لرئيس الأمريكي، دونالد ترامب قبل أن يلقي خطابه في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في مركز الملك عبد العزيز للمؤتمرات، يوم 21 أيار/ مايو في الرياض، بالمملكة العربية السعودية

ترجمة وتحرير نون بوست

كتب كريم فهيم / إيرين كونينغهام​

حذّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال الخطاب الذي ألقاه أمام القادة العرب والمسلمين من الخطر الذي يشكله كل من المتطرفين وإيران. كما طالبهم ترامب بتوحيد صفوفهم والتركيز أكثر على هذه المسائل الخطيرة. كما أفاد ترامب أثناء الخطاب الذي ألقاه في الرياض، الذي دل على التحول الكبير الذي طرأ على مواقفه لينتقل في فترة وجيزة إلى السياسة الواقعية، أن "الهدف الوحيد الذي يتجاوز كل الاعتبارات، هو أن نصلي أملا في أن قد يُذكر هذا التجمع الخاص يوما ما باعتباره تاريخ بداية إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط".

في اليوم الذي تلى ذاك الاجتماع، عوض إرساء السلام، واجهت منطقة الشرق الأوسط موجة من النزاعات والتراشق بالاتهامات، وهو ما كان خير دليل على أن خطاب ترامب زاد الطين بلة، وعزز الانقسامات، وصعّب مهمة توحيد المنطقة. عموما، نشبت حرب كلامية غير متوقعة بين السعودية وقطر ما زاد من حدة الصراع الدفين بين البلدين حول النفوذ الإقليمي والرؤى المتناقضة في كثير من الأحيان.

ومع تزايد الاحتجاجات الأسبوع الماضي، شن زعماء كل من البحرين ومصر عمليات قمع شرسة على نحو غير عادي على المعارضين السياسيين في الداخل، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص واعتقال المئات. أما الزعماء الإيرانيون، ألد أعداء السعودية، حيثما أجريت مؤخرا الانتخابات الرئاسية وظفر حسن روحاني الرئيس المعتدل بولاية ثانية، فقد شنوا هجوما شرسا وأدانوا إبرام ترامب لصفقات أسلحة بمليارات الدولارات مع السعوديين. علاوة على ذلك، كشف الجانب الإيراني عن امتلاكه لقواعد صواريخ باليستية تحت الأرض.  

وحيال هذه المسألة، قال المحللون إن التوترات كانت بالتأكيد نتيجة لزيارة ترامب إلى الرياض. وبالتالي، أثار التأييد الأمريكي القوي للقيادة السعودية في العالم العربي، من خلال مبيعات الأسلحة، ذعر وقلق منافسي المملكة وحفيظة أعدائها، في حين رحب بها حلفاؤها والموالون السلطويون لها.

وعلى ضوء هذه الاضطرابات، يرى المحللون أن دعوة ترامب للتوصل إلى موقف مشترك ضد الإرهاب من غير المرجح أن تساهم في رأب الصدع وجبر الضرر الناجم عن الانقسامات. لذلك نوه المحللون بأن "ترامب قد أدلى بالخطاب لقادة العالم العربي الذين طبقوا هذا المصطلح (الإرهاب) بشكل واسع وعرضي، على المسلحين العنيفين وكذلك المدونين المناهضين للحكومة، وهو ما من شأنه أن يزيد من تعقيد هذا المصطلح".

وفي هذا الصدد، قال، فواز جرجس، وهو أستاذ سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، إن "دونالد ترامب يتبنى الآن موقف المملكة العربية السعودية ويعتبره حصنا استراتيجيا لواشنطن في العالم العربي والإسلامي". كما أكد جرجس أن زيارته "ذات صلة" بالاضطرابات التي تلت ذلك"، فكل "ما نراه الآن هو أن التحالف الذي تقوده السعودية يشعر بأنه قد مُنح سلطة واسعة. وبعد الحصول على هذه التزكية أصبح السعوديون الآن على أهبة الاستعداد للهجوم لذلك، يجب على الجميع أن ينضموا إلى هذا التحالف".

من جانب آخر، أفاد جرجس أن عواقب هذا التحول قد تتسبب في نشوب اضطرابات في المنطقة ستدوم لسنوات، ما من شأنه أن يغذي الحروب بالوكالة المتفشية في اليمن وسوريا، حيث تدعم كل من السعودية وإيران الجانبين المعارضين. كما يمكن أيضا لهذا الوضع أن يشعل فتيل الحرب بين الجبهات الجديدة، أي بين إسرائيل وحزب الله، حليف إيران، في أماكن مثل جنوب لبنان. وبالتالي، يبدو جليا أن "جميع الأطراف في الوقت الراهن تستعد للجولة القادمة".

فضلا عن ذلك، تجاهل المسؤولون الإيرانيون في البداية تعليقات ترامب المناهضة لإيران في الرياض، ولم يولوا القمة أي أهمية، حيث سخر وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، على حسابه على تويتر من صفقة الأسلحة المبرمة بين السعودية والولايات المتحدة. ولكن في الأيام التي تلت ذلك، تبنت الحكومة الإيرانية لهجة أكثر حدة وتحديا، حيث نددت بالهجوم الذي شنته البحرين ضد نشطاء المعارضة الشيعية وذلك كنتيجة مباشرة لزيارة ترامب.

يوم الخميس كشفت إيران النقاب عن ثالث قاعدة تابعة لها للصواريخ الباليستية  تحت الأرض، ولعل إنتاج طهران الصاروخي كان مصدرا للخلاف بين إيران والولايات المتحدة. وفي هذا الصدد، صرح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في طهران يوم الثلاثاء، بأنه "يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يعلموا أنه كلما احتجنا إلى اختبار صاروخ لأسباب تقنية، سنجريه، ولن ننتظر نيل إذنهم".

في الحقيقة، يعد تصريح روحاني دليلا على تركه الخطاب التصالحي الذي كان يعتمده خلال حملته الانتخابية. كما تحدث روحاني باعتباره مساعد عسكري رفيع المستوى مع المرشد الأعلى لإيران وأدان بشدة صفقة الأسلحة، حيث اعتبرها محاولة لزعزعة استقرار المنطقة. وفي الوقت الذي يستعد فيه العالم العربي للمواجهة المتصاعدة بين السعودية وإيران، اندلعت معارك أخرى الأسبوع الفارط بين السعودية وقطر، اللتين دخلتا في منافسة شرسة منذ الانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011.

والجدير بالذكر، أن ما أشعل فتيل العداء بين البلدين، تقرير نشرته وكالة الأنباء القطرية يوم الأربعاء، الذي نقل تصريحات مزيفة للأمير القطري ينتقد فيها الخطاب الذي ألقاه ترامب في قمة الرياض بما في ذلك هجوم ترامب وغيره من الزعماء على إيران وإدانة حماس وحزب الله، للجماعات الفلسطينية واللبنانية.

عقب ذلك، قالت قطر إن الأمير لم يدلي بمثل تلك التصريحات أبدا وأن وكالة الأنباء الحكومية قد تعرضت للاختراق. ولكن ذلك لم يمنع السعودية من توجيه نقد لاذع لقطر وذلك عن طريق قنوات الإعلام السعودية، مما يشير إلى أنها لن تتسامح مع أي بلد يخالف التحالف الذي تقوده. وفي عمود صحفي سعودي تحت عنوان "من يحكم قطر" على موقع "العربية" الإخباري، أشر إلى أن قطر نأت بنفسها عن التحالف وتبنت مواقف مختلفة في القضايا التي تشكل خطرا مشتركا على المنطقة بأسرها".

كما أثارت زيارة ترامب، التي شملت ما أُعتبر على نطاق واسع تعهدا بعدم إلقاء محاضرة حول انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، المخاوف من تكثيف القمع المحلي في المملكة العربية السعودية والدول الواقعة في مدارها، بما في ذلك البحرين والإمارات العربية المتحدة ومصر. وكان خير دليل على تحقق هذه المخاوف، العنف الذي مارسته الحكومة البحرينية ضد المعارضين الأسبوع الماضي.

في الحقيقة، واجهت الدولة الجزرية الصغيرة، الحليف  السعودي والشريك الموثوق به من قبل الولايات المتحدة، وابلا من الانتقادات بسبب قمع الحكومة لأصوات المعارضة، كما اتهمت باعتماد التمييز الممنهج ضد الأغلبية الشيعية في البحرين.

خلال الاجتماع الذي جمع بين ترامب وملك البحرين في الرياض الأسبوع الماضي، وعد ترامب بأن تُقطع علاقتهما مع "نزاعات" السنوات السابقة، وكان ذلك في إشارة إلى  التوبيخ الذي كانت إدارة أوباما توجهه بشكل دوري للبحرين بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان. ويوم الثلاثاء؛ أي بعد يومين من الاجتماع، داهمت القوات البحرينية اعتصاما للمعارضة خارج منزل رجل الدين الشيعي الأكثر إجلالا في البحرين، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص في أشد المواجهات دموية منذ الانتفاضة المنادية بالديمقراطية، التي جدت في سنة 2011.

وفي اليوم نفسه، اعتقلت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر أحد أبرز محامي المعارضة في البلاد والمنافس المحتمل للسيسي في الانتخابات التي ستجري العام المقبل. تلقى السيسي، الذي ظهر في صورة انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي بجانب ترامب والملك السعودي خلال الاجتماع في الرياض، دعما سياسيا وماديا ومساعدات تقدر بمليارات الدولارات من السعوديين في السنوات القليلة الماضية.

والجدير بالذكر أن  المحامي المعتقل، خالد علي، لعب دورا بارزا من خلال الجهود القانونية الرامية لوقف خطة الحكومة لنقل سيادة جزيرتين في البحر الأحمر من مصر إلى السعودية، ولم يتضح بعد ما إذا كان الاعتقال مرتبطا بالمؤتمر السعودي. وفي شأن ذي صلة، قال جمال عيد، وهو من المدافعين المصريين عن حقوق الإنسان، إنه في الأسابيع الأخيرة "وقع احتجاز عشرات الأشخاص في مصر بمن فيهم خصوم الحكومة اليسارية والليبرالية، فضلا عن العمال والنقابيين".

علاوة على ذلك، لم تكتف الحكومة المصرية بهذه الانتهاكات، بل لجأت أيضا إلى حجب ما لا يقل عن 21 موقعا إخباريا على الإنترنت هذا الأسبوع، بما في ذلك بعض القنوات قطرية المنشأ أو الجنسية، بالإضافة إلى قناة "مدى مصر" وهي بوابة إخبارية ينظر إليها على نطاق واسع على أنها آخر قناة مصرية مستقلة. لذلك قال العيد إن "هذه الحملة ليست حديثة العهد، إلا أنه بعد الاجتماع الذي عُقد في الرياض و"الضوء الأخضر" الذي أعطاه ترامب  تزايدت وتيرة الاعتقالات والرقابة".

المصدر: واشنطن بوست