الأمر ببساطة أن هناك مزيد من المتزوجين اتخذوا قرارًا بعدم الإنجاب على الرغم من قدرتهم على ذلك، حتى أصبحت ثقافة عدم الإنجاب على الإطلاق من الطرق الشائعة بأساليب الحياة في كثير من البلاد الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، كما بدأت بالانتشار في دول كبريطانيا وآيرلندا، والتي بدأت تشهد معدلات منخفظة من المواليد مؤخرًا كما هو الحال في أغلب بلاد أوروبا الشرقية.

على الرغم من أن تلك الثقافة لم تشهد الانتشار ذاته في بلاد الشرق الأوسط، فإنها بدأت بالظهور على أرض الواقع بالتأكيد، حيث بدأت أعداد أكبر من حديثي الزواج بأخذ قرار عدم الإنجاب لمدة لا تقل عن خمس سنوات من بداية حياتهم الزوجية، وربما يُقررا فيما بعد الإنجاب وربما يُقررا عدم الإنجاب إلى الأبد.

في الماضي كان عدم الإنجاب يعني الفشل الاقتصادي، وهذا يُعتبر مفهومًا في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية في بعض الدول التي تضررت من الحروب، إلا أن الوضع اختلف في العصر الحالي، وتعددت الأسباب من وجهة نظر كل من المرأة والرجل بشأن اتخاذ قرار عدم الإنجاب مُطلقًا، كانت بعض الأسباب شديدة التعقيد، والبعض الآخر أسبابًا تتعلق بالمشاكل الطبية أو الجينية، وأحيانًا تكون أسبابًا مادية، وحتى أسباب لها علاقة بالنسوية.

يقول مدير شركة "Pocket"، وهو مارك فليسينج"، في تقرير الإيكونومست إن الشركة توقعت أن يكون المشترون لتلك الشقق المنزلية الصغيرة في العشرينيات أو أواخر العشرينيات من عمرهم، لكن في الواقع كانت الشريحة التي قررت شراء منازل أصغر في الثلاثينيات والأربعينيات

في تقرير حديث لصحيفة "الإيكونومست" ذكرت أن شركة "Pocket Living" (إحدى الشركات المهمة في بناء وبيع المنازل السكنية في لندن) بدأت مبيعاتها للشقق المنزلية الصغيرة في الازدياد وكذلك مشروعاتها في بناء بنايات تحتوى على مساحات أقل من السابق وشقق منزلية تتسع لشخصين فقط للمعيشة، لتبدأ أيضًا في مراعاة وجود مساحة لموقِف الدراجات الهوائية بدلاً من باحات وقوف السيارات، بالإضافة إلى تصغير مساحات المطابخ.

يقول مدير شركة "Pocket"، وهو مارك فليسينج، في تقرير الإيكونومست إن الشركة توقعت أن يكون المشترون لتلك الشقق المنزلية في العشرينيات أو أواخر العشرينيات من عمرهم، لكن في الواقع كانت الشريحة التي قررت شراء منازل أصغر في الثلاثينيات والأربعينيات، فكانت مجموعة من المتزوجين لم يكن لديهم أطفال، ولا يتوقعون إنجاب أطفال في المستقبل.

ذكرت الصحيفة أيضًا بعض النسب المدهشة في تقريرها بخصوص النساء اللواتي بلغن الأربعينيات من عمرهن في بعض الدول الأوروبية ولم ينجبن أي أطفال، فوصلت النسبة في ألمانيا إلى 17%، كما كانت النسبة في مدينة "هامبورج" الألمانية وحدها تقارب 32%.

واحدة من بين كل سبع نساء في بريطانيا في عمر الأربعين ولم تنجب أطفالًا

ربما يتوقع البعض مساندة الأوروبيين للفكرة بشكل طبيعي إلا أن هذا لم يكن رأي أحد الصحفيين الدنماركيين الذي أبدى رأيه لصحيفة "الإيكونومست" قائلاً إنه يرى أن ثقافة بلا أطفال هي ثقافة ضعيفة ومريضة، وتعني مجتمعًا فقد اتصاله بالتراث والماضي، إلا أنها لا تعني انهيارًا لديموغرافية البلاد بالضرورة، بل تعني أن تلك البلاد قررت تحديث بعض الأساليب الحياتية التي قد يمتد أثرها على المدى الطويل.

أسباب عدم الإنجاب

المرأة العاملة في اليابان تسببت في زيادة عدد النساء اللاتي قررن عدم الإنجاب

يأتي على قائمة أسباب عدم إنجاب هؤلاء النساء للأطفال مفهوم المرأة العاملة، ويبدو المثال الأكثر وضوحًا هنا مثال المرأة العاملة اليابانية، إذ إنها لا تعمل فحسب، بل تتحمل ساعات طويلة وقاسية جدًا من العمل، لا يُسمح لأي من الموظفين سواء كانوا رجالًا أو نساءً بمغادرة العمل ما دام العمل لم ينته بعد، أو ما دام المدير موجودًا، فيما يجعل الأمر مستحيلًا على المرأة اليابانية أن تفكر بالإنجاب، لأنها ببساطة لن تجد الوقت الكافي للاعتناء بطفلها ولن يجد طفلها الوقت الكافي لرؤيتها، وفي حالة صعوبة ترك العمل والتضحية به من أجل الإنجاب، كان قرار الكثير من النساء اليابانيات التضحية بفكرة الإنجاب كليًا.

يأتي على قائمة أسباب عدم إنجاب  النساء للأطفال مفهوم المرأة العاملة، ويبدو المثال الأكثر وضوحًا هنا مثال المرأة العاملة اليابانية

روبوت "كيروبي ميني" يحاكي الطفل الرضيع

لا عجب في استخدام ما سبق في الجدالات السياسية داخل اليابان، فأحزاب المعارضة اليابانية تلوم الحكومة على عدم ترك فرصة للنساء اليابانيات ليعملن ويحظين بفرصة الإنجاب دون قلق، وذلك بسبب قوانين العمل القاسية وساعات العمل الطويلة في الشركات اليابانية، وعلى الجانب الآخر لم تنس شركات الأتمتة الحصول على نصيبها من الكعكة، إذ خرجت هي الأخرى بروربوتات صناعية تُحاكي الطفل الرضيع، مثل روربوت "كيروبي ميني" من شركة تويتا اليابانية.

تتعلق بعض الأسباب بمشاكل صحية أو مشاكل في الجينات، قد ترغب بعض النساء بسببها في عدم الإنجاب لكي لا تنقل تلك الأمراض إلى جنينها

الاختيار

قد تفكر بعض النساء من وجهة نظر حقوقية للنساء، والتي في الأغلب تكون جزءًا من النشاط النسوي، من حق المرأة أن تختار بمحض إرداتها ما إن ترغب في الإنجاب أم لا

ربما يكون هذا السبب أكثرهم عدم تصديقًا من قبل العامة، فحينما يكون الهدف من الحياة في الأساس تعمير الأرض، وجزء من هذا التعمير يكون في توريث الأفراد لصفاتهم وجيناتهم للأجيال التي تأتي من بعدهم، فيكون اختيار الامتناع عن فعل ذلك غريبًا على كثير من الأفراد، إلا أنه يتصدر مرتبة عليا على قائمة أسباب منع الإنجاب، لا سيما في الدول الغنية كالدول الإسكندنافية، والتي لا تعاني مشاكل اقتصادية كما هو الحال في كثير من بلاد الشرق الأوسط.

تتعلق بعض الأسباب الأخرى بالتفكير في البيئة ومشاكل الكثافة السكانية المتزايدة، والتي قد تؤثر على حصول الأفراد على المصادر الطبيعية

يختار البعض عدم الإنجاب بمحض إرادتهم، تختلف أسبابهم من شخص لآخر ومن امرأة لأخرى، قد تتعلق بعض الأسباب بمشاكل صحية أو مشاكل في الجينات، ترغب بعض النساء بسببها في عدم الإنجاب لكي لا تنقل تلك الأمراض إلى جنينها، وقد تتعلق بعض الأسباب الأخرى بالتفكير في البيئة ومشاكل الكثافة السكانية المتزايدة، والتي قد تؤثر على حصول الأفراد على المصادر والثروات الطبيعية من مياه وطعام ومصادر حيوانية ونباتية ومصادر الطاقة غير المتجددة.

قد تفكر بعض النساء من وجهة نظر حقوقية للنساء، والتي في الأغلب تكون جزءًا من النشاط النسوي، أن من حق المرأة أن تختار بمحض إرداتها ما إن ترغب في الإنجاب أم لا، ولا تقوم بذلك بسبب رغبة من الزوج في الحصول على أطفال فحسب، كما لا يجب عليها التضحية بعملها وطموحاتها سواء كانت أكاديمية أو طموحات وأحلام عملية من أجل الإنجاب وتربية الأبناء، ولا يجب أن تتم تربية النساء منذ صغرهن على أنه من الواجب عليهن أن يشعرن بحاجتهن للإنجاب ليقومن به سواء كن مستعدات له أم لا.

المؤجِلون الدائمون

تلك صفة يتصف بها العديد من أفراد العصر الحديث، تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين، وهم من يختارون التأجيل الدائم في كل شيء وليس فقط في مسألة الإنجاب، ويحبون تأجيل فعل شيء ما بينما ينتهون من فعل شيء آخر، مثل تأجيل الزواج لكي ينتهي المرء من دراساته العليا أولًا، أو تأجيل برنامج الدراسات العليا لحين الحصول على وظيفة مرموقة، أو تأجيل الإنجاب لحين الانتهاء من السفر حول العالم والحصول على وظيفة مرموقة وحياة آمنة ماديًا، ليكتشفوا في النهاية أنه قد فات الأوان لإنجاب الأطفال وأصبح التفكير في ذلك متأخرًا بعض الشيء بالنسبة لحالتهم الصحية وقدرتهم على الإنجاب.

هم من يختارون التأجيل الدائم في كل شيء وليس فقط في مسألة الإنجاب، وهم من يحبون تأجيل فعل شيء ما بينما ينتهون من فعل شيء آخر

عدم الرغبة

تساوي تكلفة تربية الطفل في الولايات المتحدة مئات الآلاف من الدولارات حتى إتمامه الثامنة عشر، تلك التكلفة كانت السبب في ازدياد ثقافة عدم الإنجاب في الولايات المتحدة

يُفضل البعض عدم الإنجاب على تربية طفل يندمون على إنجابه، أو يُفضل البعض عدم الإنجاب لعدم قدرتهم المادية والنفسية على تربية الطفل وتأمين حياته الكاملة منذ الميلاد وحتى الثامنة عشر بل وأحيانًا يمتد الوقت إلى ما بعد الثامنة عشر، فيرون بأنهم غير مستعدين للقيام بتلك المسؤولية لإشباع حاجات في نفوسهم تلح عليها فطرتهم بها، فلا معنى لكي تصبح المرأة أمًا أن تنجب وهي غير مستعدة لتحمل تلك المسؤولية، والكلام ينطبق على الرجل أيضًا، وذلك لأنهم يعتقدون بأن الإنجاب ليس الهدف الأوحد من الزواج.

يُفضل البعض عدم الإنجاب على تربية طفل يندمون على إنجابه، أو يُفضل البعض عدم الإنجاب لعدم قدرتهم المادية والنفسية على تربية الطفل

ربما لا يكون شائعًا الحديث عن الاتجاه المستمر نحو عدم الإنجاب في البلاد العربية، لا سيما الرأي الديني المخالف لهذا الاختيار، بالإضافة إلى رؤية الإنجاب أحد أهداف الزواج المطلقة التي من الصعب أن تتزحزح عن مكانتها، خاصة أن فكرة تكوين الأسرة فكرة مقدسة لدى المجتمعات العربية ولا بديل عنها إذا أراد المرء توطيد علاقته بشريكته، إلا أن أثر تلك الأعداد القليلة التي اختارت هي الأخرى تأجيل الإنجاب أو عدم الإنجاب على الإطلاق لن يظهر في السنوات القليلة القادمة، فقد يحتاج عقودًا كاملة لكي يبدأ في الظهور، فالتغيّرات الديموغرافية تغيرات على المدى الطويل لا تحدث بين ليلة وضحاها.