال التجزئة وبالأخص المتعلقة بشهر رمضان.  

نصائح لشهر رمضان 

يتعلق شهر رمضان عند الكثيرين بأنه شهر التسوق، ويسرف البعض في الشراء سواءًا قبل رمضان أو خلاله في شراء حاجات مختلفة تفوق قدرته الشرائية أو حاجته الحقيقية، علمًا أن هذه العادة تؤدي إلى تآكل الدخل الشهري بشكل كبير في الوقت الذي يعطي رمضان فرصة ثمينة للمواطن للادخار والتوفير.   

ينصح خبراء اقتصاديون الصائمين بعدم التسوق وهم صيام، فدخول المتاجر والأسواق أثناء الصيام يجعل الشخص يشتري سلعًا كثيرة ليس بحاجة ماسة لها، أو أنه يشتري أشياء تفوق حاجته الحقيقية بحيث يكون مصير هذه الزيادة إلى القمامة. بينما التسوق بعد الإفطار سيكون أكثر رشدًا وحكمة.  

دخول الصائم للمتاجر والأسواق أثناء الصيام يجعله يشتري سلعًا كثيرة ليس بحاجة ماسة لها، أو أنه يشتري أشياء تفوق حاجته الفعلية 

إلى جانب هذا فإن رمضان يمثل فرصة جيدة لترشيد النفقات عدا أن فريضة الصيام تحض على الترشيد وعدم الإسراف في الطعام والشراب كما جاء في الحديث الشريف بتخصيص ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. ترشيد التفقات وبالأخص لذوي الدخل المحدود، يكون من خلال الشراء على قدر الحاجة، والمفاضلة بين أنواع السلع فإذا كان هناك سلعة مستوردة غالية الثمن وأخرى محلية الصنع ورخيصة فالأفضل شراء المحلية مادام سعرها أقل وجودتها جيدة. كما يمكن شراء الأطعمة والمشروبات من المراكز التي تبيع بأسعار مخفضة كالجمعيات التعاونية والمؤسسات الاستهلاكية التي تكون غالبًا مدعومة من الحكومة. 

ويُنصح أيضًا بعدم تخزين أي نوع من الأطعمة لأن الأسعار تكون مرتفعة بحال طبيعتها في رمضان بسبب تزايد الطلب، وكذلك لا يجوز مقارنة الأداء الاستهلاكي لعائلة ما بأداء عائلة مقتدرة ماديًا، فكل عائلة تشتري حسب حالتها المادية وقدرتها الشرائية.

ووسط انتشار ظاهرة جشع التجار والمحتكرين في الأسواق العربية حيث تقل رقابة الحكومة والجهات المختصة عليهم، فإن مقاطعة منتجاتهم سيكون سلاحًا فعالًا جدًا ويعد من أقوى الأسلحة لمواجهة جشع التجار والممارسات الاحتكارية في الأسواق التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير اعتيادي لا تخدم سوى جيوبهم ومصالحهم.