انتقل لأحد الفنادق، أغلق على نفسه الغرفة لمدة شهرٍ ونصف، قرأ فيها "Clockwork Orange" لأنتوني بيرجيز، القصة التي حوّلها المخرج الأمريكي الكبير "ستانلي كوبريك" لفيلم عن العنف في زمن ما بعد الحداثة، وطالع لوحات "فرانسيز باكون" التي استطاعت تحويل الأمراض النفسية لفنٍ مرئيّ فريد، ثمّ قرأ عن المهرجين وتاريخهم وراجع قصص باتمان المصورة والأفلام المستوحاة عنها.

شاهد "جاك نيكلسون" وهو يؤدي دور الجوكر سابقًا، ثمّ تدرّب على نبرةِ صوت وطريقة كلامٍ وضحكة مميزة خاصة به، بعد أنْ سجّل صوته لمئات المرات على مسجله الشخصي الصغير، وصنع في النهاية كتيّبًا صغيرًا جمع به كلّ ما يتعلّق بالشخصية التي "لبسته ولبسها".

ينتهي التصوير، ينتهي الفيلم، إلا أنّ "هيث ليدجر" لم يخرج من أجواء الفيلم بعد. جسدٌ منهك والتهاب رئويّ حادّ يستدعي الراحة الشديدة. أرقٌ متواصل وعقلٌ مشغول لا يجد له طريقًا سوى اللجوء للمهدّئات ومضادات الاكتئاب لعلّ المرحلة تمرّ، لكن دون جدوى، فما هي إلا شهور قليلة حتى يتناقل محبو "الجوكر" خبرَ انتحاره، بعد أنْ كان "الجوكر السابق" جاك نيكلسون قد صرّح في إحدى مقابلاته أنه حذّر ليدجر من شخصية "الجوكر" وتبعاتها.

لم يكن هيث ليدجر الوحيد في عالم السينما الذي عانى من "تلبّس" الدور الذي أداه خارج نطاق الفيلم والتصوير، فقد حمل تاريخ السينما الكثير من القصص والحالات عن ممثلين أدّوا أدوارًا تمحورت أساسًا حول مشكلاتٍ نفسية عميقة أو أمراض عقلية، ما جعلها تنعكس على حياة ممثليها السوية وواقعهم الحقيقيّ.

إيزابيل أدجاني: حيازة

ربما لا يغيبُ عن عقل محبي أفلام الخيال مشهدَ الرعب في فيلم أندريه زولاوسكي "حيازة" أو Possession، والذي تمّ تصويره داخل إحدى محطات مترو الأنفاق وقامت بأدائه "إيزابيل أدجاني"، الممثلة الحائزة على أكبر عددٍ من الألقاب في السينما الفرنسية، بفوزها بخمس جوائز "سيزار" كأفضل ممثلة، واثنين من الترشيحات لجائزة الأوسكار عن نفس الفئة.

وعلى الرغم من أنّ إيزابيل حازت على جائزة سيزار لأدائها في الفيلم، إلا أنه كلّفها الكثير بسبب الضغوطات النفسية والجسدية التي تطلّبها الدور، ما جعلها تستصعب العودة إلى حالتها الطبيعية بعد انتهاء التصوير، واستغراقها في "سنوات من العلاج النفسي" لاسترجاع نظام حياتها الطبيعيّ، بحسب تصريحها لإحدى المجلات.

أدريان برودي: عازف البيانو

لا يختلف شخصان على أنّ أدريان برودي تألق في تقديم شخصية عازف البيانو اليهوديّ البولندي "فلاديسلاف شبيلمان"، أثناء اشتعال الحرب العالمية الثانية عام 1939 والاحتلال النازيّ لبلاده.

قد لا يكون من الصعب على الممثل الدخول في حالةٍ من الحزن والاكتئاب بما يتوافق مع مجريات الدور الذي يؤديه، لكنّ برودي قرّر أنْ لا يكون دوره مجرّد تمثيل وحسب، وإنما حاول أن يدخل الجو تمامًا ويتقمص مشاعر ونفسية الرجل الذي فقد عائلته ومنزله وخسر كلّ شيء بسبب الحرب.

"كانت هناك لحظات لم أكن متأكدًا من أنني سأخرج من التجربة بعقليةٍ سليمة"، صرّح برودي ذات مرة بعد أن عمل على مدى العام ونصف العام على إعادة أمور حياته لنطاقها وتسوية المشاعر والاضطرابات التي دخلها بفعل الفيلم والتخلص منها، فقد استطاع أن يخسر 12 كيلو من وزنه في غضون 6 أسابيع فقط، إلى جانب أنه تخلّى عن شقته وسيارته وهاتفه المحمول ليجرّب بالفعل بعيدًا عن دائرة التمثيل ماذا يعني أن تخسر أكبر ممتلكاتك.

كولن فيرث: خطاب الملك

لعب كولن فيرث في هذا الفيلم دور ملك إنجلترا جورج السادس الذي كان يعاني من صعوبات في التحدّث أو التأتأة والتلعثم في النطق.

عمل فيرث بجدّ مع عددٍ من مدرّبي ومعالجي النطق لمحاكاة طريقة الملك جورج بالكلام ومحاكاة القصور لديه، فضلًا عن أساليبه الجسدية وتعبيراته العاطفية والعصبية، الذي نجح إلى حدٍ بعيدٍ بتقليدها ومحاكاتها، ما جعله يحصل على جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل.

لكن ما لم يتوقعه فيرث هو أن تمتدّ محاكاته إلى نطاقٍ أوسع من حياته خارج حدود الفيلم والأدوار التي أداها فيه. فقد صرّح في مقابلة معه أُجريتْ بعد ثمانية أشهر من عرض الفيلم لأول مرة، أنّ لسانه ما يزال ينزلق متأثرًا بالفيلم، فيبدأ بالتأتأة والتلعثم دونما وعيٍ منه أو انتباه.

جانيت لي: سايكو

لا يمكن الحديث عن أفلام الرعب دون التطرّق إلى أكثرها كلاسيكية وشهرة، فيلم "سايكو" لمخرج الإثارة والرعب النفسي "الفريد هيتشكوك"، والذي يروي قصة الحياة الحقيقية للسفاح والقاتل المتسلسل "إد جين".

لعبت "جانيت لي" دور "ماريون كرين"، موظفة البنك التي تسرق المال من رئيسها وتهرب من المدينة، والتي تتعرض فيما بعد لجريمة قتلٍ شنيعةٍ في حمام الفندق الذي هربت إليه.

يُعدّ مشهد القتل في الحمّام واحدًا من أكثر مشاهد القتل شهرةً في عالم السينما، غير أنّ أثاره وتبعاته لاحقت "جانيت لي" مطوّلًا حتى بعد انتهائها من أداء دورها وصدور الفيلم.

 ففي مقابلاتٍ عديدة، صرّحت "لي" أنها توقّفت عن الاستحمام لفترةٍ ليست بالقليلة بعد تأدية دورها، واستعاضت بأخذ "دوش" سريع مع إبقاء الباب مفتوحًا وعينيها تجاهه خوفًا من حدوث مشهد الفيلم الشنيع، إلى جانب تعرّضها لوسواسٍ قهريّ من فكرة انزلاقها ووقوعها في الحمّام في أية لحظة.

عندما نتحدث عن الأدوار النفسية والسوداوية الكبيرة في تاريخ السينما، فإننا نستطيع تخيّل مدى صعوبة الجهد الذي بذله الممثل ليؤدي دوره بطريقة ليست مُتقنة وحسب وإنما "صادقة"، لدرجةٍ تجعلنا نحن المتفرّجين نظنّ أنّ الممثل والشخصية عبارة عن شخصٍ واحدٍ لا ينفصلان وكأنّ كلًّا منهما تلبّس الآخر.

يصلنا المشهد النهائي، ننبهر به ونصفق له ونُعجب بالقدرة على ذلك الأداء الخارق والقدرة العالية على تقمّص الدور، لكننا نغفل عما يحدث مع الممثل نفسه وراء كواليس المشهد، سواء أثناء التدرب عليه أو بعد الانتهاء من أدائه.

ثنائية الممثل والدور ليست بسيطة كما نعتقد والتداخل بينهما كبير ومعقد، فالتمثيل يتيح فرصة أن يكون الممثل شخصًا آخر، بتصرفاته وانفعالاته وعواطفه وأفكاره، ما يؤدي إلى فصله عن واقعه وحياته الكلية سواء بشكلٍ جزئيٍ مؤقت أو بشكلٍ كليّ ذي أمدٍ طويل وآثار عميقة تمامًا مثل ما حدث مع "هيث ليدجر".

يعجز الممثل في بعض الأحيان عن خلق المسافة الآمنة بين حياته الواقعية والدور الذي يؤديه خاصةً إن كان الدور ثقيلًا على النفس كأنْ يكون ظلاميًا أو يجسّد أحد الاضطرابات الذهنية والعقلية، ما يؤدي لخلق مشاكل متعلقة بالنفس من جهة والهوية من جهة أخرى.

يصف فيليب ويسمان الممثل بحاجته الداخلية المفرطة ورغبته الدائمة غير المُشبعة بإظهار نفسه، وأنّ الأدوار الموجهة إليه تعطيه "فرصًا متكررة لخلق صورة ذاتية" ما يجعل منه باحثًا دائمًا عن هوية شخصية لا يجدها في ذاته.

مسألة تلبّس العاطفة وتقمّص الدور ما تزال مثيرة للجدل ويطول الحديث فيها كثيرًا، سواء اتفقنا مع سلبياتها أم لم نتفق، لكن في النهاية علينا أنْ لا ننسى أنّ وراء كلّ مشهدٍ جعلنا مبهورين متسائلين هل كان واقعيًا كما شعرنا أم أنه لا يخرج من نطاق التمثيل والخيال، فثمة ممثل عمل مطوّلًا ليصبح والشخصية شخصًا واحدًا لا يتجزآن، ربما سيبقى عالقًا على غير توقعاته في دائرة الدور وسوداويته أو اضطراباته بكلّ ما فيها.