منذ اندلاع ثورات الربيع العربي تأتي الأجواء الرمضانية وما يتبعها من احتفالات عيد الفطر في خضم أجواء مشحونة وغير مستقرة، قد تمنع المسلمين في القطر الإسلامي أنفسهم من قضاء وقتًا ممتعًا في العيد، بل قد تنتزع فرحته كليًا فلا يمر العيد كما كان من قبل، فيكون المسلمون في الأقطار المسلمة في صراع على الحفاظ على الهوية الدينية في خضم تلك المتغيّرات، ولكن ماذا عن حال الأقليات المسلمة في أقطار العالم المختلفة؟

ربما ان اختلفت ظروف الأقطار المسلمة من قطر لآخر، إلا أنها مازالت تتشارك عادات العيد التي تتشابه  في عمومها وتتميز في خصوصها، فإن جاء العيد حزينًا على بعضها، فمازال دفء العلاقات الاجتماعية يعوّض ذلك الحزن، كما أنهم لا يواجهون التحدي الأكبر الذي يواجهه المسلمون في الخارج، وهو تحدي المحافظة على الهوية الإسلامية.

تعد هجرة المسلم في البلاد ذات الأقليات المسلمة عملة ذات وجهين، فهو سيفقد بهجرته تلك أغلب مبادئ التماسك الاجتماعي التي اعتاد وتربى عليها في مجتمعه الأصلي، وستتغير لديه العديد من القيم أو على الأقل وجهات نظره الخاصة نحو تلك القيم، وخصوصًا إن كانت البلد التي إضطر للحياة فيها من إحدى البلاد غير المتسامحة مع تواجد الجالية المسلمة على أرضها.

من الممكن أن يمنع الخوف المسلم من ممارسة عقيدته الدينية بحرية و وانفتاح في المجتمعات الغربية كما كان يفعل وسط مجتمعه الأصلي، خصوصًا بعد العمليات الإرهابية المستمرة التي تبناها تنظيم الدولة في الآونة الأخيرة التي استمرت لشهور متواصلة من خلال هجمات ضربت عدة مدن أوروبية أهمها في فرنسا و إنجلترا.

لم يكن الوجه الآخر من عملة هجرة المسلم إلى العالم الغربي بهذا السوء كليًا، إذ أن الظروف العامة التي قد تحيد المسلمين عن ممارسة شعائرهم الدينية قد تدفعهم إلى بذل كل ما يملكون من جهد ومصادر للمحافظة على تلك الشعائر وللمحافظة على هويتهم الإسلامية

كما لم يكن الأمر سهلًا على العديد من الأقطار الإسلامية أن تحتفل بالعيد بشكل طبيعي كما كان في الماضي، منهم من تبقى من المحاصرين من قِبل النظام السوري في سوريا، ومنهم من يهابون الموت جوعًا في اليمن، ومنهم من يترقب قرار السجن أو الإعدام تحت حكم "عبد الفتاح السيسى" ومنهم من قطعت جيرانه من الدول العلاقات الدبلوماسية معه كليًا كما هو الحال في دولة قطر، لم يكن الأمر شديد السهولة أيضًا على الجاليات المسلمة في الخارج، والتي تواجه موجة لم تكن أشد قسوة من الإسلاموفوبيا من قبل.

لم يكن الوجه الآخر من عملة هجرة المسلم إلى العالم الغربي بهذا السوء كليًا، إذ أن الظروف العامة التي قد تحيد المسلمين عن ممارسة شعائرهم الدينية قد تدفعهم إلى بذل كل ما يملكون من جهد ومصادر للمحافظة على تلك الشعائر وللمحافظة على هويتهم الإسلامية بقوة أمام ضغوطات المجتمع الغربي.

ربما تضغط بعض الحكومات الأوروبية على الجاليات المسلمة لمنعهم من التحرك بحرية مطلقة، فقد تمنع بعض الحكومات المسلمين من أخذ إجازات من العمل في أيام الأعياد، وقد تمنع بعض الحكومات الأخرى المسلمين من التجمع بأعداد كبيرة لآداء صلاة العيد لأسباب أمنية، إلا أن كل ما سبق لم يمنع المسلمين من التمسك بآخر فرصهم للحفاظ على الهوية الإسلامية.

لأن المهاجر أو من يُعتَبر أقلية في إحدى البلاد الغربية يفتقد الدفء الاجتماعي الذي يحظى به وسط أصدقائه وعائلته في بلاده، فإنه يحاول تكوين روابط اجتماعية مع أفراد جاليته في الخارج لتعويض ذلك الدفء الاجتماعي في المناسبات الخاصة، كما هو الحال في شهر رمضان و في الأعياد.

الجالية الألمانية والاتصال بالوطن

تأتي الجالية المسلمة في ألمانيا في المرتبة الأولى في أكثر الجاليات احتفاظًا بالهوية الإسلامية بالنسبة للجاليات المسلمة في العالم الغربي، يعود ذلك في الأساس إلى عدد الجالية الضخم، والذي يضم المسلمين من مختلف بقاع الأرض، ولكن يغلب عليهم المسلمون الأتراك تحيديدًا.

تميل الجالية المسلمة في ألمانيا على الحفاظ على الشعائر الإسلامية في كل من رمضان والعيد بشكل كامل، إذ تمتلأ بعض الشوارع التي يقطنها المسلمون بالزينة و مصابيح الأضواء زاهية الألوان احتفالًا ببهجة العيد، كما يميلون إلى الصلاة معًا، من أجل التعرف على بعضهم البعض ومحاولة تعويض فقدان العائلة والأصدقاء في بلادهم الأم.

تعمل المحال المملوكة من قِبل المسلمين في ألمانيا على توفير كل ما يرغب في تناوله المسلمون من حلويات خاصة بالعيد كالعكك وغيره من الحلويات الشرقية التي من الصعب أن يجدها المسلمون متوفرة في المحلات الألمانية، وخصوصًا في مواسم الأعياد.

تأتي الجالية المسلمة في ألمانيا في المرتبة الأولى في أكثر الجاليات احتفاظًا بالهوية الإسلامية بالنسبة للجاليات المسلمة في العالم الغربي

كما تحرص تلك المحلات أن تفتح إلى وقت متأخر في الليل في أيام العيد تحديدًا، للسماح للمسلمين من التجمع والسهر سويِا احتفالًا بأجواء العيد التي افتقدوها بعيدًا عن بلادهم، ذلك لكي يتجنبوا فقدان الإحساس بقيمة العيد خارج حدود بلادهم، ولمحاولة تجنب فقدان الهوية الإسلامية أمام التحديات والمعوقات الغربية.

المسلمون في كندا فرحون برئيس الوزراء أكثر من العيد

الصورة مأخوذة من الفيديو الذي رفعه رئيس الوزراء الكندي على صفحته على فيسبوك

خرج رئيس الوزراء الكندي "جاستن ترودو" من جديد ليهنأ المسلمين عامة والجالية المسلمة في كندا خاصة بعيد الفطر المبارك، محاولًا ترديد التهنئة أمام الكاميرا باللغة العربية، في محاولة جديدة منه لإثبات التسامح الكندي مع كل الطوائف والأديان والمذاهب المختلفة، حيث لا تكون تهنئة المسلمين بأعيادهم هي الفريدة من نوعها من رئيس الوزراء المُتسامح، بل عمد "ترودو" إلي تهنئة كل الطوائف والمذاهب المختلفة بمناسباتهم الدينية سواء كانت قدسية أم لا معلنًا التهنئة باللغات المحلية المختلفة، ليكسب قلوب المحبين من نشطاء الإنترنت من جديد.

ربما لا يحق لبعض المسلمين الاستراحة من العمل خلال أيام الفطر المبارك في بعض البلاد الغربية، إلا أنهم يقومون بالاحتفال مبكرًا لضمان حقهم في الاحتفال بقدوم العيد

وصف "ترودو" تهنئة المسلمين بالعمل الإنساني "الكندي" والذي يفخر بصورة بلاده المشرفة في التعامل مع قضية اللاجئين السوريين بعد استقبالهم وحسن استضافتهم، حيث ظهر "ترودو" أيضًا في الفيديو مساعدًا أعضاء إحدى منظمات الإغاثة الإسلامية العالمية في تجهيز حقائب تموينية لمساعدة المسلمين المحتاجين ومحاولة إدخال الفرحة على قلوبهم بالمساعدة في أيام عيد الفطر المبارك.

 

الاحتفال المبكر بسبب أيام العمل في العيد

ربما لا يحق لبعض المسلمين الاستراحة من العمل خلال أيام الفطر المبارك في بعض البلاد الغربية، إلا أنهم يقومون بالاحتفال مبكرًا لضمان حقهم في الاحتفال بقدوم العيد، فكما هو الحال في فرنسا و بريطانيا، تقوم الجالية المسلمة في تلك البلاد بالتحضير لفعاليات الاحتفال بالعيد في أواخر أيام شهر رمضان المبارك، وما يتضمنه ذلك من تناول الوجبات بشكل جماعي في المتنزهات، و الصلاة في مكان واحد حتى ولو كان مرأب التجمعات السكنية، وتزيين الجوامع وتعطيرها قبل أول أيام العيد، بحيث يستطيع الكل المشاركة في اليوم الذي يناسبه.

يحاول أبناء الجاليات المسلمة في تلك البلاد من ترسيخ الهوية الإسلامية في أبنائهم، من يتعرضون لضغوضات المجتمع والبيئة المحيطة بهم إلى فقدان تلك الهوية بسهولة ومنذ سن مبكرة، ولهذا يعمد آبائهم على ترسيخ تلك الهوية، بمنعهم من الذهاب إلى المدارس خلال أيام العيد، التي لا تكون عطلة في تلك البلاد، وبدلًا من ذلك يفضلون اصطحابهم للمساجد لكي يعيشوا تلك الأجواء قبل أن يتناسوها.

الاحتفالات في أمريكا، بدعم إعلامي

تهتم الجالية المسلمة الأمريكية باهتمام الإعلام  بتغطية احتفالات العيد كنوع من ترسيخهم للعقيدة الإسلامية في نفوس أبنائهم​

صلاة العيد في الولايات المتحدة الأمريكية

تكون المنظمات الإسلامية والمراكز الإسلامية صاحبة نفوذ أقوى في الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها قادرة على التواصل مع الإعلام الغربي قبل استقبال عيد الفطر المبارك، من أجل تغطية فعاليات المسلمين خلال أيام عيد الفطر المبارك، وذلك لتوعية المجتمع الأمريكي والغربي بشكل عام بما يفعله المسلمون في هذه الأيام المقدسة بالنسبة إليهم.

تهتم الجالية المسلمة الأمريكية باهتمام الإعلام  بتغطية احتفالات العيد كنوع من ترسيخهم للعقيدة الإسلامية في نفوس أبنائهم، الذين يجدون زملائهم في المدارس غير المسلمة يحتفلون بأعيد رأس السنة وعيد الميلاد "الكريسماس" وسط أجواء مبهجة واحتفالات تجوب الأجواء واهتمام إعلامي ترفيهي.

ما بين أداء صلاة العيد فوق الثلج في روسيا، وما بين تهديد المسلمين في الصين من إبراز أي مظاهر للاحتفالات بالمناسبات الإسلامية وإصرارهم على الالتزام بها، وما بين تحدي القمع بفرحة العيد في تايلاند، مازال المسلمون يواجهون التحدي سنويًا في محاربة العواقب التي قد تمنعهم من الاحتفاظ بهويتهم الدينية.