مع انقضاء اليوم الأول من رحلتنا إلى إسطنبول نزلنا من الفندق فوجدنا مسجدًا تاريخيًا فخمًا، فكانت المفاجأة أن اللوحة الإرشاية له تقول: "هذا المسجد كان في الأساس كنيسة واستمر هكذا قرابه 1000 عام حتى حوله السلطان بيازيد الثاني لمسجد منذ 500 عام، فالمبنى تم بناؤه عام 530 ككنيسة تحت اسم سركيوس وباخوس من قبل الإمبراطور البيزنطي اليوستينيانوس، وبعد الفتح العثماني للمدينة تم تحويله إلى جامع في عهد السلطان بيازيد الثاني".

وبعد انتهاء ولديّ عبد الرحمن ويوسف من قراءة تاريخ المسجد بدأوا في إمطاري بسيل من الأسئلة مثل: لماذا حول العثمانيون المسجد إلى كنيسة؟ وهل تحويل الكنيسة إلى مسجد عمل يقبله الإسلام؟ وما الإضافة الجديدة التي حصلت بتحويل مبنى من كنيسة إلى جامع؟ فعلى حد قول يوسف الصغير "يعني بس يا بابا شالوا الصليب ووضعوا هلال مكانه"؟!

وعقب هذه الأسئلة من يوسف وعبد الرحمن قلت لهم أولاً: منطقكم في التساؤل سليم، فالإسلام شرع الجهاد والنضال من أجل أن ينال الناس حريتهم الدينية فلا يجبروا على اعتناق دين بالإكراه، ولا يفرض عليهم أحد هدم مقدساتهم وأماكن عبادتهم {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، وثانيًا:  تعالوا نبحث سويًا عن إجابات لهذه الأسئلة الجميلة. ثم تحركنا بعد ذلك نحو صحن المسجد استعدادًا لصلاة الظهر، فالمسجد يمتاز بأنه مفتوح للمصلين وتُقام به الصلوات الخمسة، ويصدح فيه صوت المؤذن آناء الليل وأطراف النهار، وبه متوضأ جميل للمصلين مبني على الطراز العثماني القديم  وصنابير المياه  النحاسية القديمة فيه تشعرك بأنك تعيش في عصر الخلافة لا في القرن الواحد والعشرين، وبعد الانتهاء من الوضوء وصلاة الظهر، طلبت من عبد الرحمن أن يسلِّم على الإمام ولو وجده يفهم العربية أو الإنجليزية يسأله عن سبب تحويل الكنيسة إلى مسجد، وكانت المفأجاة الثانية أن الإمام يفهم العربية وعنده قدرة متواضعة على الحديث بها، وأيضًا اتضح أن اسمه بلال، وبدأ عبد الرحمن بسؤاله الأول لماذا تم تحويل هذه الكنيسة القديمة إلى مسجد؟

بعد فتح القسطنطينية هرب معظم سكانها نحو أوروبا وتركوا بيوتهم ومصانعهم وأيضًا كنائسهم فأصبحت مهجورة، فتم ضم كل هذه الغنائم والممتلكات والأصول إلى بيت مال الخلافة وتحويل الكنائس المهجورة إلى مساجد من باب عمارة الدنيا

فابتسم الأمام وقال له هذا يرجع لعدة روايات تاريخية واجتماعية متعددة منها أن عددًا كبيرًا من أهالي القسطنطينية دخلوا في الإسلام بعد الفتح، وقرروا تحويل بعض كنائسهم إلى مساجد، وكان هذا المسجد داخل ضمن هذه العملية، فأهل هذه المنطقة كانوا مسيحيين أسلموا جميعًا وطلبوا من السلطان المساعدة في تحويل هذه الكنيسة القديمة لتصبح مسجدًا تُقام به الصلاة والذكر، فوافق السلطان  وعيَّن لهم الإمام والمؤذن وجعل له نصيبًا من الأوقاف للإنفاق عليه واستمر الوضع على هذا الحال منذ قرابه 500 عام.

وهناك رواية ثانية تقول إن بعد فتح القسطنطينية هرب معظم سكانها نحو أوروبا وتركوا بيوتهم ومصانعهم وأيضًا كنائسهم فأصبحت مهجورة، فتم ضم كل هذه الغنائم والممتلكات والأصول إلى بيت مال الخلافة وتحويل الكنائس المهجورة إلى مساجد من باب عمارة الدنيا  وتوفير نفقات بناء مساجد جديدة.

تحولت كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد بحق السيف والفتح الذي كان معمولاً به تاريخيًّا بين الإمبراطوريات في هذا الوقت

وختم الإمام بلال حديثه مع الأولاد بالرواية الثالثة فقال: بعض المصادر التاريخية تقول بأن السلطان محمد الفاتح قد اشترى العديد من الكنائس من كيسه الخاص (ميزانيته الخاصة) من الرهبان المشرفين عليها وحولها إلى مساجد كما يحدث الآن في بعض العواصم الأوروبية من شراء الجاليات المسلمة لبعض الكنائس القديمة وبموافقة الهيئات المسيحية المالكة لها.

وعند هذه الرواية تدخلت أنا وقلت للإمام بلال  ما تفضلت به من روايات تاريخية متعددة ربما تصلح لتفسير تحويل بعض الكنائس الصغيرة إلى مساجد ومنها هذا المكان الذي نجلس فيه ولكن كل هذه الروايات لا تفسر لنا تحويل كنيسة آيا صوفيا الكبيرة إلى مسجد في عصر الخلافة العثمانية، فقال الإمام بلال صحيح كلامك  وصدقت، فقد تحولت كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد بحق السيف والفتح الذي كان معمولا به تاريخيًّا بين الإمبراطوريات في هذا الوقت وخاصة مع البلدان التي تفتح عنوة وبالقوة مثلما حصل في القسطنطينية تمامًا.

في الختام وجدت أن هذا الحوار والنقاش كان ممتعًا للأولاد وفتح لهم فضاءً من الأفكار الجديدة، وجعل زيارتهم لإسطنبول أكثر متعةً واستفادة، فقد قدم هذا النقاش ليوسف وعبد الرحمن ولي أيضًا وجهه نظر مُعتبرة تبدو أنها أكثر حضارية في ملف علاقة المسلمين بالآخر المخالف في الدين والمعتقد.