رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر يجلس في مكتبه في حين علقت فوق رأسه صورة لوالده الراحل محمد صادق الصدر، في مدينة النجف في الثاني من أيار/مايو سنة 2003.

ترجمة وتحرير نون بوست

في الثالث عشر من آب/أغسطس الجاري، استقبلت الإمارات العربية المتحدة رجل الدين الشيعي العراقي المؤثر، مقتدى الصدر، حيث اجتمع بولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، في قصر الشاطئ بالعاصمة الإماراتية. وفي اليوم الموالي، التقى زعيم التيار الصدري، البالغ من العمر 43 سنة، بالشيخ أحمد الكبيسي، وهو عالم سني عراقي بارز أسس، جمعية العلماء في العراق. ويقيم الكبيسي، في الوقت الراهن، في الإمارات حيث يلقي أسبوعيا خطبا يستمع إليها حوالي 20 مليون شخص.

والجدير بالذكر أن رجلي الدين الشيعي والسني قد ناقشا في خضم هذا اللقاء، مستقبل العراق فضلا عن مستقبل الشرق الأوسط، حيث أكد كلا الزعيمين الدينيين على الحاجة الملحة إلى توحّد العرب والمسلمين من خلال تجاوز الانقسامات الطائفية. وتأتي زيارة الصدر إلى الإمارات بعد وصفه للسعودية على أنها "الأب" الإقليمي الذي يعمل على تعزيز السلام، وذلك في أعقاب رحلته التاريخية، خلال الشهر الماضي، إلى المملكة العربية السعودية، حيث التقى ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان.

في إطار هذا الاجتماع، ناقش الرجلان العلاقات بين الرياض وبغداد، من بين مجموعة من القضايا الإقليمية الأخرى، انطلاقا من القدس، مرورا باليمن وسوريا، ووصولا إلى البحرين. وخلال زيارة رجل الدين الشيعي إلى السعودية، وافقت الرياض على تقديم 10 ملايين دولار في شكل مساعدات لإعادة الإعمار في العراق، علاوة على منح شخصيات تابعين لمكتب الصدر تأشيرات خاصة لموسم الحج القادم.

في المقابل، وخلال السنة المنصرمة، حثّ الصدر أتباعه على الاحتجاج خارج سفارة الرياض في بغداد، ردا على إعدام رجل الدين الشيعي السعودي، نمر النمر. بالتالي، يمكن اعتبار زيارة الصدر إلى جدة وأبو ظبي ذات أهمية بالغة. ولعل أكثر ما يثير الانتباه بشأن زيارة الصدر إلى جدة، أنها تزامنت مع موجة العنف المستمر من قبل  قوات الأمن السعودية التي طالت مدينة العوامية. علاوة على ذلك، يواجه 14 سعوديا أحكاما بقطع الرأس، حيث وقع الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود الحكم النهائي في حق المتهمين، عقابا لهم على إثارة الشغب في المملكة.      

أثارت اجتماعات رجل الدين العراقي في السعودية والإمارات موجة من التفاؤل في المنطقة، فيما يتعلق بمستقبل وآفاق العراق، فضلا عن إحراز دول مجلس التعاون الخليجي تقدما إيجابيا في العلاقات الثنائية

إثر عودته إلى السعودية للمرة الأولى منذ 11 سنة، قدّم الصدر نفسه على اعتباره زعيما شيعيا عراقيا، في الوقت الذي يعتقد فيه المسؤولون في الرياض وأبو ظبي أن بإمكانهم تعزيز العلاقات معه بهدف مواجهة النفوذ الإيراني في العراق. من جانبه، يمثل الصدر سلالة قومية من الطبقة العاملة من العرب العراقيين في المناطق الحضرية (التي لا تقتصر على الشيعة فحسب)، الذين تعتريهم المخاوف إزاء المد الإيراني الذي فاق كل الحدود في بلادهم. وفي الأثناء، تسعى هذه السلالة للاستفادة من هوية العراق العربية، وتوطيد العلاقات مع أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بغية موازنة نفوذ طهران.

في واقع الأمر، يختلف الصدر عن الكثير من الزعماء الشيعة الآخرين في العراق. ويتجلى ذلك من خلال دعوته إلى حل وحدات الحشد الشعبي المدعومة من قبل إيران، فضلا عن أنه ما فتئ يؤكد بشكل حازم على استقلال بغداد عن الجمهورية الإسلامية. وعلى صعيد آخر، دعا رجل الدين الشيعي العراقي، الرئيس السوري بشار الأسد، خلال شهر أبريل/نيسان الماضي، إلى التخلي عن السلطة في أعقاب الهجوم الكيميائي في محافظة إدلب.

في الأثناء، أثارت اجتماعات رجل الدين العراقي في السعودية والإمارات موجة من التفاؤل في المنطقة، فيما يتعلق بمستقبل وآفاق العراق، فضلا عن إحراز دول مجلس التعاون الخليجي تقدما إيجابيا في العلاقات الثنائية، ما من شأنه أن يساعد على احتواء التوتر الطائفي في منطقة الشرق الأوسط. ووفقا لما جاء في تقرير عرضته قناة الغدير العراقية بتاريخ 13 آب/أغسطس الجاري، كانت ردّة فعل المسؤولين الإيرانيين إيجابية فيما يتعلق بمطالب الأمير سلمان الداعية إلى السماح لرئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، بقيادة الجهود الرامية إلى إصلاح العلاقة بين الرياض وطهران.

ستقف الأزمات الطائفية المستمرة في شرق المملكة العربية السعودية والبحرين عائقا أمام مساعي الرياض وأبو ظبي للتغلب على المشاكل التي طالت العلاقات بين المشايخ العرب في الخليج العربي وجزءا كبيرا من المواطنين العراقيين

نتيجة لذلك، تواترت التكهنات التي تشير إلى أن الهدف الحقيقي الكامن وراء زيارة الصدر إلى جدة يتمثل في توظيف العراق كجسر دبلوماسي بين البلدين. وفي الأثناء، يبدو أن مهمة الصدر في تحسين العلاقات بين السعودية والمجتمعات الشيعية في العراق عموما، لن تكون بالأمر الهيّن. ففي الواقع، يعزو الكثير من الشيعة العراقيين بروز تنظيم الدولة في بلادهم إلى الدور السعودي والقطري في ذلك، فيما تسود قناعة مفادها أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست على استعداد للسماح بقيام حكومة يقودها الشيعة في العراق.       

على الرغم من ذلك، قبلت دول مجلس التعاون الخليجي أن يكون للشيعة دور مهيمن فيما يتعلق بمستقبل العراق السياسي. وبغية النفاذ بسهولة والتواصل بنجاح مع عناصر المجتمعات الشيعية في العراق التي تفضل أن تعيد بغداد العلاقات مع مجلس التعاون الخليجي بشكل وثيق للحد من النفوذ الإيراني في بلادهم، ينبغي أن تعمل القيادات السعودية والإماراتية على إقناع العراقيين الشيعة بحسن نواياهم التي لا تشوبها شائبة.

خلافا لذلك، ستقف الأزمات الطائفية المستمرة في شرق المملكة العربية السعودية والبحرين عائقا أمام مساعي الرياض وأبو ظبي للتغلب على المشاكل التي طالت العلاقات بين المشايخ العرب في الخليج العربي وجزءا كبيرا من المواطنين العراقيين. من جانب آخر، يعزى اهتمام السعودية والإمارات بتعزيز العلاقات مع الصدر إلى أن كلا الدولتين تسعيان لإثبات أن السياسات الخارجية التي تتبناها الرياض وأبو ظبي تهدف إلى الوقوف في وجه تدخل إيران في الشؤون الداخلية للدول العربية وليس المسلمين الشيعة.

من هذا المنطلق، يعتبر تحقيق هذا الهدف أمرا حيويا بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعمل على جذب العراق إلى صلب مدارها الجيوسياسي على حساب إيران. وفي الأثناء، عمد السعوديون إلى تركيز جهودهم على مقاومة إيران في العراق أكثر من مقاومتها في سوريا. يأتي ذلك في ظل تحقيق قوات النظام السوري وحلفائه المزيد من المكاسب على أرض الواقع، فيما يواجه الثوار المناهضون للأسد معضلة فرضتها الانقسامات في صفوف دول الخليج الراعية لهم جراء الأزمة القطرية، فضلا عن معاناتهم من الإقصاء التدريجي لإدارة ترامب لدعم وكالة المخابرات المركزية لهم.   

شهدت العلاقات بين بغداد والرياض توترا متزايدا في أعقاب غزو صدام حسين للكويت واحتلالها، بالإضافة إلى بروز العديد من الأحزاب الشيعية المؤيدة لإيران بعد سنة 2003.     

بغض النظر عن مساعي السعوديين والإماراتيين للتقرب من الصدر والطرق التي ينتهجونها لتحقيق ذلك، لن تنجح دول مجلس التعاون الخليجي في إقناع الشيعة العراقيين بقطع العلاقات بشكل نهائي مع طهران. ويتمثل الخيار الأكثر واقعية بالنسبة للرياض وأبو ظبي في توقع موازنة العراق للعلاقات التي تربط بغداد بإيران والسعودية على قدم المساواة.

في سبيل الاستفادة من زيارات رجل الدين العراقي البارز إلى دول مجلس التعاون الخليجي، ينبغي على القادة السعوديين والإماراتيين التعامل مع العراق بصبر وحذر على حد السواء. وتجدر الإشارة إلى أن التحرك بخطى حثيثة لتوطيد العلاقة مع الصدر قد يخلق المزيد من الانقسامات في صفوف العراقيين الشيعة نظرا لمعارضة الكثيرين للنفوذ السعودي في البلاد.

مما لا شك فيه أن ذوبان الجليد على مستوى العلاقات بين الرياض وبغداد قد بدأ بالفعل. وقد تجلى ذلك من خلال الاجتماع الذي انعقد في الخامس عشر من آب/أغسطس الجاري بين المسؤولين السعوديين والعراقيين في منطقة الحدود الشمالية السعودية استعدادا لفتح معبر "جديدة عرعر" بعد مرور 27 سنة على إغلاقه. ولكن، سيكون من السذاجة أن تأمل الجبهة التي تقودها كل من السعودية والإمارات في أن تتحسن العلاقة بين بغداد والمملكة الوهابية بشكل جذري بعد سنوات عديدة من العلاقات المتوترة.

عموما، شهدت العلاقات بين بغداد والرياض توترا متزايدا في أعقاب غزو صدام حسين للكويت واحتلالها، بالإضافة إلى بروز العديد من الأحزاب الشيعية المؤيدة لإيران بعد سنة 2003. ولكن، في حال كان الصدر قادرا على تحويل المشهد السياسي الداخلي في العراق بفضل دهائه وفطنته، وذلك بالتزامن مع اضطلاعه بدور الوسيط بين دول مجلس التعاون الخليجي وبغداد، وإذا كانت الممالك العربية قادرة على القيام بخطوات حاسمة لبناء الثقة بين الممالك السنية في المجلس والشيعة في العراق، فبإمكان الزيارات التي يؤديها رجل الدين الشيعي إلى الرياض وأبو ظبي آنذاك أن تمهد الطريق تدريجيا لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين العراق ومجلس التعاون الخليجي.

المصدر: المونيتور