رغم كل ما قيل عن حرب على الفساد في تونس، استهدفت رجال أعمال وبارونات تهريب وديوانة (الجمارك) وسياسيين، وإيداع بعضهم في السجن ووضع آخرين تحت الإقامة الجبرية بشبهة التورّط في ملفات فساد والمس بأمن الدولة، فقد عاد البرلمان التونسي اليوم لمناقشة مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي يشرع للفساد ويتنافى مع العدالة الانتقالية، حسب معارضيه، مما يؤكد ضعف الإرادة السياسية لوضع حد لظاهرة الفساد التي أربكت الاقتصاد التونسي وأثرت سلبًا على المجتمع.

تواصل النقاش عن مشروع القانون

خلافًا لما تم إشاعته عن سحب مشروع قانون "المصالحة الوطنية في المجال الاقتصادي والمالي" أو إرجاء النظر فيه، تواصل لجنة التشريع العام في البرلمان التونسي، يوم السابع من يونيو المقبل، مناقشة مشروع هذا القانون حسب ما صرّح به المكلف بالإعلام في مجلس نواب الشعب حسان الفطحلي لنون بوست.

المصالحة مع رجال الأعمال المتهمين في قضايا الفساد ستحقق أرباحًا كثيرة لاقتصاد بلادهم المتعثّر

ويقرّ مشروع قانون المصالحة الاقتصادية حسب نسخته الحالية الموضوعة تحت أنظار لجنة التشريع العام بالبرلمان، العفو عن قرابة 400 رجل أعمال تورطوا في قضايا فساد، والعفو عن الموظفين العموميين وأشباههم بخصوص الأفعال المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام، ما لم تكن تهدف إلى تحقيق منفعة شخصية، وتستثنى الرشوة والاستيلاء على الأموال العمومية، خلال فترة حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987 - 2011)، من الانتفاع بهذه الأحكام.

مشروع القانون الجديد الذي تسعى الرئاسة التونسية للحصول على تأييد داخل مجلس نواب الشعب لتمريره، ينصّ على إحداث لجنة مختصة للإسراع في إجراءات الصلح مع رجال الأعمال وموظفي الدولة، ويبرّر داعمو المشروع، هذا التوجّه، إلى أن المصالحة مع رجال الأعمال المتهمين في قضايا الفساد سيحقق أرباحًا كثيرة لاقتصاد بلادهم المتعثّر، وسيحسّن مناخ الأعمال ويشجع على الاستثمار وتعبئة موارد الدولة.

تناقض مع "الحرب على الفساد"

حرصت الرئاسة التونسية وحركة نداء تونس وبعض الأطراف المحيطة بهم على تمرير مشروع هذا القانون الذي صادقت عليه الحكومة التونسية في الـ14 من يوليو 2015، بعد أن اقترحه رئيس البلاد الباجي قائد السبسي، بهدف طي صفحة الماضي وإغلاق الملفات المرتبطة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام، حسب ادّعائهم، يؤكّد زيف الحملة الأخيرة ضد بعض رجال الأعمال التي وصفتها الحكومة بـ"الحرب على الفساد".

وما فتئت الحكومة التونسية، التي تعمل بأوامر السبسي، تؤكّد في الفترة الأخيرة عزمها المضي في حربها على الفساد، على حدّ تعبير رئيسها وباقي أعضائها، حيث قال يوسف الشاهد في الـ24 من الشهر الحالي في تصريح مقتضب: "أنا ككل التونسيين في الحرب على الفساد وأنه لا خيار له إما الدولة وتونس أو الفساد وأنا أخترت تونس".

تواصل حملة الاعتقالات في صفوف متهمين بالفساد 

ويؤكّد الإصرار على تمرير مشروع هذا القانون، رغم معارضة عديد من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وطيف كبير من الشعب التونسي، تواصل منظومة الفساد التي كانت تحكم البلاد وخياراتها السياسية والاقتصادية الفاشلة، ومحاولة الالتفاف على المحاسبة كحلقة رئيسية ضمن مسار العدالة الانتقالية وتشريع الإفلات من المحاسبة والتطبيع مع الفاسدين، حسب عديد من المراقبين.

وتحتل تونس المركز الـ75 عالميًا في مستوى مؤشر معايير الفساد بالقطاع العام لسنة 2016، والمركز الـ7 عربيًا من ضمن 176 دولة، بينما كانت تصنف في المركز الـ59 عام 2010، وفق منظمة الشفافية الدولية.

آلاف ملفات الفساد لم تراوح أدراج المكاتب

الإصرار على تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية، يقابله تجاهل لآلاف ملفات الفساد التي وصلت إلى مكاتب هيئة مكافحة الفساد بتونس (دستورية مستقلة) التي تأسست أواخر 2011 خلفًا للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة، التي تم إنشاؤها مباشرة بعد الثورة في السنة نفسها.

وتقول الهيئة، إنها تلقت أكثر من 12500 ملف فساد، وتعتبر قطاعات قوات الأمن والمالية والقضاء من أكثر المؤسسات تضررًا من الفساد، حسب رئيس الهيئة "شوقي الطبيب"، الذي قال في وقت سابق: "يمكن اعتبار أن قطاعات قوات الأمن والمالية والمرافق القضائية والصحة هي التي ورد فيها أكبر عدد من ملفات الفساد، إذ ورد إلى الهيئة نحو 500 ملف ضد وزارة الداخلية".

الفاعلون الاقتصاديون الذين مولوا الحملة الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية التي وصلت إلى الحكم بعد انتخابات 2014، أصبحوا يؤثّرون مباشرة في تعيين الوزراء

وحسب أحدث تقرير لمنظمة "مجموعة الأزمات الدولية"، عن تونس، فإنّ نحو 300 "رجل ظل" يتحكمون في أجهزة الدولة بتونس ويعرقلون الإصلاحات، وبعضهم يعطل تنفيذ مشاريع تنموية بالمناطق الداخلية ويحرك الاحتجاجات الاجتماعية فيها.

وحذرت المنظمة في تقريرها الذي حمل عنوان "الانتقال المعطَّل: فساد وجهوية في تونس" من أن مظاهر الإثراء من المناصب السياسية والإدارية والمحسوبية والسمسرة أصبحت تنخر الإدارة والطبقة السياسية العليا في تونس (الأحزاب، البرلمان..)، وعموم المواطنين أصبحوا يعتبرون أجهزة الدولة أجهزة "مافيوزية."

مطالب بالتصدي للفساد في تونس

ووفقًا للتقرير فإن الفاعلين الاقتصاديين الذين مولوا الحملة الانتخابية لبعض الأحزاب السياسية التي وصلت إلى الحكم بعد انتخابات 2014، أصبحوا يؤثّرون مباشرة في تعيين الوزراء وكتاب الدولة وكوادر الإدارة المركزية والجهوية والمحلية بما في ذلك الديوانة وقوات الأمن الداخلي.

ومنذ العام 2012 لم يلمس التونسيون أي تحركاتٍ جدية لمكافحة الفساد، رغم تكرار الحديث عن خطط لمكافحته والحدّ منه، وأظهرت بيانات إحصائية سابقة للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن الفساد وغياب آليات الحوكمة الرشيدة تسبّب في خسائر مالية لخزينة الدولة التونسية تُقدر بنحو ملياري دينار (851 مليون دولار) سنويًا.