كان من المنتظر أن تعلن المملكة المغربية أمس الجمعة، البدء الفعلي في المرحلة الأولى من تحرير عملتها المحلية (الدرهم) لأيام قليلة، إلا أن ذلك لم يحصل بعد أن قرّر البنك المركزي تأجيل ذلك دون توضيح سبب قراره، ما من شأنه أن يعزز مخاوف المستثمرين بشأن شفافية العملية خاصة بعد تكرّر تأجيل إعلان البدء فيها، حسب العديد من الخبراء، ومخاوف السلطات من حدوث مضاربات على العملة المغربية، بالإضافة إلى عودة الحديث عن تداعيات ومخاطر التعويم على المملكة.

مخاوف المستثمرين بشأن شفافية العملية

رغم تأكيدها، منذ أشهر، أن البدء الفعلي في المرحلة الأولى من تحرير الدرهم سيكون بداية يوليو الحالي، وذلك بعد انتهائها من مراحل الإعداد التي استغرقت سنوات لضمان نجاح العملية وعدم تأثيرها على اقتصاد المملكة ومتساكنيها، فإنها قرّرت تأجيل الأمر في آخر لحظة.

ويؤكّد هذا التأجيل الذي لم يتم الكشف عن أسبابه، مخاوف المستثمرين بشأن شفافية عملية تحرير العملة بعد صدور عدد من البيانات المتضاربة بخصوص موعد بدء العملية في الشهور القليلة الماضية، كما يؤكّد حسب خبراء حالة التخبّط والهلع التي يعيش على وقعها المشرفون على هذه العملية الخارجة عن نطاق سيطرتهم.  

وكان البنك المركزي المغربي قد أعلن في أواخر العام الماضي أن المراحل الأولى للانتقال التدريجي من قيود العملة إلى سعر صرف مرن سيتم تنفيذها خلال النصف الثاني من عام 2017 جنبًا إلى جنب مع إصلاحات أخرى منها استهداف التضخم. 

تعود بداية التفكير في مشروع إصلاح نظام الصرف إلى العام 2007

وتعويم العملة حسب خبراء الاقتصاد، هو جعل سعر صرفها مرن بحيث لا تتدخل الحكومة أو البنك المركزي في تحديده بشكل مباشر، بل تصبح العملة منضبطة لمنطق العرض والطلب وهي الآلية التي تسمح بتحديد سعرها مقابل العملات الدولية كالدولار أو اليورو، وبإمكان العملة المحلية في ظل اعتماد نظام الصرف المرن أن تتقلب باستمرار مع كل تغير يشهده العرض والطلب على العملات الأجنبية، حتى إنها يمكن أن تتغير عدة مرات في اليوم الواحد.

تقول المملكة المغربة إنها أنهت كل الجوانب التحضيرية للبدء في العملية

وتعود بداية التفكير في مشروع إصلاح نظام الصرف إلى العام 2007، وفي الفترة بين عامي 2010 و2015 حلل البنك المركزي الوضع، وأجرى دراسات مقارنة مع تجارب دول أخرى، وأعد الخطة لإصلاح نظام سعر الصرف، مستفيدًا من مساعدة تقنية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات أخرى.

خشية من احتمال حدوث مضاربات على العملة المحلية

هذا التأجيل يرجع في بعض جوانبه، أيضًا، إلى خشية السلطات المغربية من احتمال حدوث مضاربات على العملة المحلية، ووجود أطراف ترغب في تحصيل أرباح سريعة من تقلبات سعر الصرف على غرار ما حدث في دول مرت بالتجربة ذاتها في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وسبق لمحافظ البنك المركزي المغربي عبد اللطيف الجواهري أن حذّر من أي تلاعب بسعر الصرف المتحول أو استغلاله لإخراج العملات أو التأثير في الاحتياطي النقدي أو التضخم أو تمويل التجارة الخارجية.

سعر الصرف الحالي للدرهم مربوط عند مستوى مرجح باليورو بنسبة 60% وبالدولار بنسبة 40%

وكان البنك المركزي المغربي قد لاحظ موجة مضاربات على بعض العملات حتى قبل إطلاق برنامج تعويم الدرهم، مما قد يضر بالاقتصاد المغربي الذي يدخل تجربة التعويم للمرة الأولى، وكشفت مصادر مالية أن الاحتياطي النقدي تراجع أكثر من ملياري دولار في نحو أربعة أسابيع بمعدل 120 مليون دولار يوميًا، إذ انخفض مخزون العملات إلى ما يكفي 6 أشهر من الواردات عوضًا عن أكثر من 7 أشهر قبل أسابيع.

ويتعلق أحد المخاوف بمستوى الاحتياطيات الأجنبية للمغرب، وعزا وزير المالية انخفاض الاحتياطيات 4.4 مليار دولار في الشهرين الماضيين إلى المضاربة قبيل إعلان تحرير سعر صرف العملة الذي كان مرتقبًا هذا الأسبوع، وترفض السلطات المالية أي مضاربة على العملة أو ارتفاع التضخم بما قد يضر بالسوق المحلية والقدرة الشرائية لفئة عريضة من الطبقات الوسطى والفقيرة.

تخشى السلطات المغربية أن تؤثر عمليات المضاربة المحتملة على العملة على اقتصاد البلاد

وسعر الصرف الحالي للدرهم مربوط عند مستوى مرجح باليورو بنسبة 60% وبالدولار بنسبة 40%، ويخطط البنك المركزي المغربي لتخفيف هذا الربط والسماح للعملة بالتداول في نطاق ضيق، وسيتم توسيع نطاق تداول العملة تدريجيًا في أفق التخلي الكامل عن نظام سعر الصرف الثابت في غضون سنوات قليلة بناءً على رد فعل الاقتصاد المغربي.

وبالتوازي مع مسار تعويم العملة سيعمل البنك المركزي على تنفيذ سياسة استهداف مستوى محدد للتضخم بغية ضبط الأسعار التي ستتأثر بالتعويم التدريجي للعملة، ووفق أدبيات النقد الدولي فإن الانتقال المنظم إلى سعر صرف مرن يمر عبر أربع مراحل تنطلق من النظام الثابت، تليها مرحلة سعر صرف محدود المرونة، ثم سعر صرف أكثر مرونة انتهاءً بالمرحلة الأخيرة وهي التعويم.

عواقب كبيرة لعملية التعويم

يقول خبراء إن بدء عملية التعويم سيكون لها عواقب كبيرة على الاقتصاد المغربي، كونه غير مستعدّ لذلك وسيجعله في مواجهة مباشرة وغير مسبوقة مع تقلبات الوضعية الاقتصادية والمالية محليًا ودوليًا، فأي ارتفاع لسعر البترول في السوق الدولي سيجعل قوة الدرهم أضعف مقارنة مع الدولار، وأي انكماش اقتصادي بمنطقة اليورو سيؤثر سلبًا أيضًا على القوة التصديرية التي تعتبر أحد ركائز قوة العملة الوطنية.

يقول المركزي المغربي إن تعويم العملة يهدف لمواكبة انفتاح البلاد على الاقتصاد العالمي

إلى جانب ذلك سيكون تأثيره على المواطنين سلبًا، ذلك أن التعويم التدريجي للدرهم سيزيد من ارتفاع أسعار التجهيزات المنزلية المستوردة وكذلك المواد الأولية التي يستوردها المغرب لإنتاج السلع الغذائية، نظرًا لارتفاع قيمة العملة الأجنبية مقارنة مع الدرهم المنخفض، وتوقع البنك المركزي المغربي أن يظل التضخم عند 0.9% في 2017، وأن يتسارع إلى 1.6% في 2018.

توقع ارتفاع معظم الأسعار مع بداية تحرير العملة

ويقول المركزي المغربي إن تعويم العملة يهدف لمواكبة انفتاح البلاد على الاقتصاد العالمي وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد المغربي والمساهمة في تعزيزها وتخفيف الاختلالات الخارجية والصدمات الخارجية ومواكبة تطوير القطاع المالي، ولا سيما الدفع بمكانة المركز المالي للدار البيضاء، فضلاً عن الحد من الضغوط على احتياطات النقد وتجنب أزمات الصرف.