الحملة الشعبية الكبيرة التي أطلقها أهل القدس للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، والتصدي للاحتلال الإسرائيلي وإحباط مخططاته العنصرية للسيطرة وفرض السيادة والتهويد، لم يستجيب لها الفلسطينيين وأهل المدينة المقدسة فقط، بل تصدر خطوط المواجهة الأولى الأجانب والمسيحيين في مشهد تلاحمي عظيم لم تجده من قبل.

"كتفاً بكتف ويداً بيد لنحمي الأقصى"، كان هذا شعار عشرات الأجانب المتطوعين الذين تركوا بلادهم الآمنة وتوجهوا نحو المسجد الأقصى للدفاع عنه بجسهم وقلبهم، حتى أصبحوا عنوان وحديث لكافة وسائل الإعلام المحلية والعالمية نظراً للدور الكبير الذين قاموا في مواجهة المحتل ومقارعته في الميدان طوال الأيام الماضية.

"ميخائيل" صاحب الـ37 ربيعاً هولندي الجنسية كان عنواناً بارزاً لهذا الصمود والتحدي، فخلال الـ13 يوماً الساخنة التي مرت على المسجد الأقصى المبارك وما صاحبها من مواجهات واعتداءات من قبل قوات الاحتلال، إلا انه كان يتصدر صف المواجهة الأول في مقارعة المحتل.

مقاتل جديد للدفاع عن الأقصى

"ميخائيل" أخذ على عاتقه الدفاع عن المسجد الأقصى الذي كان قلبه معلقاً به منذ سنوات طويلة، فقرر أن ينفض غبار الرفاهية والحياة الكريمة التي كان يعيشها في هولندا، ويتجه نحو المسجد الأقصى للرباط فيه والدفاع عنه جنباً بجنب لكل فلسطيني ومقدسي مقاوم.

وكعادته في كل يوم يتوجه نحو المسجد الأقصى في ساعات الصباح الأولى برفقة 3 من أصدقائه الهولنديين، ويرابطون بجانب المرابطين كجنود يقاتلون معهم تارة، ويقدم المساعدة لمن يحتاج تارة أخرى، ولو أن ملامحه الشقراء لم تكن مميزة عن غيره لما استطاع أحداً أن يفرقه عن أبناء أهل القدس.

"نون بوست"، تحدثت مع المتضامن الهولندي"ميخائيل" أو ما يفضل أهل القدس أن يطلقوا عليه "المقاوم الأشقر"، لكن صعوبة فهمه للغة العربية كان حاجزاً، مما أضرنا إلى الاستعانة ببعض المقدسيين المرافقين للوفد الهولندي لترجمة الحوار الصغير.

فعند سؤالنا، لماذا أنت هنا؟، قال "ميخائيل"،:" أنا هنا لأقاتل وأدافع عن المسجد الأقصى المبارك، وأحاول مساعدة إخوتي في صد هجمات الاحتلال الظالم والغاشم، فالأقصى للجميع ولكن ما تقوم به إسرائيل مخالف لكافة القوانين الدولية والإنسانية".

وتباع :" إسرائيل ترتكب المجازر بحق أهل القدس وتقوم بقتلهم بدم بارد، والعالم كله يتفرج، لذلك قررت أنا وأصدقائي بزيارة مدينة القدس والتضامن مع أهلها وسكانها، ومحاولة تقديم المساعدة لكل من يحتاجها في هذا المكان الطاهر".

وذكر "ميخائيل"، أن إسرائيل باتت اليوم فوق القانون، ولا تستطيع سياسات الدول الغربية أن تقوم بدورها في التصدي لها ووضع حد لتجاوزاتها القانونية والإنسانية الخطيرة، لذلك على الشعوب أن تتحرك وتنتفض للدافع عن فلسطين ومقدساتها وإلا سيكون للاحتلال حديث آخر.  

وأضاف "المقاوم الأشقر"، :" أنا متواجد هنا في ساحات ومحيط المسجد الأقصى المبارك منذ أكثر من أسبوعين، وسأبقى هنا لأدافع عنها وأقاتل المحتل وأساعد الفلسطينيين بكل ما أتيت من قوة وجهد، حتى يتعود الحقوق لأصحابها".

وختم حديثه بالقول:" نحن جنود للأقصى وفداء لفلسطين، وسنبقى نقاتل وندافع مع الفلسطينيين، حتى تحقيق النصر الكبير وزوال هذا المحتل اللعين".

ولهذا الشاب الهولندي قصصًا مع متضامنين مقدسيين، حيث قضى معهم لحظات تمتزج فيها لحظات الأسى مع الدماء، عندما اعتدى جيش الاحتلال على المتضامين فسقط منهم الشهداء والجرحى.

تقول الكاتبة رجوى الملوحي: "تعتبر هولندا حليفا تقليديا لدولة الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك ميخائيل الشاب الهولندي حرر فكره من أي سلطة. فأوصله إلى الحق، مرابطا في الأقصى".

وتحفل فلسطين بدعم شعبي واسع في الكثير من البلدان الأجنبية بسبب عدالة قضيتها، وهو ما يترجمه وصول آلاف المتضامنين الأجانب إلى الأراضي الفلسطينية سنويًا ويشاركون في احتجاجات وتظاهرات تطالب بزوال الاحتلال الإسرائيلي.

 وطني بامتياز

وجانب آخر من التلاحم في الدفاع عن المسجد الأقصى، تصدر خلال الفترة الأخيرة صورة لفلسطيني من أصل مسيحي الصفحات الأولى لمعظم وسائل الإعلام، وفي مشهدٍ لفت انتباه الجميع، حَمَلَ الشاب المقدسي المسيحي نضال جوزيف عبود انجيله بين كفيه، واضعاً صليبه على صدره، متوسطاً آلاف المصلين المسلمين، الذين يتصدون للجرائم الإسرائيلية بحق الأقصى، مشهدٌ دلَّ على مدى وحدة الموقف لدى الفلسطينيين الرافض للاحتلال وإجراءاته.

لفتة الشاب المسيحي عبود (24 عاماً) بدأت عندما قرر، أن يشارك في جمعة الغضب، للتصدي للجرائم الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى المبارك، والتي آخرها وضع البوابات الإلكترونية، وعرقلة دخول المصلين.

وتوجه عبود إلى أبواب المسجد الأقصى، وعند أحد الحواجز، طلبت منه مجندة إسرائيلية هويته، ومن ثم طردته من المكان، ومنعته من الدخول إلى المنطقة التي يتجمع فيها المقدسيون لأداء صلاة الجمعة، وتحديداً عند قرية الجوز قرب باب الأسباط.

عبود دخل من طريقٍ آخر، ووصل إلى تجمع المصلين المسلمين في تمام الساعة التاسعة صباحاً، عندها بدأت قوات الاحتلال رشق المصلين من الشيوخ والأطفال والنساء بقنابل الغاز.

يقول عبود: عند ضرب المصلين المسلمين بقنابل الغاز، شعرتُ بالخوف من الهجمة الإسرائيلية، واصررت على الصلاة مع المسلمين وتحدي قوات الاحتلال، فطلبت من أحد الشيوخ الكبار في السن أن أؤدي صلاتي مع صلاتهم، فوافق، وأدخلني في منتصف صفوف المصلين المسلمين، ولم يوقفني على جوانب الصفوف، خشية من اتعرض لهجمات قوات الاحتلال.

لفتة عبود التي تفاعل معها الكثيرين، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كان الهدف من ورائها وطني بامتياز، قائلاً "الخطوة هدفها وطني بامتياز، وأردت ان أوصل رسالة إلى كل العالم أن الفلسطينيين سواء مسيحيين أو مسلمين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي، وموحدين بجميع طوائفهم ضد العنصرية الإسرائيلية، وموحدين لحماية الأقصى"

يقول عبود: هدفي وطني، وهو التضامن مع أخوتي، وقضيتي ضد الاحتلال وممارساته ضد أماكن العبادة في القدس سواء المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة".

وأضاف: مسلمون ومسيحيون في فلسطين، متحدون ضد سياسات الاحتلال فيما يتعلق بمقدساتنا وأماكن عبادتنا.

"أثناء الصلاة كان المسلمون سعيدون بالخطوة التي قمت بها إلى جانبهم، على الرغم أن التآخي بين المسلمين والمسيحيين ليس غريباً على الحالة الفلسطينية، وأثناء الصلاة لم أكن اشعر أني من دينٍ آخر، لأن التصدي للظلم الإسرائيلي كان يوحدنا"، قول عبود.

وعبر عبود عن سعادته لوصول رسالته إلى العالم اجمع من خلال انتشار صورته وهي يصلي بين المسلمين عند أبواب الأقصى، قائلا "اشعر بسعادة غامرة لوصول رسالتي إلى العالم، رسالتي وصلت للعالم ان الفلسطينيين موحدين في صد الهجمة الإسرائيلية على المسجد الأقصى".

ولا يخشى عبود من أي إجراء إسرائيلي ضده على تلك اللفتة التي تفاعل معها أعداد كبيرة حول العالم، وغيرت كثيراً من المفاهيم السائدة حول الصورة في المسجد الأقصى.

واستغرب عبود صمت العرب من التهويد الإسرائيلي للمسجد الأقصى، قائلاً "على الأمة العربية بجميع دياناتها أن تتحرك لإنقاذ المسجد الأقصى من ايدي الإسرائيليين، أين المروءة والنخوة العربية من ما يجري في القدس، هل تقبلون بهذا الواقع إن كان في بيوتكم".

ومنذ اندلاع الأحداث الأخيرة في الأقصى ورغم ما فرضه الاحتلال من إجراءات أمنية مشددة تحول دون الدخول إلى القدس، إلا أن بعض المتضامنين الأجانب نجحوا في الوصول إلى باب الأسباط للانضمام للاحتجاجات على الإجراءات الإسرائيلية في المسجد الأقصى.

وقام الاحتلال بتاريخ 14/7/2017 بتركيب بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة على مداخل المسجد الأقصى، وبسبب موجة الاحتجاج والغضب الفلسطيني العارمة اضطر إلى إزالتها.