إيجاد حل للأزمة الليبية يعتبر حلًا غير مباشر لأزمات الدول المجاورة

في ظل تواصل الأزمات متعددة الأبعاد، سياسية واقتصادية وأمنية، التي تعيش على وقعها ليبيا منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في فبراير 2011، تعددت مبادرات السلام المطروحة للخروج من هذه الأزمات، خاصة بعد توقيع اتفاق الصخيرات السياسي أواخر 2015 بين أطراف ليبية عدة برعاية الأمم المتحدة، إلا أن جميعها لم يكتب لها النجاح، لتعرف ليبيا هذه الأيام مبادرة جديدة صادرة عن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج، فهل تعرف هذه المبادرة طريق النجاح عكس المبادرات السابقة رغم المعارضة التي تواجهها؟

بنود الخارطة الجديدة

في خطاب تليفزيوني بُث مساء السبت الماضي، عرض رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج خارطة طريق من تسع نقاط لإخراج البلاد من الأزمة وتحريك الاتفاق السياسي الموقع الذي أدى إلى إنشاء حكومة الوفاق الوطني، وتضم هذه الخطة تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية في 2018 تقوم المفوضية العليا للانتخابات وبالتنسيق مع الأمم المتحدة بالإعداد والإشراف عليها ومراقبتها، وتستمر ولاية الرئيس والبرلمان ثلاث سنوات.

وقال فايز السراج: "ندعو إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة من الشعب في آذار/مارس 2018 تستمر ولايتهما ثلاث سنوات أو حتى انتهاء إعداد الدستور والاستفتاء عليه"، وأضاف "يستمر العمل بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق الوطني حتى تسمية رئيس الحكومة من قِبل رئيس الدولة المنتخب واعتماد حكومته من قبل البرلمان"، وتابع "الانتخابات ستفرز رئيسًا للدولة وبرلمانًا جديدًا تستمر ولايتهما ثلاث سنوات كحد أقصى، أو حتى الانتهاء من إعداد الدستور والاستفتاء عليه، ويكون انتخاب رئيس الدولة بشكل مباشر من الشعب".

تعهد السراج بعدم إقصاء أو تهميش أي مواطن في الداخل أو الخارج، سواء معارضي الاتفاق أو مؤيديه، والعمل فورًا على عودة النازحين والمهجرين

واشتملت الخريطة أيضًا إعلان وقف جميع أعمال القتال، إلا ما يخص مكافحة الإرهاب، وتشكيل لجان مشتركة من مجلس النواب ومجلس الدولة للبدء في دمج مؤسسات الدولة المنقسمة وفصل الصراع السياسي عن توفير الخدمات للمواطنين، وأشار السراج في خارطة الطريق إلى ضرورة التزام مصرف ليبيا المركزي بتنفيذ السياسات النقدية التي تم الاتفاق عليها بشكل عاجل لعلاج مشكلة السيولة وتعديل سعر صرف الدينار.

وأكد السراج، خلال كلمته التي قال إنها موجة إلى جميع الليبيين، أن حكومة الوفاق الوطني ليست طرفًا في الصراع ولم تأت لدعم طرف ضد آخر، مشيرًا إلى أن مبادرته عبارة عن مقترح لاستكمال الاتفاق السياسي والمسار التوافقي وليست بديلًا عنه، كما تعهد بعدم إقصاء أو تهميش أي مواطن في الداخل أو الخارج، سواء معارضي الاتفاق أو مؤيديه، والعمل فورًا على عودة النازحين والمهجرين، ولم الشمل تحت راية الوفاق الوطني الحقيقي، كما تعهد بوضع استراتيجية شاملة للدفاع والأمن القومي وتوحيد المؤسسة العسكرية وإخضاعها للسلطة المدنية التنفيذية، مع مراعاة مبدأ الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة.

رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج

وأضاف السراج إلى خارطة الطريق إنشاء المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، ودراسة آليات تطبيق العدالة الانتقالية، وجبر الضرر والعفو العام، وإنشاء لجان للمصالحة بين المدن، وحكومة الوفاق الوطني نتاج لاتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة لإرساء الاستقرار وتوحيد ليبيا، تم التوقيع عليه بنهاية 2015 بدعم جزئي من فصائل سياسية ومسلحة، وتتمتع بسلطة محدودة وتعارضها فصائل متمركزة في الشرق متحالفة مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ومنذ وصوله إلى طرابلس في مارس/آذار من العام الماضي، يكافح السراج لتشكيل حكومة فاعلة أو لكبح فصائل مسلحة قوية، ووصلت الأحوال المعيشية لأسوأ أوضاعها جراء أزمة حادة في السيولة وانقطاع متكرر للكهرباء والمياه وتدهور الخدمات العامة.

برلمان طبرق يرفض

لم تمر فترة قصيرة على خطاب السراج وإعلان مبادرته الجديدة، حتى سارع رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح إلى رفض المبادرة، وقال لقناة محلية ليبية إنه لن يسمح بإجراء أي انتخابات، ولن يقبل بمقترحات سياسية إلا بعد صدور دستور ينظم شكل الدولة.

وانتقد عقيلة تأخر هيئة صياغة الدستور في إنجاز مشروع الدستور، وهو الاستحقاق الأهم لليبيين، مشيرًا إلى أنه دعا ومنذ مدة مجلس النواب لاتخاذ قرار في ذلك عبر تعديل الإعلان الدستوري لاختيار لجنة قانونية ومتخصصة من الشخصيات المشهود لها من ذوي الاختصاص في العمل الدستوري، لإنجاز الاستحقاق الأهم لعودة الاستقرار في البلاد لتحديد النظام الحاكم وشكل الدولة والسلطات المختلفة والفصل بينها عبر إنجاز مسودة الدستور.

وصف عقيلة في بيان، المجلس الرئاسي لحكومة السراج بأنه جسم غير شرعي وفقًا للإعلان الدستوري

يذكر أن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي (مشكلة من 60 عضوًا منتخبًا) ومقرها مدينة البيضاء (شرق)، هي الهيئة المنوط بها إعداد دستور جديد ليبيا، وانتخب أعضاؤها في فبراير/شباط 2014، غير أنها لم تصل إلى توافق بإجماع كل الأطراف بشأن مسودة دستور، ووصف عقيلة في بيان، المجلس الرئاسي لحكومة السراج بأنه جسم غير شرعي وفقًا للإعلان الدستوري ولم ينل ثقة مجلس النواب الليبي، ويعمل بالمخالفة للدستور المؤقت للبلاد، وأنه ليس ذي صفة قانونية ليوجه دعوة للانتخابات من قبل رئيسه أو يطرح مبادرة بذلك.

برلمان طبرق

واعتبر رئيس برلمان طبرق مبادرة السراج مخالفة للإعلان الدستوري وحتى للاتفاق السياسي الذي تم التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة نهاية عام 2015 في منتجع الصخيرات بالمغرب، مشيرًا إلى أن مجلس النواب الليبي هو السلطة التشريعية الوحيدة في البلاد وصاحب الاختصاص في الدعوة للانتخابات.

وكان مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق قد قرر في مارس الماضي إلغاء قرار سابق اعتمد فيه الاتفاق السياسي الموقع من الفرقاء الليبيين بمدينة الصخيرات المغربية في الـ17 من ديسمبر 2015، الذي ينص على إنشاء مجلس رئاسي ليبي يتيح تشكيل حكومة وفاق وطني تجمع كل الأطراف الليبية، تقود مرحلة انتقالية من عامين تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية، غير أن الحكومة لم يتم تنصيبها من المجلس لخلافات في تحديد أسمائها رغم اعتماد اتفاق الصخيرات.

صعوبات التنفيذ

تواجه خارطة الطريق المقترحة حديثًا من قبل السراج صعوبات عديدة حتى تطبق كما حصل مع المبادرات التي سبقتها، فرغم مرور أكثر من سنة ونصف على إبرام مختلف الأطراف المتدخلة في الشأن الليبي للاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية بمباركة دولية وأممية، فإن هذا الاتفاق ظل حبرًا على ورق ولم يطبق على الأرض، مما زاد من تعقيد الوضع الميداني والسياسي في البلد الذي يعاني من انتشار كبير للسلاح ويشكو الفوضى في معظم أنحائه.

رغم التدخلات في الساحة الليبية واحتدام الصراع على السلطة بين الفرقاء، فإن انعدام الصراعات الطائفية والعرقية يسمح بوصول الفرقاء إلى توافق يرضي الجميع

وتعيش ليبيا انقسامًا سياسيًا كبيرًا، حيث تدار بثلاث حكومات منفصلة، واحدة في الشرق يقودها عبد الله الثني، في حين تدار العاصمة طرابلس بحكومتين هما حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج المدعومة دوليًا، وحكومة الإنقاذ الوطني التي يقودها خليفة الغويل، بعد فشل اتفاق الصخيرات في إحلال السلام في البلاد.

ويؤكد متابعون صعوبة تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية في مارس المقبل، والحال أن ليبيا لا تمتلك المؤسسات التي يمكن لها أن تشرف على انتخابات نزيهة وديمقراطية، كما أن الحديث عن وقف إطلاق النار في غياب آليات وطرق ذلك وفي ظل انتشار كبير للسلاح والمليشيات الخارجة عن القانون لن يؤدي إلى تحقيق المبتغى.

التوقيع على اتفاق الصخيرات

ومع ذلك فرغم التدخلات الإقليمية والدولية في الساحة الليبية من جانب دول تعمل على تغذية الانقسامات، واحتدام الصراع على السلطة بين الفرقاء، فانعدام الصراعات الطائفية والعرقية في ليبيا يسمح بوصول الفرقاء إلى توافق يرضي الجميع، ويمثل إيجاد حل للأزمة الليبية مفتاحًا لحل عديد من المشاكل الداخلية ذات الطابع الأمني والاقتصادي في البلدان المجاورة، وغيابه تهديد جدي لهذه الدول.