ترجمة وتحرير نون بوست 

اتخذت الأزمة السورية منذ سنة 2011 العديد من المنعطفات غير المتوقعة. ولم يُسهم تدخل القوى المحلية والدولية في الشأن السوري في تعقيد الأمور فحسب، بل أدى أيضا إلى نتائج غير مرغوب فيها للدول المجاورة على غرار تركيا والعراق. أما بالنسبة لأنقرة، التي مُني تدخلها في الأزمة في معظمه بالفشل نتيجة سلسلة من الحسابات الخاطئة، فقد وجدت نفسها مجبرة على المشاركة في إحداث توازن دقيق مع الأطراف الرئيسية في الأزمة.

والجدير بالذكر أن تركيا ظلت تتأرجح بين الولايات المتحدة وروسيا في محاولة منها لتعزيز موقفها الواهن في سوريا. في الواقع، استند النهج الذي تتبعه تركيا على التوتر الحاصل في العلاقات الأمريكية الروسية، تماما مثلما حدث في الآونة الأخيرة بعد أن أسقطت القوات الأمريكية طائرة سورية مقاتلة.

خلافا لذلك، تتمثل مشكلة تركيا أساسا في التوافق الأمريكي الروسي بشأن القضايا في سوريا، التي تعتبر شائكة بالنسبة لأنقرة، وذلك على الرغم من احتدام التنافس بين واشنطن وموسكو. وقد أثار ذلك شبح عقد اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا الذي يتجاهل مصالح تركيا الحيوية في سوريا.

علاوة على ذلك، من المحتمل أن تكون نتائج الاجتماع بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ بألمانيا، قد أثارت قلق العاصمة التركية، علما بأنه قد أفضى إلى اتفاق بوقف إطلاق النار في جنوب سوريا.

من هذا المنطلق، في حال توصل الطرفان الروسي والأمريكي إلى اتفاق مماثل في الشمال السوري، فإنه من المرجح أن يزيد ذلك من إضعاف الموقف التركي في المنطقة، حيث تتعاون كلت القوتين مع الأكراد السوريين بدرجات متفاوتة. في الأثناء، أصبحت مخاوف أنقرة اليوم في سوريا تحوم حول قضية محددة وهي وضع حد للمكاسب السياسية والعسكرية التي حصل عليها الأكراد السوريون التابعون لحزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري، وحدات حماية الشعب.

تتمثل مشكلة تركيا أساسا في التوافق الأمريكي الروسي بشأن القضايا في سوريا، التي تعتبر شائكة بالنسبة لأنقرة

من جانبها، تؤكد تركيا أن حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب ليسا سوى منظمتين إرهابيتين تتبع حزب العمال الكردستاني، الذي يشن حملة انفصالية في تركيا منذ أكثر من 30 سنة. وقد ذهبت جهود تركيا أدراج الرياح حين حاولت أن تحمل واشنطن على التخلي عن وحدات حماية الشعب. وقد تزامن ذلك مع استعداد قوات سوريا الديمقراطية، التي ترعاها الولايات المتحدة والتي تضم في معظمها مقاتلين من وحدات حماية الشعب، لتحرير الرقة من تنظيم الدولة.

نتيجة لذلك، أجبر هذا الوضع المسؤولين الأتراك على التوجه نحو روسيا أملا في الحصول على مساعدة أكبر من موسكو فيما يتعلق بتحقيق مطالبهم في سوريا. وقد قوبلت المقترحات التركية بترحاب حار من قبل روسيا نظرا للفرصة التي أتيحت لها لإحداث شق في صفوف حلفاء الناتو. فضلا عن ذلك، دعت روسيا تركيا للمشاركة في عملية أستانة، التي تضم إيران أيضا، حيث تهدف إلى بدء مسار جديد لإنهاء الأزمة السورية.

وفي حال كللت هذه الجهود بالنجاح، سيكون من الواضح أن ذلك اعتمد على الشروط الروسية أكثر من الشروط التركية. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا لطالما مثلت عقبة أمام تركيا في سوريا منذ البداية بسبب دعمها الثابت لبشار الأسد. كما لم تدعم موسكو جهود أنقرة لإبقاء الأكراد السوريين بمعزل عما يحدث. وقد اتضح ذلك خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي في أعقاب اجتماع أستانة الأول، حين قامت موسكو بتوزيع مشروع دستور لسوريا، الذي اقترح أيضا حصول الأكراد السوريين على استقلالهم، ما أثار إزعاج أنقرة بشكل كبير.

من جانب آخر، قامت روسيا بنشر جنودها في مدينة عفرين القريبة من الحدود التركية خلال شهر آذار/ مارس الماضي، وذلك ردا على الدلائل التي أشارت إلى أن تركيا كانت بصدد الإعداد لعملية عسكرية ضد المدينة التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب. وقد رفضت روسيا أيضا استهداف تركيا بالقنابل لمواقع تابعة لوحدات حماية الشعب في سوريا خلال شهر نيسان/ أبريل الماضي، حيث أكدت أن "مثل هذه الخطوات تثير قلق موسكو". وأضافت روسيا أنه في حال لم تتلق تركيا هذه الرسالة الروسية فإن المسؤولين الروس "قد بدؤوا بالحديث عن تصرفات الجيش التركي ضد القوات الكردية".

روسيا لطالما مثلت عقبة أمام تركيا في سوريا منذ البداية بسبب دعمها الثابت لبشار الأسد. كما لم تدعم موسكو جهود أنقرة لإبقاء الأكراد السوريين بمعزل عما يحدث

في السياق ذاته، ترفض روسيا إدراج وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني ضمن القائمة السوداء، على عكس الولايات المتحدة، فضلا عن سماحها لحزب الاتحاد الديمقراطي بالاحتفاظ بممثل عنه في موسكو. وعلى الرغم من شذوذ هذه المواقف بالنسبة لتركيا، إلا أن أنقرة لا تريد أن تخاطر بحدوث انهيار آخر في العلاقات مع روسيا، مثل الذي تلى إسقاطها لطائرة روسية خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 2015.

في أعقاب ذلك الحادث، أثبتت تركيا عدم قدرتها على تحمل العقوبات الاقتصادية الثأرية التي فرضتها روسيا، بالإضافة إلى إغلاق المجال السوري بشكل فعلي أمام الطائرات التركية من قبل موسكو. بالتالي، اضطر الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الرضوخ والاعتذار لبوتين عن إسقاط الطائرة الروسية في سبيل إعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

في المقابل، صرح دبلوماسي تركي رفيع المستوى، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرا لموقعه النشط في وزارة الخارجية، للمونيتور بأنه من السذاجة القول بأن انعدام الثقة بين أنقرة وموسكو قد اختفى تماما. وأضاف الدبلوماسي "لا تزال هناك قضايا متعلقة بسوريا التي لم يقع حلها بعد، إلا أننا لسنا على استعداد للسماح لها بتقويض العلاقات، كما أننا نسعى إلى حل الخلافات القائمة عبر الطرق الدبلوماسية".

بالإضافة إلى ذلك، نفى الدبلوماسي أن تكون تركيا بصدد تخريب العلاقات بين موسكو وواشنطن وهو ما أوضحه أردوغان خلال مقابلة له مع صحيفة "تسايت" الألمانية في الخامس من تموز/ يوليو الجاري حين سُئل عما إذا كان يثق في ترامب أكثر أم في بوتين. وقد قال الرئيس التركي آنذاك "لا تدفعوا بنا إلى الاخيار، فنحن نبذل قصارى جهودنا لتطوير علاقاتنا مع الولايات المتحدة، ونفعل الشيء ذاته مع روسيا. إن كل بلد في العالم يسعى إلى تحقيق مصالحه كما نفعل نحن بالطبع".

أثبتت تركيا عدم قدرتها على تحمل العقوبات الاقتصادية الثأرية التي فرضتها روسيا، بالإضافة إلى إغلاق المجال السوري بشكل فعلي أمام الطائرات التركية من قبل موسكو

من جهته، أبلغ متين غوركان، وهو كاتب لدى المونيتور، عن المفاوضات التي تجمع بين أنقرة وموسكو في سياق مناطق وقف التصعيد في الشمال السوري المقترحة خلال أيار/ مايو الماضي في محادثات أستانة. ومن المرجح أن هذه المفاوضات تنطوي على مقايضة بين عفرين، التي يسيطر عليها الأكراد، وإدلب التي يسيطر عليها الجيش السوري الحر المدعوم من قبل تركيا، بالإضافة إلى عدة جماعات إسلامية.

خلافا لذلك، يعتقد السفير التركي المتقاعد، أونال شفيكوز، أن فرص اتفاق أنقرة وموسكو على هذه الخطوة تبدو ضئيلة. وقد كتب شفيكوز لصحيفة "حرييت" التركية أن "العالم بأكمله يعلم أن النظام السوري يريد تطهير إدلب" في إشارة إلى أن موسكو تميل أكثر إلى العمل مع دمشق عوض أنقرة.

في الأثناء، أكد وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، الذي زار إسطنبول مطلع هذا الأسبوع لحضور المؤتمر العالمي للبترول كما كان قد اجتمع أيضا بأردوغان، أن العلاقات الأمريكية التركية ليست على ما يرام. وقد قال تيلرسون، في خطابه للدبلوماسيين الأمريكيين المقيمين في تركيا، "أعتقد أننا قد بدأنا في إعادة بناء جزء من تلك الثقة التي فقدناها فيما بيننا، حيث فقد كلانا الثقة في الطرف الآخر. بالتالي، أعتقد أننا نعمل بجد لإعادة بناء ذاك المستوى من الثقة وهو ما يمثل حجر الأساس لأي علاقة".

في المقابل، لم تعط واشنطن أي إشارة حول استجابتها لمطالب أنقرة فيما يتعلق بوحدات حماية الشعب. وفي الوقت ذاته، بدأ بعض المحللين البارزين والمؤيدين للحكومة، على غرار محلل صحيفة "حرييت" عبد القادر سلفي، في الجدل بأن تركيا تدفع ثمن التوترات مع الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة. وفي هذا الصدد، كتب سلفي "إن معركة تركيا مع الغرب تؤثر على علاقاتها مع العالم الإسلامي الذي يتحكم الغرب في مصيره". وعلى سبيل المثال، أشار سلفي إلى اختلاف أنقرة الأخير مع القوى السنية الإقليمية حول الأزمة القطرية.

وفي إشارة إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت السنة الماضية، والتي سيتم إحياء ذكراها الأولى في نهاية هذا الأسبوع، ادعى سلفي أيضا أن هذه المحاولة لم تكن لتحدث أبدا لو أن العلاقات التركية الأمريكية كانت جيدة. وأضاف المحلل "لا بد لنا من تحسين علاقاتنا مع الغرب، ذلك أن الوضع الراهن لا يمكن تحمله". ومن غير المرجح أن تغير أنقرة من مسارها في هذه المرحلة نظرا إلى عجزها عن استخلاص العبر من الفشل الذي لحق بسياستها الخارجية وإصرارها المستمر على السياسات الفاشلة.  

أكد وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، الذي زار إسطنبول مطلع هذا الأسبوع لحضور المؤتمر العالمي للبترول كما كان قد اجتمع أيضا بأردوغان، أن العلاقات الأمريكية التركية ليست على ما يرام

وبناء على المعطيات المذكورة آنفا، تترك هذه التطورات تركيا مع خيارات ضئيلة تتمثل إحداها في حفاظها على المسار الحالي على أمل أن تدعمها واشنطن أو موسكو في سوريا في نهاية المطاف، خاصة فيما يتعلق بالأكراد، نظرا إلى أن التنافس العالمي بين الولايات المتحدة وروسيا سيجبرهم على ذلك. وقد يتحول ذلك إلى توقّع لا طائل منه يتمثل أساسا في ترك أنقرة في مواجهة شياطينها الإقليمية بمفردها إلى أقصى حد من قدراتها المحدودة في مجابهة الخلافات المتزايدة.

المصدر: المونيتور