ليلة أمس وصلني خبر تفجير منارة الحدباء التاريخية في قلب مدينة الموصل القديمة وأنا في الطريق لصلاة التراويح بمسجد الفاتح في مدينة إسطنبول التي أقطنها منذ مغادرتي لمدينتي الموصل.

وقع الخبر مثل الصاعقة، حاولت خلال الدقائق ما قبل إقامة الصلاة البحث عن أي شخص أو موقع يكذب الخبر لكن عبثًا أحاول، وغرقت في الحزن ولم أجد القشة التي أتعلق بها.

تخيل معي القاهرة دون الحسين أو الأزهر، إسطنبول دون الفاتح أو آيا صوفيا، بغداد دون الإمامين الكاظم وأبي حنيفة، تونس دون الزيتونة، دمشق دون الأموي، أربيل دون قلعتها والبصرة دون النخيل، هذا حال الموصل دون الحدباء وذو النون!

بكيت في الصلاة حزنًا على مدينتي ومئذنة جامعها النوري الكبير التي أصبحت رمزًا للمدينة منذ أن بناها السلطان نور الدين زنكي عام 1172 قبل نحو 9 قرون من الزمن، لم أنتبه لنظرة الناس التي تعتقد أن الخشوع في ليلة القدر دفع دموعي لأن تنساب على لحيتي، ولم أتمالك نفسي فقررت المغادرة وإكمال الصلاة في المنزل وكتابة بعض ما يجول في خاطري للتخفيف عن هذا المصاب الذي ضاعف حزني على من سقط من الشهداء على أرض مدينتي وأبت الحدباء إلا أن ترحل معهم.

خلال ثلاث سنوات من حكم داعش لمدينتي الموصل فقدنا الكثير من المساجد والمباني التاريخية والمتاحف والمكتبات والآلاف من الشهداء والجرحى، كل ذلك مؤلم وحزين، لكن ما فقدناه بتفجير الحدباء وجامع نبي الله يونس مختلف عن كل ذلك تمامًا.

تخيل معي القاهرة دون الحسين أو الأزهر، إسطنبول دون الفاتح أو آيا صوفيا، بغداد دون الإمامين الكاظم وأبي حنيفة، تونس دون الزيتونة، دمشق دون الأموي، أربيل دون قلعتها والبصرة دون النخيل، هذا حال الموصل دون الحدباء وذو النون!

الحدباء بالنسبة للموصل هي الشاهد على مجدها وما قدمه الآباء من حضارة ومشاركة في الإرث العالمي والإسلامي، الحدباء تعتبر ذرة الغبار التي تدخل الصدفة لتضخ عليها ما تمتلك من جمال فتخرج اللؤلؤة، مركزها وسبب نشوئها تلك الذرة.

فقدان كل هذا يجعل المدينة قابلة لإعادة إنتاج الهوية، وقد تكون هوية ممسوخة أو مشوهة، وهشة تجاه أي رياح تغيير، واقتلاع الناس من جذورها لتكون سهلة التحريك، وكسر تلك الصلابة التي تتمتع بها مدينة قديمة وكبيرة مثل الموصل، كل هذا وأكثر حدث في مدينتي الحدباء التي لم تعد موجودة!

خطورة فقدان المدن لرمزيتها وما يجعلها مختلفة عن بقية بقاع الأرض يفك الارتباط البشري بالأرض، ويجعل تمسك الناس بمدينتهم هشًا، خاصة إذا كان كسر الرمزية ممنهجًا وتم بطريقة واضحة كما حدث في الموصل، قبل ثلاث سنوات بدأت القصة بتفجير جامع النبي يونس عليه السلام، وهو الجامع الذي يرمز لنينوى، أهل الموصل يفتخرون بما نزل من القرآن الكريم على آبائهم في سورة يونس: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} (98). 

ثم استمر المسلسل بهدم كل ما نفتخر به من متاحف ومواقع أثرية ومساجد ومكتبات وصولًا للحظة الفارقة بتفجير منارة الحدباء وجامع النوري الكبير الذي يحتوي على محراب يعود لأيام الفتح الإسلامي للمدينة سنة 17 هجرية.

فقدان كل هذا يجعل المدينة قابلة لإعادة إنتاج الهوية، وقد تكون هوية ممسوخة أو مشوهة وهشة تجاه أي رياح تغيير، واقتلاع الناس من جذورها لتكون سهلة التحريك، وكسر تلك الصلابة التي تتمتع بها مدينة قديمة وكبيرة مثل الموصل، كل هذا وأكثر حدث في مدينتي الحدباء التي لم تعد موجودة؟!