اجتماع رؤساء دول الساحل بمشاركة ماكرون

بين دفاع فرنسا عن نفوذها التاريخي هناك، واستماتة الجزائر في الدفاع عن امتدادها الطبيعي في المنطقة، تعرف منطقة "الساحل الإفريقي" التي تشهد اضطرابات أمنية وسياسية منذ سنوات، صراع زعامة ونفوذ وهيمنة بين الجزائر وباريس، وإن كان هذا الصراع يدور عادة في الخفاء فقد بدأ في الفترة الأخيرة يطفو على الساحة ويظهر للعلن، خاصة بعد القمة الأخيرة لمجموعة دول الساحل التي حضرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع يوليو الحالي.

بداية البروز إلى العلن

رغم التعاون الظاهر بين البلدين، خاصة في المسألة الأمنية والحد من خطر الإرهاب، فقد بدا التنافس جليًا بين الجزائر وفرنسا بشأن الزعامة في منطقة الساحل الإفريقي بصفتها ممر يتوسط دول جنوب الصحراء مع الشمال، وصولاً للبحر الأبيض المتوسط وأوروبا، مما يجعل المصالح الاستراتيجية للجماعات الإرهابية ومصالح دول المنطقة، في حالة حرب مستمرة.

تنافس خرج للعلن منذ أن أنشأت باريس قبل 3 سنوات، المنظمة الأمنية الإقليمية المتخصصة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، من أجل التنسيق بينها لمواجهة "الجماعات الإرهابية"، لتحلّ بذلك مكان "مبادرة دول الميدان" التي أنشئت بموجب اتفاق مدينة تمنراست (الجزائر) سنة 2010، وتقودها الجزائر وتضم مالي وموريتانيا والنيجر.

يعتبر إقليم الساحل الإفريقي أحد أفقر المناطق بالعالم رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية مهمة

ولم تضمّ حينها المنظمة الأمنية الجديدة التي تقودها باريس، الجزائر، مما أدّى إلى اقتصار التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي بين الدول الخمسة الإفريقية (موريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو ومالي) المنضوية في إطار هذا التجمع الإقليمي، وهو ما اعتبرته هذه الأخيرة محاولة لخلق توازنات جديدة في المنطقة تضعها خارج مجريات الأحداث.

وتقدَّر مساحة إقليم الساحل الإفريقي بأكثر من عشرة ملايين كيلومتر مربع، 64% من هذه المساحة عبارة عن صحراء جرداء والـ30% البقية صالحة للزراعة، ويسكن الإقليم نحو مئة مليون إفريقي موزعين على قبائل وأعراق متعددة وبلغات مختلفة أهمها الفرنسية والعربية والأمازيغية والحسانية ولهجات إفريقية محلية كثيرة، كما يعتبر الإقليم أحد أفقر المناطق بالعالم رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية مهمة.

تدخل عسكري يخفي أطماعًا كبيرة

تدخل الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي جاء، ظاهريًا، لمساعدة حكومات دول المنطقة في مجهوداتها للتوقي من خطر الإرهاب الذي يهدّد الجميع، إلا أن الواقع يظهر عكس ذلك، فما جاءت هناك إلا لحماية المصالح الفرنسية والغربية في هذه المنطقة الغنية بالنفط والثروات المعدنية، ومحاولة تعزيز الوجود الفرنسي في منطقة تعتبر تقليديًا مركز نفوذ خاص بفعل سابقة الوجود الاستعماري.

ماكرون يتفقدّ قوات بلاده العسكرية في مالي

وتزداد أهمية المنطقة بالنسبة لفرنسا، بما يحمله باطنها من ثروات نفطية وغازية ومعدنية كبيرة (الذهب، البوكسيت، اليورانيوم، الحديد، النحاس، اللتيوم، المنجنيز، الفوسفات، الملح..)، تقع على مقربة من حقول النفط الجزائرية التي تشكل مطمعًا كبيرًا للفرنسيين ولقوى دولية أخرى تسعى لأن يكون لها موطئ قدم في العمق الإفريقي وتهيمن على ثرواته الكثيرة والمتنوعة، وفي المقدمة الصين التي تقدر الدراسات الاقتصادية أن استثماراتها في الدول الإفريقية لا تقل عن 300 مليار دولار.

ويدخل السعي المتواصل لفرنسا لتحقيق وجود مستمر في القارة الإفريقية ضمن الحسابات الفرنسية المتعلقة بالحيلولة دون الابتعاد عن إفريقيا، على اعتبار أن العلاقة فيما بينهما إنما هي علاقات مصيرية، بمعنى أنها تتعلق ببقاء واستمرار الدولة الفرنسية كقوة عظمى ذات مكانة عالمية، وفي سبيل ذلك فإنها تبرهن على ذلك بتوظيف آلية التدخلات في مناطق الأزمات والصراعات، بغض النظر عن التكاليف والنتائج المترتبة على ذلك.

لمزيد من تدعيم نفوذها في المنطقة، أشرفت فرنسا على تشكيل قوة عسكرية جديدة هناك تستثني الجيش الجزائري

ويرى مراقبون أن "الجماعات الإرهابية" في شمال مالي قدّمت أكبر خدمة لمشروع عودة فرنسا إلى منطقة الساحل والصحراء، حيث بادرت باريس إلى شن عملية عسكرية كبيرة (عملية برخان) لإسقاط حكم هذه الجماعات في بداية سنة 2013 بمشاركة 4500 مقاتل فرنسي، ولمزيد من تدعيم نفوذها في المنطقة، أشرفت فرنسا على تشكيل قوة عسكرية جديدة هناك، تضم عناصر من جيوش تشاد ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر، وتستثني الجيش الجزائري وهو ما يؤشر إلى الخلافات الحادة بين فرنسا والجزائر في المنطقة.

ومن المخطط أن تنتشر القوة المشتركة في البداية على حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر لتنضم في وقت لاحق إلى قوة "برخان" الفرنسية التي تطارد المسلحين في دول الساحل، وإلى بعثة الأمم المتحدة في مالي (مينوسما)، وأكد قائد القوة المشتركة، رئيس أركان الجيش المالي سابقًا، الجنرال ديدييه داكو، أن مركز قيادة هذه القوة سيكون في "سيفاري" بوسط مالي.

الجزائر تعتمد الخيار الديبلوماسي

تعتبر الجزائر أي اضطراب أمني أو سياسي في المنطقة الخطر الذي من الممكن أن ينتقل إليها، لذلك فإنها تعمل على إيجاد حلول للأزمات التي تعرفها المنطقة دون اللجوء للحل العسكري، وترفض الجزائر المشاركة البشرية في أي عملية عسكرية خارج أراضيها انسجامًا مع مبادئها الأساسية في عدم مغادرة جيشها لتراب الجمهورية إلا في الحالات الإنسانية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.

الدستور الجزائري يمنع مشاركة الجيش في عمليات خارج البلاد

وترى الجزائر منطقة الساحل الإفريقي امتدادًا طبيعيا لها، لذلك فهي تسعى إلى بناء مشروع محوري ذي وزن دولي ألا وهو مشروع القطب الإفريقي القوي والموحد عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، والقادر أن يدخل الشعوب الإفريقية في عصر التحديث والعصرنة ماديًا وثقافيًا، وقد ساهمت طبيعة منطقة الساحل الإفريقي، باعتبارها مجال صحراوي واسع تغيب فيه سلطة الدول، في استتباب تحكم المجموعات المسلحة فيها.

وتغلب الجزائر دعم الحكومات والجيوش وأجهزة الأمن في الدول الجارة، ومساعدتها من أجل القيام بحماية أراضيها وفرض الأمن، على الالتجاء إلى التدخل العسكري كحل لمواجهة المشاكل الأمنية التي تعاني منها دول المنطقة، ففي مالي، تقدم الجزائر جهودًا دبلوماسية كبيرة للوصول إلى حل للأزمة هناك بين الجماعات المتنازعة في الشمال وحكومة مالي في الجنوب، وإعادة الوحدة الترابية بقيادة العاصمة باماكو عكس فرنسا التي ترى أن الحل العسكري هو الأمثل لحل الأزمات.