ترجمة وتحرير: نون بوست

فور انتشار الإسلام في مكة والمدينة والمناطق المجاورة لها، لم يعد أي فرد يعبد الأصنام في تلك المناطق. وفي الأثناء، اتخذت عبادة الإله الواحد حيزا كبيرا في قلوب الكثيرين من المسلمين من جديد. في تلك الفترة، لم يتبق أمام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم سوى مهمة واحدة ليقوم بها، ألا وهي قيادة جموع المسلمين لأداء مناسك الحج، فضلا عن توضيح وترسيخ أسسها في صفوفهم. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم سعيدا للغاية بهذا الأمر، نظرا لأنه، وأخيرا، سيعود إلى مكة المحببة جداً إلى قلبه، فضلا عن أنه سيتمكن من زيارة قبر زوجته خديجة، رضي الله عنها.

وفي الأثناء، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بدعوة المسلمين للحج. في أعقاب ذلك، أخذ الآلاف من المسلمين يتوافدون على المدينة المنورة ومكة المكرمة بغية أداء مناسك الحج. ومن المثير للاهتمام أن جل المسلمين كانت تغمرهم السعادة، حيث حظوا بفرصة أداء هذه الفريضة الجليلة برفقة نبيهم، محمد صلى الله عليه وسلم.

بادر الرسول صلى الله عليه وسلم بارتداء لباس الإحرام ومن ثم انطلق للمدينة المنورة على ظهر بعيره بصحبة الصحابة الكرام. وفي منطقة قريبة من المدينة المنورة تُعرف باسم "ذي الحليفة" صلى الرسول الكريم ركعتين، ليعقد إثر ذلك نية الحج ويشرع الجميع في ترديد التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك". بعد ذلك، تحرك موكب الرسول الأعظم من منطقة "ذي الحليفة" في اتجاه مكة المكرمة، في حين كان الرسول يُردد التلبية كلما صعد تلا وكلما نزل منه. وفي الأثناء، رفع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء ودعا الله قائلا: "اللهم إني أرجو رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار". والجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر الموكب بالتوقف كلما حل وقت أداء الصلاة، مجيبا على مختلف الأسئلة التي يوجهها الصحابة الكرام له.

دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة من باب بني شيبة، داعيا إلى الحفاظ على قدسية ذلك المكان.

لحظة وصول الموكب لمكة وظهور الكعبة للعيان، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يكبر مرددا صحبة المسلمين، "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا". كانت تلك العبارة بمثابة إعلان عن انتهاء حقبة عبادة الأصنام وعبادة العباد للعباد، وانطلاق مرحلة عبادة الإله الواحد من جديد.

دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة من باب بني شيبة، داعيا إلى الحفاظ على قدسية ذلك المكان. إثر ذلك، اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم للطواف حول الكعبة انطلاقاً من الحجر الأسود. وكان كلما مرّ بموضع الحجر الأسود، استلمه بيمينه، أي مسح عليه. وبعد انتهاء الطواف، انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مقام إبراهيم وصلى فيه ركعتين. بعد انهائه الصلاة في مقام إبراهيم، اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بئر زمزم وشرب من مائه حتى ارتوى، علما وأنه قد روي أن الرسول الأعظم كان ينظر للكعبة أثناء شربه ماء زمزم.

من جانب آخر، روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلقي السلام على كل من كان يلتقي به من الصحابة أثناء أداء مناسك الحج. وفي الأثناء، كان الجميع يكررون الأعمال التي كان يقوم بها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج، تطبيقا لحديثه "خذوا عني مناسككم". أما المرحلة الموالية، فقد كانت السعي بين الصفا والمروة. وقد قرأ الرسول الكريم، آنذاك، على مسامع المسلمين، الآية التالية: "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوف بهما". البقرة 158.

يشهد العالم الإسلامي انقساماً كبيرا بين جموع المسلمين فيما يتعلق بالدستور الإسلامي الذي يجب التقيد به

في أعقاب ذلك، انتقل موكب الحج إلى منى وجبل عرفات، وذلك في التاسع من ذي الحجة. وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما فتئ، طوال اليوم، يكرر العديد من الأدعية وهو بصدد الوقوف على جبل عرفة. وقد انتهى الدعاء بخطبة الوداع التي ألقاها الرسول على جموع المسلمين.

وفي هذا السياق، يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم ألقى خطبة الوداع من على ظهر بعيره، وذلك حتى يترامى صوته إلى أكبر عدد ممكن من المسلمين. من جانبهم، عمد بعض الصحابة إلى نقل فحو هذه الخطبة لمن عجز عن سماع صوت النبي صلى الله عليه وسلم. ويعزى السبب وراء ذلك إلى العدد الكبير من الحجاج الذي وصل إلى ما يقارب عن 120 ألف حاج.

خلال خطبة الوداع، تطرق الرسول الكريم إلى أسس إنسانية عامة، أعلن من خلالها عن تحرر البشرية من قيود الجاهلية وبداية عهد جديد. من جهة أخرى، تواترت الحكم والمواعظ في صميم خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم، في حين وكانت جلها تبين الحدود الشرعية في المعاملات والقوانين الإنسانية. والجدير بالذكر أن الرسول الحبيب قد خاطب المسلمين في تلك الخطبة باسم جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام. كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين على اتخاذ القرآن دستوراً في الحياة العملية.

غفل المسلمون عن حقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم التزم في سنته بالدستور القرآني وفقا لأوامر الوحي الذي أنزله الله عليه عن طريق جبرائيل عليه السلام، ولم يأت بدستور جديد غيره

في الوقت الراهن، يشهد العالم الإسلامي انقساماً كبيرا بين جموع المسلمين فيما يتعلق بالدستور الإسلامي الذي يجب التقيد به. ففي الوقت الذي يشدد فيه البعض على أننا ملزمون باتباع القرآن والسنة على حد السواء، يرى البعض الآخر أنه ينبغي التقيد بما ورد في القرآن فقط. ويعزى ذلك إلى ظنهم بأن هناك اختلافا بين القرآن والسنة، حيث غفلوا عن حقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم التزم في سنته بالدستور القرآني وفقا لأوامر الوحي الذي أنزله الله عليه عن طريق جبرائيل عليه السلام، ولم يأت بدستور جديد غيره. ولعل غياب هذه الحقيقة الجوهرية عن أذهان الكثيرين يعد السبب في  حياد المسلمين عن الأطر التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم، وغياب هذه الأطر  عن ركائز مختلف الدول على امتداد عصر ونيف.

المصدر: صحيفة  تقويم التركية