ما انفك زعماء الدول الأوروبية يبحثون عن خطط وحلول عملية لوقف تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من إفريقيا إلى سواحل القارة الجنوبية، آخر هذه الخطط ما كشف عنه الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون مؤخرًا، بإقامة مراكز لتدقيق طلبات اللجوء في بعض الدول الإفريقية.

مراكز تدقيق

المقترح الفرنسي الجديد يهدف إلى معرفة المهاجرين الذين تتوفر فيهم صفة لاجئ وحمايتهم تحت إشراف المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وذلك في مراكز للتدقيق تقام في النيجر وتشاد، وجاء هذا المقترح خلال قمة مصغرة عقدت في العاصمة الفرنسية باريس الإثنين بمشاركة قادة سبع دول أوروبية وإفريقية لبحث أزمة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا ومحاولة كبحها بالتعاون مع دول الجنوب.

وقال ماكرون عقب القمة إن هذه المراكز ستمكن المهاجرين من بدء إجراءات اللجوء قبل مغادرة القارة الإفريقية، وتفادي مخاطر عبور البحر المتوسط، وتابع ماكرون أن الفرز سيتم استنادًا إلى لوائح المفوضية العليا للاجئين، وسيشمل مهاجرين يقيمون في بلدي المرور "تشاد والنيجر"، معتبرًا أن هذا الأمر سيجنب اللاجئين الدخول في مجازفات غير محسوبة في منطقة غاية في الخطورة، وأيضًا في البحر المتوسط.

خلال الأشهر التي أعقبت توليه منصب الرئاسة الفرنسية سعى إيمانويل ماكرون لأخذ زمام المبادرة لمحاولة التحكم في تدفق اللاجئين

ووصف الرئيس الفرنسي خطة العمل السريعة والقصيرة الأجل التي وضعتها الدول المشاركة في القمة، بأنها الأكثر إلحاحًا وكفاءةً، وقال إن مجموعات من مهربي الأسلحة والبشر والمخدرات وجماعات مرتبطة بالإرهاب - الذين حولوا الصحراء في إفريقيا والبحر المتوسط إلى مقبرة - مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالإرهاب.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

وخلال الأشهر التي أعقبت توليه منصب الرئاسة الفرنسية سعى إيمانويل ماكرون لأخذ زمام المبادرة لمحاولة التحكم في تدفق اللاجئين الذين يعبرون البحر المتوسط من ليبيا، وسبق أن اقترح ماكرون هذا المقترح القاضي بتأسيس مراكز في إفريقيا لفحص طلبات اللجوء، إلا أن حلفاءه الأوروبيين والأفارقة شكّكوا في فعاليتها، وسبق أن قال رئيس الحكومة الفرنسية إدوارد فيليب إن حكومة بلاده تعتزم تمييز المهاجرين الاقتصاديين عن أولئك الذين يبحثون عن ملجأ على الأراضي الفرنسية، مضيفًا أنها ستعتمد سياسة صارمة تجاه من ترفض طلبات لجوئهم، وأوضح "سيتمّ ترحيلهم تلقائيًا فور رفض طلبهم".

مساعدات بقيمة 7 مليارات دولار

بالتزامن مع ذلك، دعا رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاياني، لتخصيص مساعدات مالية إضافية إلى ليبيا بقيمة 7 مليارات دولار، لمواجهة أزمة الهجرة غير الشرعية، على غرار المساعدات المالية الأوروبية المقدمة إلى تركيا، وقال تاياني في تصريحات لجريدة "لاريبوبليكا" الإيطالية: "خصصت أوروبا 7 مليارات دولار إلى تركيا لإغلاق ممر الهجرة غير الشرعية في البلقان، وحان الوقت لنفعل الشيء نفسه مع ليبيا، على أوروبا إعطاء ليبيا 7 مليارات دولار، ثم بعدها يمكننا الاستثمار في باقي دول المنبع بإفريقيا".

رئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاياني

ولفت إلى أن المساعدات المالية الأوروبية من شأنها تشجيع التوافق الوطني بين الأطراف الليبية المتنافسة، وشدد تاياني، على أهمية تخصيص ميزانية مالية أيضًا لدولتي النيجر وتشاد، لتشجيعهما ومساعدتهما في إغلاق مسارات الهجرة إلى ليبيا، إذ يمكن استخدام تلك الممرات من قبل عناصر تنظيم "داعش"، وخلال سنة 2015، خصّص الاتحاد الأوروبي، خلال قمة عن الهجرة في فاليتا (مالطا)، 1,8 مليار يورو لفائدة البلدان الإفريقية، ودفع في أغسطس 2016 مساعدة بقيمة 10 ملايين يورو للنيجر للتصدي للهجرة غير الشرعية، في أول دفعة من البرنامج المقرر.

الإفراج عن المهاجرين المعتقلين الأكثر ضعفًا

في عضون ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس أمس الإثنين، ليبيا إلى الإفراج عن المهاجرين المعتقلين الأكثر ضعفًا، وذلك في تقرير نشر الإثنين يشجب انتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد العربي، وقال جوتيريس فى التقرير إن المهاجرين لا يزالون ضحايا أقسى أشكال العنف التي يمارسها المهربون والمتاجرون بالبشر وعناصر الفصائل المسلحة وقوات الأمن، متطرقًا إلى سوء المعاملة والسخرة والاعتقال التعسفي والاغتصاب وغيره من أشكال العنف والاستغلال الجنسي.

وقال الأمين العام إن ممثلين من بعثة الأمم المتحدة في ليبيا زاروا مراكز احتجاز تابعة لدائرة مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبية في الجريان وطرابلس ومصراته وصرمان حيث "يحتجز آلاف المهاجرين بصورة تعسفية لفترات طويلة دون أن تتاح لهم فرصة الاعتراض على احتجازهم أمام القانون ،"  و أضاف "يجب احترام الحقوق الأساسية للمهاجرين على الدوام"، ودعا السلطات الليبية إلى الإفراج على الفور عن الأكثر ضعفًا لا سيما النساء المعرضات للخطر والحوامل والعائلات التؤ لديها أطفال والأطفال المنفردين أو المفصولين (عن عائلاتهم) والمعوقين".

منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحولت ليبيا إلى مركز جذب للآلاف من المهاجرين غير الشرعيين

واستغلت شبكات تهريب البشر الفوضى السياسية والأمنية التي تعيش على وقعها ليبيا للتوسيع من نطاق عملها، واحتجاز المهاجرين القادمين في الغالب من نيجيريا والسنغال والغابون في أثناء توجههم إلى الساحل الشرقي لليبيا بحثًا عن قوارب تقلهم إلى أوروبا، وتعتبر مدينة سبها في جنوب ليبيا، أحد المراكز الرئيسة لتهريب المهاجرين في البلاد.

ومنذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحولت ليبيا إلى مركز جذب للآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، ويتم تجميع المهاجرين على الحدود مع تشاد والنيجر ليتم إرسالهم باتجاه مدينة سبها وضواحيها، لينقلوا فيما بعد من سبها نحو سرت عن طريق الجفرة ومنها إلى المنطقة الغربية وتحديدًا إلى المدن الساحلية على غرار مصراتة وزوارة وطرابلس.

المغرب: هدف اللاجئين بعد ليبيا

بعد تشديد الخناق على ليبيا، وغلق الطريق البحرية بينها وبين إيطاليا، تحوّل المهاجرون الأفارقة إلى المملكة المغربية، حيث يستقر الآلاف هناك في مدن الشمال في انتظار الفرص لاجتياز الحدود المغربية الإسبانية خلسة والوصول إلى الهدف المنشود والجنة المبتغاة، غير آبهين بالصعوبات والمخاطر التي تعترضهم وتنتظرهم على حد سواء، مما أثار خشية المغربيين حكومة وشعبًا من إمكانية إغراق بلادهم بالمهاجرين الأفارقة غير النظاميين.

تدفق آلاف المهاجرين نحو أوروبا عبر سبتة المغربية

وفي سنة 2017، تضاعف عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين عبروا البحر من شمال إفريقيا إلى إسبانيا مقارنة بالعام الماضي، ليتفوق على مسار ليبيا - إيطاليا كأسرع نقاط الدخول إلى القارة الأوروبية نموًا، وفي بداية السنة الحالية زاد اللجوء عبر مسار إسبانيا بشكل كبير إذ وصل آلاف المهاجرين غير الشرعيين، أغلبهم شبان من غينيا وساحل العاج وجامبيا والكاميرون، إلى سواحل منطقة الأندلس في جنوب إسبانيا ليصل الرقم إلى 4 أضعاف العدد المسجل في نفس الفترة العام الماضي.