لطالما كان الحديث عن حرية الدين والمعتقد أمرًا محدودًا ومثيرًا للحساسية، أما الحديث عن الأقليات والحريات الدينية فهو الأمر الذي تتجاهله الكثير من الدول، ليس بسبب القلة العددية لهذه الفئات وإنما لتدخل هذه المسألة في صلب القضايا السياسية واستقرار المجتمعات، لهذا يكون التعامل مع هذه الأقليات صارمًا وأحيانًا كثيرة غير عادل.

على الرغم من أن التركيبة المجتمعية والثقافية لدول العالم مبنية على الاختلاف والتنوع، فإن أبرز مشاكلها تكمن في صعوبة تقبل هذه الأقليات المختلفة في الدين، والتي تجبرها السلطات في أحيان كثيرة على الانخراط مع الأكثريات والتخلي عن معتقداتهم.

ظهور مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان في القرن العشرين جعل أمر تجاهل  الأقليات الدينية صعبًا

ما يمنع بعض الدول من السماح لهذه الأقليات الدينية بممارسة حرياتها أنها تعتبر وجود الأقليات بينهم دليل ضعف، وذلك لأن القوى الاستعمارية في الماضي كانت تستخدم هذه الأقليات في زعزعة وتقسيم الدولة وإضعافها، إلا أن تنامي هذه الظاهرة العالمية وظهور مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان في القرن العشرين جعل أمر تجاهل هذه الأقليات صعبًا، خصوصًا في وجود جمعيات ومنظمات دولية تعمل بشكل أساسي على سن قوانين وفرض مطالب للاعتراف بوجود وهوية هذه الفئات الدينية.


مع تفاقم هذه المشكلة وتعرض الأقليات الدينية للترويع والقمع، شهد العالم جهودًا كبيرةً ومنظمةً لجمعيات ومراكز مختصة في قضايا الحقوق والحريات الدينية للحفاظ على السلام ووحدة المجتمعات، ففي العالم العربي اجتمع أكثر من 300 شخصية من علماء المسلمين وممثلي الدول الإسلامية والطوائف الدينية في العالم لتوثيق إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

دعا هذا الإعلان إلى المساواة بين جميع البشر بغض النظر عن الدين، وأن كل الفوارق والاختلافات الموجودة بين البشر ليست نقطة ضعف، أيضًا ركز الإعلان على وجوب تأصيل مفهوم المواطنة لاستيعاب كل الأقليات والتصدي لكل ثقافة تغذي الفتن بين الأقليات الدينية، وأضاف ضرورة اتخاذ المسؤولين السياسيين تدابير وقوانين لإحياء مفاهيم التعايش المشترك في المجتمع.

الدول الأكثر جرمًا بحق هذه الأقليات، روسيا والصين وإيران وجمهورية إفريقيا الوسطى وبورما.

كما دعا الإعلان المثقفين والمبدعين إلى تأسيس تيار مجتمعي عريض لإنصاف الأقليات والطوائف الدينية لمعالجة الصدمات التي لحقتها من الأحداث الأخيرة، وممثلي الطوائف إلى التصدي لازدراء الأديان وكل خطابات التحريض على الكراهية والعنصرية.

أما عالميًا أصدرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية تقريرًا رصدت فيه حال الأقليات الدينية في العالم وحددت أكبر مشاكلها وسردت التاريخ الدموي الذي عاشته كل جماعة، كما عددت الدول الأكثر جرمًا بحق هذه الأقليات، ومن هذه الدول روسيا والصين وإيران وجمهورية إفريقيا الوسطى وبورما وفيتنام.

الصين

أفصح استطلاع مركز "جالوب" الأمريكي أن أقل الدول تدينًا هي الصين و90% من مواطنيها ملحدين، إلا أن فيها جماعات تعتنق الأديان التقليدية مثل البوذية والطاوية والمسيحية والإسلامية، وتسمح لهم الدولة بممارسة شعائرهم في المواقع التي وافقت عليها السلطات لكن بدرجة محدودة ومقيدة حتى لا تنشر هذه الفئات دعوتها بين المواطنين.

شملت حملات القمع هدم لبعض الجوامع وطرد الآلاف من الرهبان والراهبات بعد أن هدمت مساكنهم.

في مؤتمر العمل الديني المركزي أكدت الصين أن الجماعات الدينية الموجودة بين مدنها يجب أن تدمج نفسها مع الثقافة الصينية وتبتعد عن الشؤون السياسية والحكومية وأي نشاطات دينية أجنبية.

يشير التقرير أيضًا أن في أثناء عام 2016 زادت سلطة الرئيس الصيني شي جين بينغ وفي المقابل قلت الحريات الدينية وانحسرت الحقوق، فالسلطات الصينية تستهدف أي رجل دين أو ناشط حقوقي قد تشك أنه يهدد أمن مجتمعها، ليس هذا فقط بل فرضت عواقب على الأنشطة الدينية التي تعتبرها غير قانونية.

 يذكر أن مناطق شينغانغ والتبت والإيغور ذات الأقليات الدينية المسيحية والمسلمة شهدت فترات من التوتر والاضطهاد الديني من قبل الحزب الشيوعي الحاكم في الصين، وشملت حملات القمع هدم لبعض الجوامع وطرد الآلاف من الرهبان والراهبات بعد أن هدمت مساكنهم، وواصلت الاعتقال والسجن والتعذيب لدعاة الحرية الدينية والمدافعين عن حقوق الانسان، لتُدرج الصين من الدول الأكثر انتهاكًا للحرية الدينية.

إيران

يكشف التقرير عن السجل الإجرامي للانتهاكات الفظيعة والمستمرة والمنظمة للحرية الدينية في إيران، كما يشير إلى الفئات المعرضة لهذه العقوبات الشديدة كالبهائيين والمسيحيين والمسلمين السنة والصوفيين، فمنذ انتخاب حسن روحاني عام 2013 والمضايقات تزيد والاحتجازات تطول وقد يصل الحد إلى الإعدام على أساس الدين فقط، إذ اعتقل 600 مسيحي العام الماضي وسجن 90 بهائيًا منذ بداية هذا العام.

يضيف التقرير أن إيران شهدت تآكلاً في التسامح والتقبل الديني، فالأقليات الدينية الموجودة هناك مهددة على الدوام، وذلك لما تلقاه من سجن وتضييقات وترهيب بسبب اختلاف معتقداتهم.

السعودية

خلال العام الماضي وتماشيًا مع خطة الحكومة السعودية لعام 2030 من أجل تطوير البلاد اقتصاديًا وثقافيًا، وتزامنًا مع الإجراءات التي اتخذتها للتخفيف من سلطة أجهزتها كتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هناك تحسن في ظروف الحرية الدينية في البلاد إلا أن هذا التقدم لا يعد سوى خطوة من ألف ميل.

يوجد في السعودية 10 مليون عامل أجنبي، يقدر مليونان منهم على أنهم غير مسلمين ومسيحيين أو ممارسين لديانات شعبية.

يقول التقرير إن دولة السعودية لا تزال تخص نفسها بتفاسير وأحكام الشريعة الإسلامية وتعتبر نفسها المركز والمصدر الأساسي لهذا الدين، بجانب أنها لا تسمح بتاتًا بإنشاء أي دور عبادة لغير المسلمين وتعمل على محاكمة المعارضين لها أو لشرعية الدين الإسلامي.

يوجد في السعودية 10 مليون عامل أجنبي، يقدر مليونان منهم على أنهم غير مسلمين ومسيحيين أو ممارسين لديانات شعبية، و10-15% من المسلمين الشيعة.

تعتبر المملكة السعودية من أدنى الدول العربية التي تمنح الحريات الدينية وخاصة للمرأة، إذ تمنع أي منظمات أو جمعيات حقوق إنسان من إجراء أي دراسة أو بحث يخص الحرية الدينية في البلاد.

أوزباكستان

سجل انتهاكات الحرية الدينية يضم أكثر من 13.500 سجين ديني وسياسي، منذ العام الماضي والحكومة الأوزبكية تسن عقوبات ومخالفات على كل من يخالف أو يعارض قوانينها الدينية، يذكر التقرير أن الحكومة اعتقلت مئات المسلمين لممارستهم شعائر لا تمت بصلة للمصادر الدينية الرسمية المكتوبة، وبناءً على ذلك سجنتهم الحكومة بتهمة الإرهاب والتطرف، أيضًا تعرضت طوائف البروتستانتية إلى العديد من المضايقات والتجاوزات كرميهم بالغازات وفرض غرامات عليهم.

قانون الحرية الدينية في أوزبكستان يحد بدرجة كبيرة من هذه الحريات ولا يسمح بممارسة أي أنشطة أو إنتاجات دينية مختلفة عن الدين الإسلامي، إلا بموافقة ومتابعة من قبل السلطات.

93% من سكان أوزبكستان من المسلمين السنة الذي يتبعون المذهب الحنفي، و1% من الشيعة، و4% من الروس الأرثذوكس والأقليات الأخرى من الرومان الكاثوليكيين واليهود.

روسيا

تمثل روسيا حالة فريدة بين الدول المذكورة في التقرير، لأن سيل انتهاكاتها لا يتوقف فقط على سكانها وإنما وصلت سياساتها القمعية إلى الدول المجاورة لها.

سنت روسيا قوانين تجرم فيها الخطابات الدينية الخاصة أو أي أشخاص لهم علاقة بالإسلام "المتطرف" كما تصفه، ويشير التقرير أن مجموعات من المسلمين تمت محاكمتهم بسبب تهم ملفقة لهم بالإرهاب والتطرف في مناطق شمال القوقاز والشيشان، حيث يوجد فيها 7% من المسلمين وغيرهم من البوذيين والهندوس واليهود الذي يتعرضون جميعهم للتفرقة والعنصرية وبدرجات متفاوتة.