الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو خلال زيارة الأول لدولة الاحتلال الأسبوع الماضي

لخص ترامب في خطابه الأخير في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في جملة واحدة وبكل وضوح سياسة إدارته في المنطقة العربية وتفاصيل مهام "حلف الناتو العربي" عندما قال "داعش والقاعدة وحزب الله وحماس يمثلون تهديدًا إرهابيًا للمنطقة وعلى قادة الدول العربية والإسلامية طرد المتطرفين من بلادهم". 

وزع ترامب في جملته هذه المهام على الدول العربية، فالسعودية مهمتها تحجيم النفوذ السياسي والعسكري لحزب الله في لبنان واستكمال حربها على اليمن، ومصر تضبط الحدود مع سيناء المضطربة، مرتع تنظيم ولاية سيناء الموالي لداعش، إلى جانب تحجيم حركة حماس في غزة، أما سوريا (الملف الأعقد) فالمهام موزعة بين أكثر من دولة عربية وشرق أوسطية كالسعودية والأردن وتركيا وغيرها.

خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي في تحليل له، إلى أنه رغم الدعم الكبير الذي تبديه إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لـ"إسرائيل"، فإنها لا تستطيع الاعتماد عليه وحده في ضمان أمنها، وأنها لذلك تبقي الباب مفتوحًا مع جيرانها في الشرق الأوسط

خلص مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمريكي "STRATFOR" في تحليل له في شباط الماضي إلى أنه رغم الدعم الكبير الذي تبديه إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لـ"إسرائيل"، فإنها لا تستطيع الاعتماد عليه وحده في ضمان أمنها، وأنها لذلك تبقي الباب مفتوحًا مع جيرانها في الشرق الأوسط، وبينها السعودية ومصر وتركيا.

يبدو هذا التحليل اليوم صائبًا ومتناسبًا مع مخطط ترامب، حيث ذكر مسؤول أمريكي مع اختتام أعمال القمة العربية الأمريكية أن خطة ترامب للسلام الفلسطيني "الإسرائيلي" تستوجب التطبيع العربي مع "إسرائيل" أولًا، وفي نهاية المطاف فإن هذه المهام التي أوضحها ترامب في خطابه كلها تصب في خانة واحدة، وهي ضمان أمن "إسرائيل". 

على الرغم مما قيل عن ترامب بأنه كثير الأخطاء، فقد أصاب في فهم سلوك النظام العربي الإسلامي، حيث إن الخطاب الترامبي المبطن بالترهيب والإهانات يتم التجاوب معه عربيًا بفعالية، فالرئيس المصري والعاهل السعودي والعاهل الأردني بايعوا الرئيس الأمريكي في كلماتهم الملقية بالقمة العربية الأمريكية وأبدوا تعاونًا كاملًا مع السياسة الأمريكية الترامبية.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فسياسة الفوضى الخلاقة التي اعتمدها جورج بوش بعد هجمات 11 من سبتمبر في المنطقة العربية، تعود إلى الطاولة الأمريكية من جديد، كسياسة مفضلة لدى الجمهوريين

فيما يخص القضية الفلسطينية، فإن مطالبة ترامب السابقة للرئيس عباس بوقف مخصصات عائلات الشهداء والأسرى، ومطالبته قادة الدول في القمة العربية الأمريكية بطرد "المتطرفين" من بلادهم، يعني أن الأمر لن يتوقف على وصم حركة حماس بالإرهاب، وإنما كل ما يمس أمن "إسرائيل" وبأي طريقة كانت، وقد يوصم الرئيس عباس شخصيًا بالإرهاب إذا لم يتجاوب مع الخطاب الأمريكي مستقبلًا.

من جانب آخر كشفت مصادر دبلوماسية غربية أن الرئيس دونالد ترامب سيُعلن قريبًا مبادرة سياسية تُعيد إطلاق المفاوضات المباشرة الفلسطينية "الإسرائيلية" لفترة زمنية محدودة تراوح بين 12- 16 شهرًا على أبعد تقدير، من دون وقف الاستيطان.

وإن صدقت هذه المصادر وأطلقت المفاوضات، وإذا ما أردنا القياس بالمقارنة مع وتيرة الاستيطان التي شهدها العام الماضي، فإن فترة المفاوضات ستشهد ارتفاعًا في الاستيطان بنسبة لا تقل عن 40% في الضفة وحدها، ويكون حينها ترامب حقق أمنية "إسرائيل" بتطبيق المثل العربي الذي يقول "أحسن ما في الزمان طوله". 

بدأ عصر زرع الخراب والحصاد المر، عصر باتت الدول العربية فيه تنافس أمريكا في ضمان أمن "إسرائيل"

بلا أدنى شك هذه القمة العربية الأمريكية تشكل انطلاقة جديدة في العلاقات الأمريكية العربية الإسلامية، انطلاقة أقل ما يمكن وصفها بأنها انحدار بكل المقاييس التاريخية، وخروج عن الفكر والسلوك العربي الإسلامي، ينذر بكتابة فصل جديد في كتاب جديد عن الانحدار العربي الإسلامي.

بدأ عصر زرع الخراب والحصاد المر، عصر باتت الدول العربية فيه تنافس أمريكا في ضمان أمن "إسرائيل"، في مقابل تنافس الدول الأوروبية الغربية في السخرية من الرئيس الأمريكي ترامب.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فسياسة الفوضى الخلاقة التي اعتمدها جورج بوش بعد هجمات 11 من سبتمبر في المنطقة العربية، تعود إلى الطاولة الأمريكية من جديد، كسياسة مفضلة لدى الجمهوريين.

والدليل الحي على ذلك ما سمي بالقمة العربية الأمريكية، التي خرج بيانها الختامي بتلقي الضوء الأخضر من ترامب لبدء عملية ضبط إيقاع المنطقة العربية وإعادة هيكلة الأجهزة الضامنة لأمن "إسرائيل"، لاستكمال تقسيم ما تبقى من أجزاء أوطان، ورسم الخارطة النهائية للشرق الأوسط الجديد.