عائلة عراقية تجتمع على مائدة الطعام

في بلد يعيش ثلاثينية التيه والحرب، من ثمانينيات القرن الماضي والحرب مع الموت القادم من الشرق، مرورًا بتسعينيات الحصار العجاف، نهاية بعشرية القتل على الهوية والحروب الطائفية، لم يمزق نسيج المجتمع العراقي شيء أكثر من السياسة ولم يجمعهم أكثر من الأكلة الجميلة الطيبة على سفرة من المحبة.

لم تغادر تمور البصرة موائد الرمادي، ولا پاچة الموصل ولائم بغداد، ولم يتوقف أهل العمارة عن شرب لبن أربيل رغم كل الخلاف السياسي الطائف على السطح ويروج له بكل وسائل الإعلام، ورغم ما حدث ويحدث في مدن العراق تبقى هناك صفة سائدة جامعة للعراقيين هي الكرم والموائد العامرة بما لذ وطاب لكل زائر أو قاصد لبيت من بيوت أهل العراق.

للطعام اللذيذ سحر يخترق جدران العزلة وفخر يجعل منه رابطًا اجتماعيًا صعب تجاوزه، في هذا التقرير سوف أسلط الضوء على أبرز 5 أكلات عراقية اخترقت جدران الطائفية والمناطقية لتصل إلى قلوب وموائد العراقيين جميعًا.

السمك المسكوف

في بلاد الرافدين لا بد من أن أحد أبرز وأشهر ما سيطبخ فيه سيكون مرتبطًا بالأنهار التي تمتد من شماله وحتى جنوبه، وتعد أكلة المسكوف أكلة تاريخية قوامها سمكة من أحد أنهر العراق يتم فتحها وتنظيفها من جانب الظهر ثم تعلق بأعواد أمام الفحم، ومن هنا جاء أصل التسمية فالمسكوف يقصد به المصلوب وهنا يراد به السمكة.

شواء السمك المسكوف على الطريقة البغدادية

وتشتهر الأكلة في عموم مدن العراق وتتميّز بغداد وتحديدًا شارع أبو نؤاس الذي يعتبر المقصد الأول لعشاق أكلة المسكوف على الطريقة البغدادية، بتقديم هذا الطبق.

يستخدم العراقيون بشكل أساسي أسماك الشبوط والگطان والبز والحمراوي والكاريبي النهرية في هذه الأكلة، وتقدم مع الخبز العراقي وتردف الأكلة بالشاي العراقي الذي تم تحضيره على الفحم المتكون من إحراق الحطب لشي السمك، مما يجعل هذه الأكلة تجربة فريدة من نوعها ومتكاملة الأركان.

الپاچة الموصلية

على خط سير القوافل بين بلاد الأناضول شمالاً والشام غربًا وبلاد فارس شرقًا، تقع مدينة الموصل العراقية التي تأثرت بحضارات مختلفة جعلت مطبخها فريدًا جدًا وغنيًا بالأطباق التي تحمل صفة التعددية والمشاركة، فكانت الپاچة الموصلية مجموعة أكلات متعددة في طبق واحد فهي تجمع فتة الكوارع المصرية والممبار التركي والتشريب العراقي في طبق واحد فريد.

طبق الباجة الموصلي كما يقدم في المطاعم العراقية

تتكون الباجة من رأس الغنم والبقر وأقدامه والأمعاء المحشية بالأرز والتوابل لتقدم مع المرق والخبز وتؤكل غالبًا في صباح أيام الشتاء الباردة لما لها من قيمة غذائية عالية، وهناك من يفضل أكلها في أوقات الليل أيضًا حين اعتدال درجات الحرارة والسهر.

كما جرت العادة، يتم طبخ هذه الأكلة منزليًا في أيام الجمعة وتقدم بعد صلاة الجمعة كوجبة غداء رئيسية تجتمع العائلة العراقية عليها وقد اشتهرت عوائل معينة بطبخ الباجة حتى تحول لقب العائلة ليرتبط بهذه الأكلة مثل عائلة السياسي العراقي الراحل عدنان الباجه جي.

الدليمية "الهبيط"

أكلة العشائر العربية الأولى، وتعتبر الأكلة مرادفة للمنسف الأردنية ولكن على الطريقة العراقية، سميت بالدليمية نسبة لقبيلة الدليم التي سكنت غرب العراق، ومنهم عرفت التسمية وشاعت الأكلة في عموم العراق.

طريقة تقديم الدليمية

تحضر الدليمية من لحم الأغنام والأرز والخبز العراقي، حيث يوضع الخبز ثم يرطب بمرق اللحم ويغطى بطبقة من الأرز ثم يتم وضع اللحم فوق الأرز ليكتمل منسف الدليمية وغالبًا ما يقدم في الولائم العشائرية والمناسبات وهو دليل كرم تفتخر به العشائر العراقية من شمال العراق إلى جنوبه.

كباب أربيل

من روائع العراق ذلك التنوع الثقافي والجغرافي الذي جعله ممتدًا من الجبل للهور، فتعتبر مناطق شمال العراق مصايف دائمة الترحاب لكل العراقيين، وعند نزولك في عاصمة كردستان العراق لا بد لك من تجربة كباب أربيل مع اللبن الذي تشتهر به المدينة.

لكباب أربيل خصوصية مختلفة عن الكباب التركي أو المصري، فهو يصنع بطريقة تجعل حبات اللحم المفروم أكبر حجمًا وأكثر دسامة مما يجعل الكباب الأربيلي ذا مذاق فريد وهشاشة لن تجدها في مكان آخر، إضافة لنوع اللحم الذي يكون من مراعي طبيعية لم تصلها الهندسة الجينية ولا التغذية الحديثة مما جعلها تحتفظ بالطعم المميز.

حتى طريقة الشواء لكباب أربيل خاصة فهي تحتاج لنار عالية وسريعة لأن نسبة الدهون في الكباب عالية مما يجعله يحتاج لنار سريعة تمنع اللحم من التساقط وتحافط على قوامها، وقد اشتهرت مطاعم خاصة بهذا الطبق مثل كباب زرزور وكباب كويسنجق وكباب فاروق الذين يعتبرون علامة فارقة في مطاعم الكباب العراقي بشكل عام.

الدولمة 

أو المحشي باللغة العربية، وتعتبر أغلب المصادر التاريخية أن الأكلة العراقية مشتقة من أكلة المحشي التركي، وتسمية الدولمة هي كلمة تركية بمعنى الردم أو ما تم حشوه، وقد اقترنت الكلمة بأحد أشهر قصور الدولة العثمانية وهو قصر "دولمة بهجة" ويقصد بها "الحديقة المحشية"، حيث كانت الأرض عبارة عن جزء من الساحل تم ردمه وتحويله لحديقة سلطانية قبل أن يتم بناء القصر على أرض تلك الحديقة ليصبح في منتصف القرن الثامن عشر مركزًا لحكم السلطنة.

الدولمة العراقية بمكوناتها الغنية والمتعددة تشبه فسيفساء الشعب العراقي

كما تأثرت الدولمة بمطبخ بلاد الشام إضافة للمطبخ العثماني لتخلق مزيجًا فريدًا في طبق واحد، وتستخدم ربة البيت العراقي الخضراوات من قرع وباذنجان وبصل وأوراق العنب ليتم حشوها بالرز واللحم مع التوابل قبل أن توضع في وعاء واحد وتطبخ معًا لتمتزج الأطعم بطريقة فريدة لن تجد مثلها في بقية المطابخ.

تشتهر مدن عراقية عديدة بأكلة الدولمة ولكل منهم لمسة خاصة في صناعتها رغم الحفاظ على الفكرة العامة، فتجد الدولمة الكركوكية أو ما تسمى التركمانية والدولمة الكوردية والموصلية والبغدادية وهناك مثل شائع لدى عشاق هذه الأكلة أن من يحب هذه الأكلة فإنه يحب زوجته كونها أكلة تحبها النساء بشكل أكبر من الرجال مما يجعل توافق الأذواق دليلاً على المحبة.

لا شك أن فسيفساء العراق متعددة ويمكن القول إن المطبخ العراقي من علامات هذا التعدد ووجه من أوجه التكامل والترابط العراقي الذي ستجده في كل زاوية من زواية المجتمع العراقي، هذه الصورة الحقيقة للعراق التي لا تظهر في الإعلام وهذه حقيقة شعب كريم لم يسترح من الحروب منذ وقت طويل جدًا.