يوصف النمر الآسيوي، علاوة على امتلاكه لصفات قدسية وعلاجية مميزة في هذه الثقافات، بسرعة حركته ومباغتته للخصوم، وهو ما حدث بالضبط  مع دول شرق آسيا التي باغتت العالم بسرعة نموها وانتقالها لمرحلة التصنيع بطريقة حيرت أساتذة الاقتصاد في العالم على ضوء الندرة الشديدة للموارد الطبيعية في تلك البلدان، بل ويعاني بعضها من شح في المياه العذبة، مثل سنغافورة التي تستورد مياه الشرب من ماليزيا.

ظهر مصطلح النمور الآسيوية قبل 30 عامًا للإشارة للنمو الاقتصادي الكبير الذي تشهده سنغافورة وتايوان وهونج وكونج وكوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين وإندونيسيا، فمن أمم فقيرة مهمشة حققت هذه الدول منذ ستينيات القرن الماضي، قفزات صناعية واقتصادية مذهلة وصلت لتسجيل معدلات نمو وصلت إلى 10% في العام.

فكوريا الجنوبية خرجت من أمة منهارة قتلت الحرب الأهلية فيها أربعة ملايين مواطن إلى دولة صناعية رائدة تملك اليوم تاسع أكبر اقتصاد في العالم، أما تايوان فلم تكن أكثر من جزيرة صغيرة للصيادين حققت قفزات اقتصادية مدهشة رفعت دخل المواطن إلى 13 ألف دولار ووضعتها في المركز الـ23 ضمن أكبر اقتصاديات العالم، والشيء نفسه بالنسبة لسنغافورة وهونج كونج وماليزيا وإندونيسيا والفلبين.

لا يمكن بأي حال من الأحوال استنساخ تجربة نمو من دولة إلى أخرى، فلكل دولة ميزات وطبائع مختلفة تتعايش معها، ولكل دولة معدلات نمو سكانية وثروات طبيعية مختلفة، ومخاطر أمنية مختلفة أيضًا

أصبحت تلك الدول مدرسة صدرت تجاربها لدول العالم الثالث التي تعمل للتحول إلى دول ناجحة والتخلص من أعباء الفقر والتأخر، ولعل الدول العربية وبالأخص دول الربيع العربي لديها فرصة لدراسة تجارب تلك الدول ونماذج التنمية لديها في محاولة للاستفادة منها وتطبيق ما يمكن تطبيقه.

كيف نجحت النمور الآسيوية؟

تضافرت مجموعة من العوامل لإنجاح التجارب الاقتصادية في دول النمور الآسيوية، ومنها عوامل داخلية وأخرى خارجية. تشير العديد من الدراسات أن الوفرة النسبية في عنصر العمالة وتكدس أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل وارتفاع معدلات النمو السكاني، اعتمدت دول النمور على استراتيجية إنمائية محددة في ظل عدم توفر الموارد الطبيعية، فحواها الاعتماد على مجموعة معينة من الصناعات التصديرية التي تقوم على استيراد المواد الأولية من الخارج وتصنيعها في الداخل معتمدة على ميزة الوفرة النسبية لعنصر العمل.

حيث لجأت دول النمور لاستثمار هذه الميزة النسبية في الصناعات التصديرية كثيفة العمالة وذات الأجر الرخيص، بحيث كسبت ميزة تنافسية في دول العالم من خلال منتجاتها الرخيصة التي غزت كل دول العالم، وأرغمت بلدان العالم المتقدم إلى إحضار شركاتها الكبرى والاستثمار فيها لتصنيع منتجات أرخص ثمنًا.  

أنفقت دول نمور آسيا على التعليم بشكل كبير كأحد مرتكزات النموذج الإنمائي 

وفي سبيل ضمان هذه الميزة عمدت حكومات دول النمو إلى مجموعة من الإجراءات لضمان استثمار هذه الميزة لفترة طويلة، ومن تلك الإجراءات: توفير الغذاء الضروري بأسعار رخيصة باعتباره معيار الدخل، ومنع قيام تنظيمات نقابية وسياسات تدافع عن حقوقهم، وهي إحدى السلبيات التي ميزت تجارب تلك الدول، لكن في نفس الوقت حرصت على الاستثمار في المواطن ورفع مستواه التعليمي والاقتصادي على وجه الخصوص.

ومن بين الإجراءات الداخلية أيضًا، تطبيق سياسات مالية ونقدية صارمة لتحاشي الوقوع في التضخم، من أجل المحافظة على معدل الأجر الحقيقي، وعدم وجود قوانين للحد الأدنى للأجور بالإضافة إلى عدم التشدد في مراعاة ساعات العمل، وإحدى مفرزات هذه السياسات انخفاض مستوى متوسط الأجور في تلك الدول مقارنة مع الأجر في العالم، وهذا ما جعل تكاليف المنتجات التحويلية كثيفة العمالة منخفضة جدًا، وجذابة لكثير من الشركات الأجنبية للقدوم والاستثمار، بالإضافة إلى إزالة العقبات التي تمنع استقطاب الاستثمارات الخارجية وتحقيق مركز متقدم في مفهوم الحرية الاقتصادية.

ويرى البعض أن خضوع بلدان النمور لحكم فردي يملك رؤية واضحة لمستقبل البلاد ومكانتها بين الدول ويسعى للتنمية الاقتصادية الحقيقية، كان عاملاً مهمًا في تحقيق النجاح في بداياتها الأولى.

يوصف النمر الآسيوي علاوة على امتلاكه لصفات قدسية وعلاجية مميزة في هذه الثقافات، بسرعة حركته ومباغتته للخصوم، وهو ما حدث بالضبط  مع دول شرق آسيا التي باغتت العالم بسرعة نموها وانتقالها لمرحلة التصنيع

يُذكر أيضًا حرص النمور على تجنب الوقوع في فخ المديونية الخارجية بأن تقلل باستمرار وبأسرع وقت ممكن من حجم الفجوة بين معدل الاستثمار المنفذ والادخار المحلي، وذلك من خلال تشجيع المدخرات المحلية.

أما العوامل الخارجية التي أسهمت في نجاح تجارب دول النمور فمنها  الدور الذي لعبته الحرب الباردة بين قطبي العالم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ونتيجةً تبعية أنظمة الحكم في دول النمور لأوروبا فقد حرص المعسكر الغربي على مساعدة هذه الدول بسخاء لتسريع نموها الاقتصادي وتحديثها كنموذج رأسمالي بديل للنموذج الاشتراكي المجاور لها.

كما ساهمت القواعد العسكرية التابعة لبعض الدول الأوروبية وأبرزها بريطانيا وتعاونها مع الولايات المتحدة، فإن ذلك خفف من عبء الإنفاق العسكري ومصاريف الدفاع، وتوجيه الإنفاق إلى قنوات استثمارية تصب في خانة تقدم الافتصاد المحلي والقضاء على البطالة والفقر وغيرها من آفات المجتمع.

ماليزيا إحدى دول نمور آسيا 

ومن بين العوامل الخارجية التي يُحسب لتلك الدول نظام النقد الدولي الذي كان يعمل حتى بداية السبعينات، إذ حقق النظام استقرارًا عالميًا في أسعار صرف عملات مختلف بلدان العالم، وبالتالي فإن هذا النظام وفر لها الدخول في صفقات تصدير واستيراد طويلة الأجل وهي مطمئنة لعدم وجود تقلبات فجائية وحادة في أسعار الصرف، كما أن هذا النظام وفر لها موارد السيولة عند الحاجة بأسعار فائدة معقولة.

لجأت دول النمور لاستثمار الميزة النسبية للعمالة لديها في الصناعات التصديرية كثيفة العمالة وذات الأجر الرخيص، بحيث كسبت ميزة تنافسية في دول العالم من خلال منتجاتها الرخيصة التي غزت كل دول العالم

كما ساهم النظام العشري للتفضيلات الجمركية التي أقرته دول الجات في أوائل السبعينيات، حيث استفادت دول النمور فائدة كبيرة من التخفيضات الجمركية في ضوء النظام الجمركي المعمول به آنذاك، فلولا إمكانات التصدير غير المعاق إلى البلدان الرأسمالية الصناعية الذي وفرته هذه التخفيضات ما كان من الممكن لتجربة النمور الآسيوية أن تشهد هذا النجاح الذي حققته.

وعن إنجازات دول النمور فقد تمكنت من تغيير بنيان إنتاجها المحلي الإجمالي لصالح القطاعات والفروع ذات الإنتاجية الأعلى وذات الأثر التنموي الانتشاري الواسع، وعلى ضوء هذا التغيير البنياني، حققت النمور معدلات نمو اقتصادي عالية وبشكل مستمر خلال الفترة 1965-1995.

كوريا الجنوبية 

فخلال الفترة من 1965-1980 استطاعت كوريا أن تحقق متوسط معدل سنوي بنحو 9.6% و 9.4% في الفترة 1980-1990 و7.2% من 1990-1995 وفي سنغافورة كانت هذه المعدلات 10.1%، 6.4%، 8.7% على التوالي للفترات نفسها، وفي هونج كونج كانت المعدلات 8.6%، 6.9%، 5.6% على التوالي للفترات نفسها، وتعد هذه المعدلات من أعلى معدلات النمو الاقتصادي في العالم على الإطلاق، ومن الطبيعي بعد هذا أن يتحسن مستوى المعيشة في هذه الدول واتجاه متوسط دخل الفرد للتزايد وبمعدلات مطردة.

هناك فرصة دائمًا لقيام نمور جديدة في العالم، عبر اتباع نموذج اقتصادي محدد يحقق نهضة حقيقية تعم البلد، وقد حصل هذا بالفعل في دول عدة بالعالم، كما في  الهند والصين والمكسيك والبرازيل وتركيا

وحققت هذه الدول تقدمًا كبيرًا في مجال التكنولوجيا، ففي بداية مراحل النمو ركزت هذه الدول على التكنولوجيا البسيطة ذات الكثافة العالية لعنصر العمل وذلك من أجل امتصاص فائض العرض من القوة العاملة الرخيصة وغير الماهرة والتخلص من مشكلة البطالة والتغلب جزئيًا على مشكلة التمويل في المراحل الأولى من النمو لأنها قللت الحاجة إلى الاستثمارات المرتفعة، ثم استطاعت هذه الدول استخدام التكنولوجيا كثيفة رأس المال.

كما تفوقت وبشكل استثنائي في مجال التصدير، فقد استطاعت كوريا أن تنمي صادراتها خلال القترة 1965- 1980 بمتوسط معدل سنوي 27.2%، وسنغافورة بمعدل 4.7% وهونج كونج 9.5% خلال الفترة نفسها.

كيف يمكن للدول العربية أن تستفيد من تجارب النمور؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال استنساخ تجربة نمو من دولة إلى أخرى، فلكل دولة ميزات وطبائع مختلفة تتعايش معها، ولكل دولة معدلات نمو سكانية وثروات طبيعية مختلفة، ومخاطر أمنية مختلفة أيضًا، ولكن هل يمكن أن يكون هناك نمور جديدة؟

هونج كونج

بلا شك هناك فرصة دائمًا لقيام نمور جديدة في العالم، عبر اتباع نموذج اقتصادي محدد يحقق نهضة حقيقية تعم البلد، وقد حصل هذا بالفعل في بقاع عدة من العالم في السنوات الماضية إذ استطاعت دول عديدة من إيجاد تجربة إنمائية لها، مقتفية نمور آسيا من بينها الهند والصين والمكسيك والبرازيل وتركيا.

استطاعت كوريا الجنوبية  أن تنمي صادراتها خلال القترة 1965- 1980 بمتوسط معدل سنوي 27.2%

على كل حال يجب توفر شروط بالحد الأدنى لوجود نمور جديدة في العالم في الوقت الحالي، ولعل من أبرز ما يجب التركيز عليه من قبل أي دول تسعى لتكرار تجربة النمور هو الاهتمام بالعنصر البشري والاستثمار فيه ما أمكن، عبر زيادة الإنفاق في التعليم وتوفير الخدمات بأسعار مناسبة للجميع، وهو شرط أساسي لعملية النمو اليوم.

وبدون تعليم يضاهي المعايير العالمية لا يمكن الانخراط بالأعمال الرقمية ومكننة الصناعات والتحول نحو التجارة الإلكترونية والحكومات الإلكترونية. فمجموع هذه الأمور وغيرها من شأنها أن تصعب دخول غمار عملية النمو والتنمية بالأدوات البسيطة المعتادة، فمن دون التعليم والارتقاء بالإنسان في الخدمات كافة لن يكون هناك عملية تنموية قادرة على نقل البلد إلى الرخاء والازدهار.  

ومن ثم توجيه الإنفاق إلى المشاريع الاستثمارية بعيدًا عن الإنفاق العسكري الذي يستنزف الكثير من الأموال من الميزانية العامة، وهذا سبب كبير لتأخر الدول العربية في الفترة الماضية التي لم تجد لها موطئ قدم بين الدول المتقدمة والساعية للتقدم حيث وجهت معظم مصارف الميزانية إلى الإنفاق العسكري أكثر من أي أمر آخر.